[ ٤٦٧ ]
«تاريخ دمشق» للحافظ أبي القاسم ابن عساكر (^١) هو الكتاب الذي تخرج به أبو شامة مؤرخًا، فبعد أن أمضى سنين يقرأ في التاريخ وأخباره، وتراجم أعلامه، أحب أن يتصدى للتأليف فيه، ليجمع شتات ما قرأ، فلم يجد خيرًا من تاريخ ابن عساكر يتتلمذ عليه (^٢)، وقد حكى لنا في مقدمة «كتاب الروضتين» عن أثره الكبير في تكوينه التاريخي، فقال: «ثم أردت أن أجمع في هذا العلم كتابًا يكون حاويًا لما حصلته، وأتقن فيه ما خبرته، فعمدت إلى أكبر كتاب وضع في هذا الفن على طريقة المحدثين، وهو تاريخ دمشق حماها الله ﷿، وهو ثماني مئة جزء.
_________________
(١) واسمه «تاريخ مدينة دمشق حماها الله، وذكر فضلها، وتسمية من حلها من الأماثل، أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها». ألفه محدث الشام ومؤرخها أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، الدمشقي الشافعي، المعروف بابن عساكر، ولد في أول سنة (٤٩٩ هـ/ ١١٠٥ م)، وتوفي في (١١) رجب سنة (٥٧١ هـ/ ١١٧٦ م). وقد تبنى مجمع اللغة العربية بدمشق طبع هذا التاريخ العظيم، وصدر منه مجلدات عدة، أكثرها بتحقيق الأستاذة سكينة الشهابي، رحمها الله، وقامت دار الفكر بدمشق في الثمانينيات من القرن الماضي بطبع مختصره لابن منظور، وصدر في تسع وعشرين جزءًا، حققت الجزء الأخير منه. انظر ترجمة ابن عساكر في «طبقات علماء الحديث» لابن عبد الهادي: ٤/ ١٠٥ - ١١١، وقد استقصيت ثمة مظان ترجمته.
(٢) انظر ص ٩٣ - ٩٤ من هذا الكتاب.
[ ٤٦٩ ]
في ثمانين مجلدًا، فاختصرته، وهذبته، وزدته فوائد من كتب أخرى جليلة، وأتقنته، ووقف عليه العلماء، وسمعه الشيوخ والفضلاء» (^١).
وقد ألهمه اختصاره له من بعد كتابين تاريخيين هامين، هما: «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية» (^٢)، وكتاب «كشف ما كان عليه بنو عبيد» (^٣).
وكان أبو شامة قد اختصره اختصارين، أكبر، وهو في خمسة عشر مجلدًا، وأصغر في خمسة مجلدات (^٤). غير أن اختصاريه هذين ضاعا فيما ضاع من تراث أبي شامة، ولم يبق منه إلا جزآن، أحدهما في مكتبة برلين برقم (٩٧٨٢)، والآخر في مكتبة باريس برقم (٢١٣٧) (^٥).
ويمكننا أن نتبين بعض ملامح منهجه فيه، مما أشار إليه من اطلع عليه من العلماء، فقد ذكروا أنه في اختصاره الأكبر لم يخل بشيء من تراجمه، بل أوردها كلها وإن اختصر مادتها (^٦).
وقد توسع أبو شامة في بعض تراجمه، فزاد على ما ساقه فيها ابن عساكر، كما فعل في ترجمة الإمام الشافعي محمد بن إدريس، فقد جمع فيها من أخباره ما تفرق في كتب المصنفين، وإلى ذلك أشار مادح أبي شامة بقوله:
وله الشَّامَةُ في تَرْ … جمةٍ في حَرْفِ مِيمِ
تِلْكَ أنْبَاءُ ابْنِ إِدْرِيـ … سِ بِإِسْهَابِ عِمِيمِ (^٧)
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٥ - ٢٦.
(٢) انظر ص ٣٥٣ - ٣٥٤ من هذا الكتاب.
(٣) انظر ص ٤٧٧ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٤٢.
(٥) «تاريخ الأدب العربي»، بروكلمان (الترجمة العربية)، القسم الثالث (٥ - ٦): ص ٣٨٤.
(٦) «مشيخة ابن جماعة»: ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، «تكملة إكمال الإكمال» لابن الصابوني: ص ٢١٢.
(٧) «المذيل»: ١/ ١٤٨، وانظر «خطبة الكتاب المؤمل»: ص ٨١.
[ ٤٧٠ ]
وأحيانًا كان أبو شامة يترجم لمن لم يترجم لهم ابن عساكر من ذوي المنزلة من معاصريه، وإن تأخرت وفاتهم بعد وفاة ابن عساكر، فقد أشار إلى ترجمته للعماد الكاتب في اختصاره «تاريخ دمشق» ووفاته سنة (^١) (٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م)، وترجم لصلاح الدين يوسف بن أيوب، ووفاته سنة (^٢) (٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م)، ولعله تأسى في ذلك بمن ترجم لهم ابن عساكر من معاصريه، وهم أحياء، كنور الدين محمود بن زنكي (^٣)، وأسامة ابن منقذ (^٤).
ونستطيع أن نجزم من خلال ما كتبه أبو شامة في مقدمته لكتاب الروضتين أن اختصاره لتاريخ ابن عساكر كان من أوائل أعماله التاريخية، ويبدو أنه شرع فيه عقب عودته من مصر، وذلك نحو سنة (^٥) (٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م)، ولم نقف على تاريخ فراغه منه، غير أننا علمنا أنه كان يسمعه سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م)، في جامع دمشق (^٦)، وقد فرغ من إسماعه سنة (^٧) (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م)، ولا ريب أنه قد أنهاه قبل ذلك بفترة تسمح له بإسماعه حتى ينتهي منه بهذه السنة.
وقد أتيح لي الوقوف على الجزء المحفوظ في مكتبة باريس، إذ منه مصورة في مكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق، وهو من اختصاره الأكبر له، إذ لم يخل بشيء من تراجمه، بيد أنه وقع فيه خرم أتى على أوراق من أوله وآخره، فهو يبدأ من ترجمة يزيد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وينتهي بترجمة أبي محمد بن العباس العطار.
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١١٢.
(٢) انظر حاشيتنا رقم (١) ص ٤٧٢ من هذا الكتاب، ويفهم من سياق ترجمته ما ذهبنا إليه من التعليل.
(٣) «تارخ دمشق لابن عساكر (خ) س: ١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٦، وكتاب الروضتين»: ١/ ٢٨.
(٤) تارخ دمشق لابن عساكر (خ) س: ٢/ ٧٠٢ - ٧٠٥.
(٥) انظر ص ٩٣ من هذا الكتاب.
(٦) «المذيل»: ١/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٧) «المذيل»: ٢/ ١٠٠.
[ ٤٧١ ]
ومما يدل على أنه مختصر أبي شامة ترجمته فيه لصلاح الدين يوسف بن أيوب ترجمة مختصرة (^١)، ذكر فيها أنه استقصى أخباره وسيرته في «كتاب الروضتين»، ولعل هذه الإشارة تشي إلى تأخر فراغه من اختصاره حتى شارف على الانتهاء من «كتاب الروضتين»، أو أن هذه الإشارة قد كتبها، وهو بعد يؤلف «كتاب الروضتين»، أو أنه كان قد كتبها في حاشية على هامش نسخته، ثم أضيفت من بعد إلى متن الكتاب، والله أعلم.
_________________
(١) في الورقة (٣٤)، جاء فيها: «يوسف بن أيوب بن شاذي، الملك الناصر صلاح الدين، سلطان المسلمين، وقامع المشركين، فاتح البيت المقدس وبلاد الساحل، ومخلصها من أيدي الكافرين، ﵀، لم يذكر له الحافظ أبو القاسم ترجمة مع أنه ملك دمشق في سنة سبعين، وكان مالكًا للديار المصرية، ثم اتسعت مملكته، ويسر الله تعالى عليه الجهاد، وكان أحد الأجواد، وقد استقصيت أخباره وسيرته في «كتاب الروضتين»، وتقدم طرف من ذلك في ترجمة عمه أسد الدين شيركوه في حرف الشين، فلهذا لم أطنب في ذكره هنا، والله الموفق».
[ ٤٧٢ ]