لم تطل فترة الصفاء بين الناصر يوسف والمعز عز الدين أيبك، فقد ساء المعزّ أن يسترجع الناصر يوسف منه البلاد الساحلية في الشام، وأن يقطعها للمماليك البحرية الفارين من مصر عقب مقتل الأمير فارس الدين أقطاي (^١)، وبدأت تلوح بينهما نذر الحرب، فسارع الخليفة المستعصم بالله، وقد استولى التتار على قلاع الإسماعيلية (^٢)، وقربوا من حدوده الشرقية إلى إرسال الشيخ نجم الدين البادرائي في أواخر سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٧ م) لتجديد الصلح بينهما (^٣)، وقد تقرر فيه أن يكون للملك المعزّ ما كان للسلطان الصالح أيوب من الساحل ببلاد الشام مع ملك مصر، وألا يؤوي الناصر يوسف عنده أحدًا من المماليك البحرية (^٤).
ويبدو أن هذا الشطر الثاني من الاتفاق كان سريًا، إذ لم يشعر به المماليك البحرية إلا من خلال تغير الناصر يوسف عليهم، وذلك بالإعراض عنهم، وترك الإحسان إليهم، بل إنَّ رواتبهم صارت تتأخر أشهرًا كثيرة، وأحس الأمير ركن الدين بيبرس بهذا التغير، وهو يرى الهدايا المتبادلة بين الناصر يوسف والمعز أيبك،
_________________
(١) انظر ص ١٨١ - ١٨٢ من هذا الكتاب.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٥.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٩٧.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٩٨.
[ ١٩٥ ]
وكان يبلغه ما كان يكتبه عنه المعز أيبك للناصر يوسف من المكاتبات الباطلة، فرأى ألا بد له من مغادرة دمشق، فاستأذن الناصر يوسف في الذهاب إلى نابلس، وكانت إقطاعه (^١).
* * *
لم يكن الملك المعز أيبك في سعيه لتثبيت حكمه في مصر، ولإلقاء هيبته في القلوب يتورع حتى عن القتل، فقد قتل خلقًا كثيرًا، وشنق عالمًا من الناس بغير ذنب اقترفوه، ليوقع في القلوب مهابته (^٢)، وبرغم أنه تخلص من غريمه القوي الأمير فارس الدين أقطاي، وشتت أتباعه في البلاد، وطاردهم، وعلى رأسهم الأمير ركن الدين بيبرس وقلاوون الألفي، غير أنَّ متاعبه لم تنته، فقد كانت زوجته شجرة الدر، وقد ذاقت خمرة السلطة، مستبدة بأمور مصر، ولا تطلعه عليها (^٣)، وأخفت عنه ذخائر السلطان الصالح أيوب، بل إنها منعته حتى من الاجتماع بزوجته الأولى أم ابنه علي، وألزمته بطلاقها (^٤)، فتغير عليها، وراودته نفسه على قتلها (^٥)، وربما كيدًا لها، وخلاصًا من سلطانها بعث إلى الملك المنصور بن المظفر صاحب حماة، وإلى الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يخطب ابنتيهما (^٦).
ولم تكن شجرة الدر وهي المرأة القوية المتسلطة، صاحبة الفضل على المعز فيما وصل إليه لترضى بذلك (^٧)، فأخذت تدبّر في مقتله (^٨)، وأرسلت نصرًا
_________________
(١) «الروض الزاهر»: ص ٥٥ - ٥٦.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٥.
(٣) المصدر السالف.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ق ٤٠٣.
(٥) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ق ٤٠١.
(٦) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ق ٣٩٨.
(٧) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٥.
(٨) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٩٨.
[ ١٩٦ ]
العزيزي، وهو ممن يخلص لها الولاء، بهدية إلى الناصر يوسف، وتعلمه أنها قد عزمت على قتل المعز والتزوج به، وتمليكه مصر، غير أن الناصر يوسف خشي أن يكون في كلامها خديعة له، فلم يجبها (^١).
وقد علم صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ بما تدبره شجرة الدر للمعز، فأرسل إليه يحذره منها، ويعلمه أنَّها خامرت عليه الناصر يوسف، فازداد ما بينهما من جفاء (^٢)، فترك القلعة، وأقام بمناظر اللوق أيامًا كي يتدبر أمره معها (^٣)، وقد هداه تفكيره إلى إنزالها من القلعة إلى دار الوزارة كخطوة أولى لتجريدها من سلطانها (^٤)، فبيت هذا العزم في نفسه، فلمَّا بعثت إليه شجرة الدر يوم الثلاثاء (٢٤) ربيع الأول سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) تعزم عليه أن يعود للقلعة، تظاهر بالرضا، وطلع إلى القلعة في آخر النهار، وهو يتحين الفرصة لتنفيذ ما عزم عليه، غير أن شجرة الدر كانت أسرع منه، فقد أعدت له خمسة من أتباعها ليقتلوه، منهم محسن الجوجري، ونصر العزيزي، فما إن دخل الحمام ليلًا حتى أغلق عليه الباب محسن الجوجري وغلام كان عنده شديد القوة، ومعهما جماعة، فأخذ بعضهم بأنثييه، وبعضهم بخناقه، فاستغاث المعز بشجرة الدر، فأدركها من الرحمة ما يدرك المرأة وهي ترى زوجها في غاية عجزه وضعفه، فقالت: اتركوه، فأغلظ لها محسن الجوجري في القول، ثم قال لها: متى تركناه لا يبقي علينا ولا عليك. ثم قتلوه (^٥).
وبعثت شجرة الدر في تلك الليلة أصبع المعز علامة على قتله وخاتمه إلى
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٢.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٣.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٢.
(٥) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٣.
[ ١٩٧ ]
الأمير عز الدين أيبك الحلبي، وقالت له: قم بالأمر، فخاف، ولم يرض (^١).
وإخفاء لمقتله أشيع أنَّ المعز مات فجأة في الليل، وأقاموا الصائح في القلعة ينعاه، فلما سمع مماليكه بموته لم يصدقوا بذلك، وقد تركوه في آخر النهار صحيح البدن، معافى، وقام الأمير علم الدين سنجر الغتمي، وهو يومئذ كبير المماليك البحرية، ومعه مماليك المعز إلى الدور السلطانية، وقبضوا على الخدام والحريم، وعاقبوهم، فأقروا بما جرى، وعند ذلك قبضوا على محسن الجوجري، واستطاع نصر العزيزي الفرار نحو الشام (^٢).
ولما رأت شجرة الدر أنه قد أحيط بها، وعلمت أنَّ خطتها قد انكشفت، عمدت في لحظة يأس وغيرة إلى ما عندها من الجواهر واللآلئ، وهو شيء كثير، فكسرته في الهاون (^٣)، ولما تمكنوا من القبض عليها أراد مماليك العز قتلها، فحماها مماليك الصالح أيوب، ونقلت إلى البرج الأحمر بالقلعة (^٤).
واجتمع الأمراء يوم الخميس (٢٦) ربيع الأول سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) وأقاموا ابن المعز نور الدين علي سلطانًا على مصر، ولقبوه بالملك المنصور، وعمره نحو خمس عشرة سنة، وأقيم الأمير سيف الدين قطز، مملوك المعز (^٥) نائبًا للسلطنة كما كان في زمن المعز، فصار مدبر دولة الملك المنصور نور الدين علي (^٦).
وحملت شجرة الدر يوم الجمعة (٢٧) ربيع الأول إلى ضرتها أم السلطان
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٣.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٤.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٣.
(٥) من الخطأ الشائع ما يكتبه بعض كتبة التاريخ من المعاصرين من أن قطز من المماليك البحرية، وإنما هو من مماليك المعز، انظر «المذيل»: ٢/ ١٣٨.
(٦) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٥.
[ ١٩٨ ]
علي، وقد كانت بينهما غيرة شديدة، فضربها الجواري بالقباقيب، إلى أن ماتت يوم السبت (٢٨) ربيع الأول سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م)، فألقوها من سور القلعة إلى الخندق، وليس عليها سوى سراويل وقميص، فبقيت في الخندق أيامًا حتى أنتنت، فحملت في قفة، ودفنت بتربتها قريب المشهد النفيسي (^١).
* * *
ووصلت أخبار هذه الحوادث المؤلمة إلى دمشق في أوائل شهر ربيع الآخر سنة (^٢) (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) عقيب وقوعها بأيام قليلة، كان أبو شامة في تلك الأيام يجلس بحلقته في جامع دمشق، وقد التف حوله بعض أصحابه يقرؤون عليه «كتاب الروضتين» (^٣)، ولا ريب أنَّ هذه الأخبار زادته كرهًا لهؤلاء المماليك الذين استبدوا بالملك، لا يرعون حرمة دم، ولا يحفظون مالًا ولا عرضًا، حقًا أنهم افتتحوا عهدهم بالانتصار على الفرنج في المنصورة، ولكنهم لوثوا انتصارهم بما سفكوه من دماء في شوارع القاهرة، ألم يشنقوا الرجال ترسيخًا لهيبتهم؟ ألم يعتدوا على نساء المسلمين وأولادهم؟ وإذا كانت مهمة السلطان في رأي أبي شامة في إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، فإنَّ مهمة أعظم تنتظره، وهي النظر في مصالح العباد (^٤)، إذ لا معنى للجهاد إذا كان معه تضييع حق العباد.
وأكب أبو شامة في بيته على أوراقه يسجل فيها تلك الحوادث، ويبدو أن نصرًا العزيزي، وقد فرّ إلى الشام، وهو أحد أركان المؤامرة، قد أشاع فيها، تبرئة لنفسه، أنَّ المعز مات فجأة، وأنَّ شجرة الدر بريئة من دمه، ويتلقف أبو شامة هذه الشائعة دون أن يتحقق منها، فيدوّن في تاريخه: «وفي أوائل شهر ربيع الآخر جاءنا
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٤.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١١٩.
(٣) كتاب الروضتين: ٣/ ١٦ م.
(٤) كتاب الروضتين: ٤/ ٤٣٤.
[ ١٩٩ ]
الخبر من ديار مصر بموت ملكها حينئذ عز الدين أيبك التركماني، أحد مماليك نجم الدين أيوب بن الكامل بن العادل بن أيوب، وهو الذي غلب عليها بعد قتل ابنه المعظم بن الصالح بن الكامل، ويلقب بالملك المعز، وكثر الظلم والقتل بتلك الديار من المماليك المعروفين بالبحرية في أموال المسلمين، ونسائهم وأولادهم إلى أن قتل رفيقه فارس الدين أقطاي. ثم مات هذا التركماني بداره بغتة، ولا يُعلم سبب موته، وتعصب أصحابه لإقامة ابنه مقامه، ولقبوه بالملك المنصور نور الدين علي، وضُرب الدرهم باسمه، واتهموا زوجة التركماني أنها قتلته، فأعدموها، وكانت جارية لسيدهم الملك الصالح أيوب بن الكامل، تكنى أم خليل، بابن له منها دَرَجَ، وتلقب شجرة الدر، والله تعالى يصلح أمور المسلمين» (^١).
في نابلس كان الأمير ركن الدين بيبرس يرقب هذه الأحداث، ويرى أنه الأحق بملك مصر عقب مقتل المعز، أليس هو صاحب الانتصار في المنصورة؟ أليس هو من قتل السلطان تورانشاه ليفسح للمماليك أن يحكموا؟ أهكذا يبعد عن مصر، ويعيش مطاردًا تتقاذفه البلاد، بينما يستولي عليها أحد مماليك المعز؟ ويرى الفرصة قد سنحت، فيترك نابلس في شوال سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) وينضم مع فرسانه السبع مئة إلى الملك المغيث صاحب الكرك، ويطمعه بالاستيلاء على مصر، والظروف مواتية، فيرسل المغيث عسكره مع ركن الدين بيبرس، فيسير إليها، غير أنَّ هذا الجيش الصغير لن يستطيع مهما تبلغ شجاعة قائده أن يتغلب على جيش مصر القوي، وقد خرج إلى الصالحية بقيادة سيف الدين قطز لمنعه عنها، وتقع المعركة بينهما في يوم السبت (١٥) ذي القعدة سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) مسفرة عن هزيمة بيبرس وعسكر الكرك، ويعود سيف الدين قطز إلى القاهرة منصورًا، بينما يقبع بيبرس في قلعة الكرك يتآكله الغيظ، متربصًا فرصة أخرى (^٢).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١١٩ - ١٢٠.
(٢) «الروض الزاهر»: ص ٥٧ - ٥٨، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٠٦.
[ ٢٠٠ ]