كثيرًا ما كنت أفكر في أبي شامة، وأنا أحقق كتابه «الروضتين»، محاولًا أن أتبين ملامح فكره وشخصيته من خلال ما كتب، شاعرًا أن ما تقدمه لي كتب التراجم عنه إنَّما هي ملامح باهتة، علي أن أسعى لتوضيحها واكتمالها.
والقارئ لتراجم علمائنا في كتب الأقدمين يَعجَبُ حقًا بوفرة ما كُتب عنهم، غير أنه يفتقد في سطورهم تلك الكلمات النابضة التي تحس من خلالها بحياة المترجم، وهو يتقلب في مشاعره وأفكاره، وإذا ما وُجِدَتْ أحيانًا فهي كلمات متناثرة وسط سطور هامدة، على الباحث الصبور أن يَلُم شتاتها، عساه أن يعيد للصورة اكتمالها، وقد دبت فيها الحياة.
وكنت في غمرة بحثي عن أبي شامة قد وصلت إلى تحقيق كتابه الثاني «المذيل على الروضتين»، وهالني حقًا ما وجدت، لقد رأيتني أعيش فيه مع أبي شامة، وقد أرخى لقلمه العنان أحيانًا، وأرسله يصوّر حياته، وما كان يضطرب فيها من أشواق وآمال، وخيبات ونجاح، وأحزان وأفراح، وما أقلها، حتى إنه كان يتراءى لي أحيانًا من خلال سطوره، وأحيانًا أكاد أُحِسُّ بمشاعره وهو يدوّن أخباره.
فأبو شامة هو من قلة قليلة من علمائنا ومؤرّخينا الذين لم يمنعهم ورعهم وزهدهم من البوح لنا بسيرتهم الذاتية، وقد ضمنها كتابه «المذيل»، وهي على وجازتها تكشف لنا عن جوانب مهمة في حياته، حتى إنَّه يقص لنا فيها بعض أحلامه
[ ٩ ]
التي رآها في منامه، أو رئيت له، فإذا أنت جمعت إليها ما نثره من أخباره كلما واتته المناسبة غدوت قريبًا منه حقًا قربًا يتيح لك أن تطوي الزمن قرونًا لتجلس بين يديه سامعًا متأملًا، وإن كان أحيانًا يؤثرُ الصَّمتَ في بعض أخباره، فيتركك حائرًا، تحاول اكتشاف ما أخفى، أو حلّ ما سكت عنه، ولا يسعفك بما يومئ إليك ببعضها بإشارة عابرة، إذ هي مجرد إشارة قد تقربك من الصواب، وقد تنأى بك عنه.
ومع إمعان النظر وإدمان القراءة بدأت تطفو من قاع الزمن شخصية أبي شامة أصيلة متفردة، وبشغفٍ رُحت أتتبع ملامحها، وفي سبيل الوصول إلى ملامح مكتملة قدر الإمكان نأيت بنفسي عن المنهج المتبع في كتابة التراجم عندنا، ذلك المنهج الذي يعمد إلى تقطيع أوصال المترجم، متحدثًا عن عصره وحياته وثقافته، كلًا على حدة، وكأنها أجزاء منفصلة، وسعيت إلى منهج متكامل يرينا الشخصية حية كما كانت في عصرها، وقد تلاحمت في كلّ واحد، نامية متطورة في زمانها الذي عاشته من طفولتها إلى شبابها وكهولتها، متواشجةً مع أحداث عصرها، بقدر ما أسعفني التاريخ من أخباره، وبقدر ما أعان التحليل على فهمها، محاولًا ما استطعت نقل التاريخ من خبر في صحيفة إلى واقع في الحياة.
وقد قَسَمْتُ هذه الدراسة إلى قسمين: الأول في سيرته، والثاني في آثاره التاريخية، ثم أتبعته بسائر مؤلفاته في العلوم الأخرى، وبتلاميذه.
ولن أحدثك - أيُّها القارئ الكريم - عما وصلت إليه في هذه الدراسة، فدونك صفحاتها، غير أنك سترى من خلال ما كتبت أنَّ أبا شامة لم يكن مؤرخًا يَرْقُبُ الحوادث من بعيد في برجه العاجي، ثم يدوّنها في هدوء، بل كان مؤرخًا صاحب قضية، أبان عنها في مؤلّفاته، ونافح عنها، ثم دفع حياته ثمنًا لها.
دمشق في
١٠ جمادى الآخرة ١٤٢٨ هـ/ ٢٥ حزيران ٢٠٠٧ م
إبراهيم الزيبق
[ ١٠ ]