ما كان السُّلطان قطز، وهو في طريقه إلى مصر، يظن أن تغير الأمير ركن الدين بيبرس عليه، وتنكره له، قد يؤدي إلى قتله، فانتصاره الكبير في عين جالوت يحميه، ولن يجرؤ أحد على قتل سلطان منتصر قد زينت البلاد لاستقباله (^١).
ثم إنه أوى بيبرس حين ضاقت عليه البلاد، وأولاه ثقته حين قدمه على عسكره، وإن كان لا يطمئن إلى ولائه الاطمئنان التام، وهو الأمير الطموح، وصاحب المنزلة العالية بين المماليك البحرية، ولهذا رفض توليته حلب حين طلبها منه (^٢)، خوفًا من تفكك البلاد وانقسامها فيما لو سولت له نفسه الانفصال، وهي بعد تواجه خطر التتار.
أما الأمير ركن الدين بيبرس، وقد نفض عنه الآن غبار المعركة التي طالما انتظرها، فقد استيقظت أحقاده القديمة، إنه لا يستطيع أن ينسى أن قطز هو وراء هربة من مصر، وتنقله في البلاد طريدًا مهمومًا، ألم يقتل أستاذه فارس الدين أقطاي؟ ألم يستول على الملك من بعد وهو مملوك عز الدين أيبك؟ إنه لا ينتمي إليهم هم المماليك البحرية، مماليك السلطان الصالح أيوب (^٣)، الذين دافعوا عن
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ٤٣٧.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ٤٣٤.
(٣) انظر ص ١٩٨ من هذا الكتاب.
[ ٢٦٧ ]
البلاد في معركة المنصورة، وقد حَفِظَتْ مصر بسيوفهم، فهم أحق بالملك منه، حقًا لقد آواه قُطُز لما تعذر عليه المقام بالشام، ولكنه كان سينضوي تحت راية كل من يُقاتل التتار، صيانة لبلاد الإسلام، أما الآن، وقد هزم التتار، وكانت له اليد البيضاء في هذا الانتصار الكبير، فليعد الحق إلى نصابه، فمن أولى بالسلطنة منه (^١)؟
كان السلطان قطز في مسيره قد شارف حدود مصر (^٢)، وقد خرج من الغرابي وقارب الصالحية، ولربما تخلى عن حذره، وهو يشعر بقرب وصوله إلى مأمنه، فانحرف في مسيره عن الدرب للصيد، وقد كان مولعًا به، ومعه الأمراء، فلما فرغ من صيده، وعاد يريد الدُّهليز السلطاني اعترضه الأمير ركن الدين بيبرس طالبًا منه امرأة من سبي التتار، فأنعم بها عليه، فأخذ بيبرس يد السلطان ليقبلها، وكانت إشارة بينه وبين الأمراء الذين اتفق معهم على قتله، فبدره الأمير بدر الدين بكتوت بالسيف، وضرب به عاتقه، واختطفه الأمير أنس، وألقاه عن ظهر فرسه، وعاجله الأمير بهادر بسهم أتى عليه، فسقط قطز قتيلًا، مُضرَّجًا بدمائه، وذلك يوم السبت (١٥) ذي القعدة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ولم يمض على سلطنته سوى أحد عشر شهرًا، وسبعة عشر يومًا، ودفن بالقصير (^٣).
وسار الأمراء بعد قتله إلى الدُّهليز السلطاني بالصالحية، واتفقوا على سلطنة الأمير ركن الدين بيبرس، وتلقب بالملك القاهر (^٤).
_________________
(١) «زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة»: ص ٥٣، «عقد الجمان»: ص ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٦.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٣٥، و«أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٦ - ١٧٧. وكان قبر قطز يزار، فلما تمكن الظاهر بيبرس بعث إلى قبره من هدمه، وغيبه عن الناس، فصار لا يعرف، انظر «عقد الجمان»: ص ٢٦٠.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٣٦، و«وفيات الأعيان»: ٤/ ١٥٥.
[ ٢٦٨ ]
وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر قطز، والناس في فرح ومسرات بالنصر على التتار (^١).
ووصل بيبرس إلى قلعة الجبل يوم الاثنين، فلما طلع النهار نادى المنادي في الناس: ترحموا على الملك المظفر، وادعوا لسلطانكم الملك القاهر ركن الدين بيبرس (^٢).
وألجمت الناس المفاجأة، ونزل عليهم هذا الخبر نزول الصاعقة.
وحضر إلى قلعة الجبل الوزير زين الدين يعقوب بن الزبير، وأشار على بيبرس أن يغير اللقب بالملك الظاهر، فإنَّه ما تلقب بالقاهر أحد فأفلح (^٣).
فلما كان آخر النهار نادى المنادي بالدعاء للملك الظاهر.
وانقلب فرح الناس بالنصر على التتار إلى غمّ من عودة دولة المماليك البحرية، وقد عانوا من جورهم، واستيلائهم على أموالهم، وهتكهم أعراضهم (^٤).
* * *
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٣٧.
(٢) المصدر السالف.
(٣) المصدر السالف.
(٤) المصدر السالف.
[ ٢٦٩ ]