لعل أبا شامة قد شعر بشيء من الرضا، وهو يقضي أيامه في دار الحديث الأشرفية، وقد تصدر لمشيختها، ومع أوراقه وهو يكتب فيها فتاويه عما يرد إليه من أسئلة، وهو مفتي الشام.
وكانت قصيدته الفلاحة الرائية قد أثارت عليه عداوة القضاة والعلماء، وكل من له صلة بالأوقاف، فراحوا يتربصون به، ولربما زاد من عداوتهم له استمراره في الحملة عليهم، وها هو الآن ينبز القضاة الجدد بالجهل والظلم، إذ ليس فيهم من يبت الحكم علمًا أو يسوس (^١)، ساخرًا منهم ومن ألقابهم التي أضافوها إلى الشمس، وهم ظالمون مظلمون في أحكامهم (^٢).
ولم يكن أبو شامة يأبه حقًا لما يثيرونه ضده من عداوة، فهو مطمئن إلى أن ما يقوم به إنما هو حق العلم عليه، أن ينصح للأمة، ويصدع بالحق، لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وقد توكل على الله، فهو حسبه من كيد الكائدين.
ولربما يدل على رضاه واطمئنانه تلك المنامات التي رئيت له في هذه الأيام، وقد سطرها في «مذيله»، فهو تارة في ثياب بيض، أو في دار واسعة مبيضة، أو في بستان كبير، في وسطه بركة ماء مد البصر، تنبع من عين فيه.
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢١٥.
(٢) المصدر السالف.
[ ٣٣٧ ]
فقد رأى ضياء الدين عبد الرحمن بن الجمال عبد الكافي فيما يرى النائم في ليلة (١٤) ربيع الآخر سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) كأن شخصًا معروفًا يقرئ في إيوان شيئًا من التصريف، وحوله جماعة، ثم جاء آخر، فقعد يقرئ جماعة بحذائه، وانصرف من عند الأول بعض جماعته إلى الثاني، فبينا هم كذلك إذ أشرف عليهم أبو شامة من طاقة في أعلى حائط ذلك الإيوان، وعليه ثياب بيض من صوف، والعمامة كذلك، وفوقها شيء مسبل عليها وقاية لها كصورة ما يفعله من يجعل على عمامته منديلًا أو نحوه لأجل مطر أو حَرّ، فلما أشرف عليهم أبو شامة بغتة من حيث لم يكونوا يتوقعون ذلك، قال أبو شامة: قال رسول الله ﷺ، فذكر حديثًا، نسيه ضياء الدين، قال: فبكى القوم، وبكى أبو شامة، فقال قائل من الجماعة: في فضائل رجب، أي أسمعنا في فضائل رجب. ثم انتبه ضياء الدين من النوم (^١).
وقد عبر أبو شامة هذه الرؤيا لضياء الدين بعد أن قصها عليه بأنه شيء يحدث من الخير إن شاء الله في رجب هذه السنة، لقرينة فضل رجب، وذكر النبي ﷺ، واتعاظ الجماعة، والبكاء يؤول بالفرح والسرور من ذلك الأمر، بتوفيق الله تعالى (^٢).
ثم رأته امرأة - لم يسمها - فيما يرى النائم كأن لأبي شامة دارًا واسعة كبيرة مبيضة، وزواياها ملأى من الخبز المثلث بعضه فوق بعض (^٣).
ويرى أخوه إبراهيم فيما يرى النائم كأن لأبي شامة بستانًا كبيرًا، وفيه عين ماء، في وسطه بركة مد البصر، فيقول ليوسف: - ولعله أحد العاملين في بستان أبي شامة - افتح الماء، ففتح، فجرى فيها أنابيب (^٤)
* * *
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٢٢٣.
(٣) المصدر السالف.
(٤) المصدر السالف.
[ ٣٣٨ ]
ولربما يدل على ما كان يشعر به أبو شامة من اطمئنان، وأنه لم يكن يلتفت لعداوة من عاداه اتخاذه منزلًا له في محلة طواحين الأشنان خارج باب توما في آخر المعمور (^١)، وهو مكان مخوف موحش في تلك الأيام التي لا أمان فيها إلا لمن يسكن داخل الأسوار، ولربما كان يقيم في ذلك البيت وحده، عاكفًا فيه على تصانيفه وقراءاته، بعيدًا عن صخب أطفاله الصغار في بيته بدار العطافية غربي المدرسة العادلية الكبرى، ولم يكن أبو شامة يدري أن ثمة من يترصد له للإيقاع به.
فبينما كان في يوم السبت السابع من جمادى الآخرة سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) في بيته بطواحين الأشنان، إذ طرق عليه طارق، فإذا هما رجلان يريدان أن يستفتياه في فتوى، فما إن فتح لهما الباب ودخلا حتى انهالا عليه ضربًا مبرحًا كاد يتلف منه (^٢)، ولربما حاولا خنقه (^٣)، حتى إذا همد وظنا أنهما قتلاه، غادرا البيت خفية دون أن يدري بهما أحد، أو يحس بهما أحد (^٤).
وبعد رحيلهما ثاب إلى أبي شامة وعيه، واستطاع أن يتماسك، وأن ينهض.
وعلم من حوله من الأصحاب بالأمر، وهالهم حقًا ما جرى له، فقالوا له: إن ما جرى أمر عظيم لا ينبغي السكوت عنه، فقم إلى ولاة الأمر، واشك إليهم ما وقع لك كي ينصفوك، ويأخذوا حقك ممن اعتدى عليك. غير أن أبا شامة كان قد عقد مع الله عقدًا، أن يصبر على ما يصيبه من بلاء، وأن يتوكل عليه، فهو حسبه.
ويدون أبو شامة في «مذيله» ما جرى له، فيكتب: «وفي سابع جمادى الآخرة
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢٠٤، «الوافي بالوفيات»: ١٨/ ١١٥، «فوات الوفيات»: ٢/ ٢٧١.
(٢) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٣٦، «الوافي بالوفيات»: ١٨/ ١١٥، «فوات الوفيات»: ٢/ ٢٧١.
(٣) تالي وفيات الأعيان للصقاعي: ص ٩٩، وانفرد بروكلمان بقوله: وقتل رجمًا بالحجارة، ولم يذكر مستنده في ذلك، انظر «تاريخ الأدب العربي» (الترجمة العربية) القسم الثالث (٥ - ٦): ص ٣٨١ - ٣٨٢.
(٤) «الوافي بالوفيات»: ١٨/ ١١٥، «فوات الوفيات»: ٢/ ٢٧١.
[ ٣٣٩ ]
جرت لي محنة بداري بطواحين الأشنان، فألهم الله الصبر، وفعل الله تعالى فيها من اللطف ما لا يقدر على التعبير عنه بوصف، وكان قيل لي: قم واجتمع بولاة الأمر.
فقلت: أنا فوضت أمري إلى الله، فما أغير ما عقدته مع الله، وهو يكفينا سبحانه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^١)، ونظمت في ذلك ثلاثة أبيات:
قلتُ لمن قال أَمَا تَشْتَكي … ما قد جرى فَهْوَ عظيم جليل
يُقَيِّضُ الله تعالى لنا … من يأخُذُ الحق ويشفي الغليل
إذا توكَّلْنا عله كف … فَحَسْبُنا الله ونعم الوكيل (^٢)
* * *
ونتساءل: لم أغفل أبو شامة وقائع ما حدث له، واكتفى في وصف ما جرى له بكلمة محنة؟ ولم لم يكشف عمن ضربه، وهو لا ريب يعرفه؟ هل كان بصمته يسعى للنجاة من خطرهم؟ ثم لماذا امتنع من شكواهم لولاة الأمر؟ هل كان يعتقد أن ولاة الأمر متواطئون معهم؟ وأنه ليس له في محنته هذه من نصير إلا الله ﷾، فهو سيقيض له من يأخذ حقه، ويشفي غليله؟
ومع صمت أبي شامة صمت كذلك من عاصره من المؤرخين، ويبدو أن أعداء أبي شامة قد روجوا شائعة غريبة لما حدث له، وهو أن بعض تلاميذه تعرض لخنقه، إبعادًا لأنفسهم عن هذه التهمة، وقد تلقف هذه الشائعة الصقاعي، وهو مؤرخ نصراني، كان معاصرًا لأبي شامة، ويعمل كاتبًا في الديوان، فسجلها في تاريخه (^٣).
أما قطب الدين موسى بن محمد اليونيني، وهو مؤرخ معاصر لأبي شامة كذلك، فقد أشار إشارة خفية إلى الأسباب التي حملت على ضرب أبي شامة، إذ
_________________
(١) سورة الطلاق، الآية: ٣.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٣) «تالي وفيات الأعيان»: ص ٩٩.
[ ٣٤٠ ]
كان كثير الغض من العلماء والأكابر والصلحاء، والطعن عليهم، والتنقص لهم، وذكر مساوئ الناس، وثلب أعراضهم (^١).
هكذا يقذف اليونيني أبا شامة بتهم كبار، لا دليل له عليها، إلا إذا كان التعرض لأكلة الأوقاف يعد تنقصًا للعلماء والأكابر والصلحاء، وغضًا منهم (^٢).
ولعل الإمام الذهبي هو أول من فصل لنا ما جرى لأبي شامة في ذلك اليوم، فقال: «جاءه اثنان من الجبلية (^٣)، وهو في بيته عند طواحين الأشنان، فدخلا يستفتيانه، فضرباه ضربًا مبرحًا كاد يأتي على نفسه، ثم ذهبا، ولم يدر من سلطهما عليه، فصبر واحتسب، وقيل: جهزهما عليه بعض الأكابر» (^٤).
فمن هما هذان الرجلان؟ إنهما من الجبلية كما يذكر الإمام الذهبي، أي من سكان الجبل، وأقرب جبل إلى دمشق هو جبل قاسيون، فهل هما من جبل قاسيون؟ هذا ما أميل إليه، وأكاد أرجحه، وبخاصة أن أهل دمشق في ذلك الزمن حين كانوا يطلقون اسم الجبل، إنما يعنون به جبل قاسيون، وكثيرًا ما أطلقه أبو شامة في «المذيل» بهذا المعنى (^٥).
ولعل الذهبي آثر لفظ الجبلية، وهو غريب في هذا الموطن على لفظ
_________________
(١) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ٣٦٧.
(٢) بينت دافع اليونيني لقول ما قاله، وتهافته فيما كتبته تحت عنوان: من تكلم في أبي شامة، انظر ص ٤٤٩ - ٤٥١ من هذا الكتاب. وقد تلقف قوله هذا بعد نحو قرنين ونيف أبو عبد الله السخاوي دون تحقيق، وعده السبب وراء امتحانه. انظر «الإعلان بالتوبيخ»: ص ٤٧٦، و«فتح المغيث»: ٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٣) أكد كذلك أنهما من الجبلية الصفدي في «الوافي بالوفيات»: ١٨/ ١١٥، وابن شاكر الكتبي في «فوات الوفيات»: ٢/ ٢٧١. وتحرف هذا اللفظ عند الإسنوي في «طبقات الشافعية»: ٢/ ١١٩ إلى «جليلان»، وعنه نقل أبو عبد الله السخاوي في «الإعلان» و«فتح المغيث».
(٤) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٣٦.
(٥) «المذيل»: ٢/ ٦٧، ٧٣، ٧٤ على سبيل المثال.
[ ٣٤١ ]
الصالحية، وهو معروف مأنوس، رَبَّئًا بأهل الصالحية أن ينسب إليهم هذا الفعل الشنيع.
ومما يقوي أن المراد بالجبلية هم من أهل جبل قاسيون قول ابن كثير: «إنهم ألبوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله (^١)». فابن كثير يعرف من ألب عليه، ولو كان المراد غيرهم من الجبلية كما توهم بعض المستشرقين (^٢) لصرح بذلك، ولم يجمجم.
فلماذا كانا من جبل قاسيون؟ هل ثمة علاقة بين نقد أبي شامة للقضاة، وفيهم شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي، شيخ الحنابلة في الصالحية، وبين الاعتداء عليه؟ هل تعصب للشيخ عبد الرحمن بعض أهل الجبل ممن نقم على أبي شامة قوله في القضاة: ليس فيهم من يبت الحكم أو يسوس (^٣)، ويدخل في جملتهم قاضيهم؟ وهل حرضهم عليه كذلك من أصابته سهام نقده لأكلة الأوقاف في قصيدته الفلاحة الرائية؟ ألا تعني كلمة «الأكابر» التي ذكرها الذهبي هؤلاء العلماء أصحاب المناصب الكبيرة الذين تضرروا من نقد أبي شامة لهم، ولهم مصلحة في إسكاته؟
ولعل ما أضافه ابن كثير من تفاصيل على الحادثة يلقي ضوءًا على ما أشاعه هؤلاء الأكابر تغطية للسبب الحقيقي وراء ضربه، فقد قال ابن كثير: «وقد كان اتهم برأي الظاهر براءته منه، وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم: إنه كان مظلومًا» (^٤).
_________________
(١) «البداية والنهاية» (وفيات سنة ٦٦٥ هـ).
(٢) فهم روزنتال في تعليقه على «الإعلان بالتوبيخ»: ص ٤٧٦ من كلمة «جبليان» أنهما من الحشاشين الإسماعيلية، ولم يذكر مستنده في ذلك!
(٣) «المذيل»: ٢/ ٢١٥.
(٤) «البداية والنهاية» (وفيات سنة ٦٦٥ هـ).
[ ٣٤٢ ]
وهكذا حاولوا أن يلتمسوا له خلافًا في الرأي ليسوغوا الاعتداء عليه، وما هو هذا الرأي الذي يوجب استحلال دمه؟ لم يكلف ابن كثير نفسه عناء البحث عن هذا الرأي، فهل كان لتهافته لا يستحق أن يذكر؟ وقد تبرع جماعة من أهل الحديث وغيرهم بتبرئة أبي شامة منه، فقالوا: إنه كان مظلومًا. ونسي هؤلاء أن دمشق زمن أبي شامة لم تقتل زنادقتها على كفرهم وفسوقهم (^١)، فكيف تقتل أكبر علمائها من أجل رأي مخالف غامض؟
لقد تواطأ الجميع على تعمية من ضربه وسبب ضربه بعبارات مبهمة لا تدع منفذًا لشعاع الحقيقة أن يتسرب من بين حروفها، غير أن المطلع على سيرة أبي شامة يدرك حقًا أنه كان صوتًا متفردًا بين علماء عصره، إذ رأى أن سبب الفساد الذي تعيشه الأمة هو علماؤها الذين اتخذوا من العلم مطية لتحقيق مآربهم الدنيوية، وهم على تناغم مع الأمراء والسلاطين، فوجه إليه نقدًا لاذعًا كاشفًا، لأن في صلاحهم صلاح الأمة، وقد فوجئوا حقًا بهذا النقد وقسوته الذي عراهم من هيبتهم، وكشف عن أطماعهم، وقد كانوا يرون أنفسهم فوق النقد، فورمت أنوفهم، واضطغنت قلوبهم على هذا العالم الزاهد حقًا في مناصبهم، ولما عجزوا عن إسكاته بالإهمال أولًا، ثم بتوليته المناصب ثانيًا، رأوا أن لا مناص لهم للتخلص منه إلا بقتله، فكان ما كان، ولكن الله سلَّم.
* * *
_________________
(١) انظر «المذيل»: ٢/ ٨٣ - ٨٤، ١٣٥، وانظر من تكلم فيهم أبو شامة ص ٤٣٤ - ٤٣٥ من هذا الكتاب.
[ ٣٤٣ ]