لم يذكر لنا أبو شامة متى بدأ بتأليف كتابه «الروضتين»، واكتفى بذكر فراغه من إسماعه، وذلك سنة (^١) (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م)، ومن ثَمَّ علينا أن نخمن وقت ابتدائه بتأليفه من خلال إشارات قد تضيء ذلك.
ولعل أول هذه الإشارات ما ختم به كتابه حين ذكر وفاة الأشرف والكامل سنة (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٧، ١٢٣٨ م) بقوله: «ووفق من بقي من أهل بيتهم، وأصلح ذات بينهم، آمين» (^٢).
وقد ذكر أن فكرة تأليف الكتاب قد واتته حين اطلع على ترجمة نور الدين وصلاح الدين (^٣)، وبقيت هذه الفكرة تتخمر في عقله حتى جاءت ظروف أنضجتها، ولعل هذه الظروف هي زمن احتدام الصراع على دمشق بين الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وبين عمه الصالح إسماعيل بن العادل، وذلك سنة (^٤) (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م)، ويبدو أن خروج الشيخ عز الدين بن عبد السلام من دمشق في أواخر
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٠٠.
(٢) «كتاب الروضتين»: ٤/ ٤٨٦.
(٣) انظر ص ١١٧، ٣٥٣ من هذا الكتاب.
(٤) انظر ص ١٠٦ - ١٠٧ من هذا الكتاب.
[ ٣٥٧ ]
سنة (^١) (٦٣٨ هـ/ ١٢٤١ م) مفارقًا الصالح إسماعيل بعد تنازله للصليبيين عن حصن شقيف أرنون وصفد (^٢) كان دافعًا قويًا لمباشرة تأليف هذا الكتاب، إذ وجد أبو شامة نفسه في ذلك الوقت وحيدًا، وقد خلت دمشق من شيخها الجليل، ولم يكن استياؤه وغضبه من الصالح إسماعيل يقل عن غضب صاحبه عز الدين (^٣)، فباشر تأليف هذا الكتاب، لعله يكون سببًا في فيئة سلاطين ذلك الزمان إلى رشدهم، وذلك بسيرهم على خطا نور الدين وصلاح الدين بعد أن تنكب بهم الطريق الكامل محمد ومن بعده الصالح إسماعيل، فإذا كانت صدمته بالكامل حين تنازل عن القدس للصليبيين قد جعلته يبدأ بتدوين التاريخ (^٤)، فإن صدمته بالصالح إسماعيل حين تنازل عن شقيف أرنون وصفد جعلته يبدأ بتأليف هذا الكتاب. ولعل إيثاره الانكفاء على نفسه في المدرسة العادلية الكبرى - حيث كان يسكن (^٥) - نائيًا بنفسه عن متوليها الظالم قاضي قضاة دمشق رفيع الدين الجيلي (^٦)، قد أوجد لديه وقتًا رحيبًا لتنفيذ مشروعه.
وبقي مكبًا على تأليفه إلى سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) مع ما تخلل ذلك من تأليفه كتبًا أخرى في الفقه والقراءات، ويبدو أنه حين شارف على الانتهاء منه ألم به مرض أقعده عن إتمامه، وقد أشير إلى ذلك في القصيدة التي مدح بها بعد شفائه، وذلك ثامن ذي الحجة سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) إذ قيل فيها:
فحاشا ندى التَّصْنِيفِ أَنْ لا يَثُجَّ مِنْ … غزير وحاشا الرُّوْضَتَيْنِ من المَحْلِ (^٧)
_________________
(١) انظر ص ١١٦ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص ١١٤ من هذا الكتاب.
(٣) انظر ص ١١٥ من هذا الكتاب.
(٤) انظر ص ٣٥١ - ٣٥٢ من هذا الكتاب.
(٥) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢٦٤.
(٦) انظر ص ١١٥ من هذا الكتاب.
(٧) «المذيل»: ١/ ١٤٧.
[ ٣٥٨ ]
أليس المحل هنا كناية عن انقطاعه عن إتمام تأليفه؟ ولا سيما أن القصيدة قيلت فرحًا بعودته إلى مجلسه بجامع دمشق، واستئنافه إسماع مختصره لتاريخ دمشق وغيره من مؤلفاته، ولو كان يُسمع «كتاب الروضتين» في ذلك الوقت لذكر ذلك.
ويبدو أن أبا شامة، وقد أبل من مرضه، قد استأنف تأليف كتابه، وكان من شرطه فيه أن يؤرخ لدولتي نور الدين وصلاح الدين، غير أنه بعد أن ذكر وفاة صلاح الدين ومناقبه، ألفى نفسه مشدودًا لذكر ما وقع عقيب وفاته (^١) من منازعات بين أولاده: الأفضل والعزيز والظاهر وأخيه العادل، فسردها حتى وصل فيها إلى حوادث سنة (٥٩٢ هـ/ ١١٩٥ م) وكان إتمامه في الشهور الأولى من سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) ثم جلس لإسماعه في جامع دمشق (^٢) حتى فرغ منه في السنة نفسها (^٣).
وقد شعر بعد فراغه من إسماعه أن صورة ما جرى بعد وفاة صلاح الدين لم تكتمل فصولًا، فانشغل بعد سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) في إتمام ما استحسن زيادته مما جرى بين سنتي (٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م) إلى سنة (^٤) (٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م).
وكان في أثناء قراءاته في تواريخ تلك الفترة يقع على أخبار فاته تدوينها في كتابه، وقد تجمعت لديه منها زيادات كثيرة، فراح يلحقها في أماكنها من الكتاب، ثم عن له أن يعاود نسخه وتبييضه مضيفًا إليه تلك الزيادات، فكان هذا هو التأليف الثاني والأخير للكتاب، وقد فرغ من المجلدة الأولى منه في (١١) رمضان سنة (٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م)، وقد صرح فيها «أن كل ما ينقل من هذه النسخة هو الأصل الذي يعتمد عليه ويركن إليه» (^٥).
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ٤/ ٤٣٣.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٤٦ - ١٤٧، ١٤٩.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٠٠.
(٤) انظر «كتاب الروضتين»: ٤/ ٤٣٤.
(٥) «» كتاب الروضتين»: ٣/ ١٦ م.
[ ٣٥٩ ]
وقد جلس أبو شامة لإسماع كتابه «الروضتين» من هذه النسخة غير ما مرة في حياته، نعرف منها إسماعه له سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) وسنة (٦٦٤ هـ (^١) / ١٢٦٥ م).
* * *
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ٣/ ١٦ م.
[ ٣٦٠ ]