ويسوقني الحديث في «المُذيَّل» إلى الكلام عمن تكلم فيهم أبو شامة، فعلى عادة علماء الجرح والتعديل في تبيين حال رواة الحديث، وما يليق بهم من توثيق أو جرح، كان أبو شامة يبدي رأيه الصريح فيمن يترجم له، صادعًا بالحق، وأداء لأمانة العلم، غير عابئ بما قد يجره عليه ذلك من تنكر الأصدقاء، وشنآن الأعداء، وقد تلقى أقواله بالقبول من جاء بعده من المؤرخين إلا من شذ منهم لغرض في نفسه كما سنبين فيما بعد، حتى إن الإمام الذهبي، وهو مؤرخ الإسلام في عصره، عده في طبقة من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (^١)، وذلك لما عرف عن أبي شامة من علم غزير يوصله إلى الحق، وورع كبير يحجزه عن الباطل.
وقد كان أبو شامة واعيًا تمام الوعي لما تمليه الأهواء من حسد، أو مخالفة في مذهب أو عقيدة من انحرافات تخرج المؤرخ عن جادة الصواب، لتلقي به في مهاوي الخطأ، فكان يتحرى ما استطاع حال المترجم، مهتديًا فيما يقول فيه بقاعدة أصلها لنفسه، ووضعها نصب عينيه، وهي أنه لا ينبغي أن يُسمع فيمن ثبتت فضليته
_________________
(١) رسالة «ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: ص ٢٢٤، اعتنى بها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وطبعت ضمن كتاب «أربع رسائل في علوم الحديث»، مكتب المطبوعات الإسلامية، ط ٥/ ١٩٩٩ م.
[ ٤٣١ ]
كلامٌ مُشنَّع، لعله صاحب غرض في حسد أو مخالفة في مذهب أو عقيدة (^١)، وهو إن فعل ذلك فعليه أن يأتي بالدليل على ما يقول.
ونحن هنا سنضرب صفحًا عن أولئك المترجمين الذين عدَّلهم أبو شامة، ونعتهم بأحسن الصفات، فلم يخالفه أحد في تعديل من عدَّل، أما ما نوزع فيه فهم بعض المترجمين قال فيهم أقوالًا لم ترق لمحبيهم، ومن ينتسب إليهم، فشنعوا عليه، ونسبوه إلى الجور في القول، وتنقص الناس، ومن ثمَّ آثرت أن أستعرض أصناف الناس كلهم ممن قال أبو شامة بحقهم ما يجرحهم ويطعن فيهم، ولن أستثني من ذلك حتى العلماء الكبار الذين لمس بناعم القول مآخذه عليهم، لنرى إلى أي حد قارب الإنصاف فيما قال، وابتعد عن نوازع الهوى.
وأول ما يطالعنا في ذلك ما قاله في آيات صفات الباري ﷾، وما صح فيها من أحاديث، هل نمرُّها كما جاءت، أم نؤولها؟ وهي مسألة قديمة تنازع فيها علماؤنا، وصنفوا فيها تأليف، ورأيه فيها بيَّنه فيما نقله عن سبط ابن الجوزي في ترجمة العماد المقدسي، وكان العماد، وهو من كبار الحنابلة في عصره قد قال للسبط: «صلاح الدين يوسف فتح الساحل وأظهر الإسلام، وأنت يوسف أحييت السنة بالشام» (^٢). فبيَّن أبو شامة معنى السنة الذي أراده العماد بقوله: «السنة التي يشير إليها كون أبي المظفر (يعني سبط ابن الجوزي) رحمنا الله وإياه كان كثيرًا ما يورد على المنبر من كلام جده أبي الفرج وخطبه ما يتضمن إمرار آيات صفات الباري ﷿، وما جاء في الأحاديث الصحاح في ذلك على ما ورد من غير ميل إلى تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، ومشايخ الحنابلة هذا مختارهم، وهذا جيد، ولكن الإكثار منه على أسماع العوام ربما يحمل أكثرهم على شيء من التشبيه، فإذا قُرِن به ما يشرحه، وينفي توهم التشبيه كان أولى، والله أعلم (^٣).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٢٠٥.
(٢) «المذيل»: ١/ ٢٨٨.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩.
[ ٤٣٢ ]
فأبو شامة لا يعيب على الحنابلة مذهبهم، وإن كان يخالفهم فيه، إذ يميل إلى تأويل الصفات، وقد ألمع إلى ذلك في ترجمته لشيخه الموفق ابن قدامة، وهو من كبار شيوخ الحنابلة، فيقول فيه: «كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين في العلم والعمل، صنف كتبًا كثيرة حسانًا في الفقه وغيره، ولكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات والكلام هو على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح الأمر له فيها على جلالته في العلم، ومعرفته بمعاني الأخبار والآثار» (^١).
وهو ينعى على المتعصبين تعصبهم، وينأى بنفسه عنهم، فيقول في ترجمة الشيخ عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ ابن حمويه: «وكان من أعيان المتعصبين لمذهب الأشعري» (^٢).
غير أنه لم يكن بهذا الرفق واللين مع من اشتغل بعلوم الأوائل من منطق وجدل، وأفضى به ذلك إلى قلة الدين، وكانت هذه العلوم قد ازدهرت في دمشق زمن المعظم عيسى بن العادل، وابنه الناصر داود، بيد أنها أخمدت في دولة الأشرف موسى بن العادل (^٣)، فهو يبين حالهم في ترجمته لهم، صادعًا بالقول، غير متلجلج فيه، ذاكرًا في الوقت نفسه ما لهم من صفات حسنة، فيقول في ترجمة العز الإربلي: «كان يقرئ علوم الأوائل في بيته لمن يتردد إليه من أهل الملل
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨، وهذه مسألة اختلف فيها علماء الأمة، وقد ردَّ الذهبي على أبي شامة بقوله: «وهو وأمثاله متعجب منكم مع علمكم وذكائكم كيف قلتم! وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى، ولا عجب في ذلك، ونرجو لكل من بذل جهده في تطلب الحق أن يُغفر له من هذه الأمة المرحومة». انظر «سير أعلام النبلاء»: ٢٢/ ١٧٢.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٤٧.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٣ - ١٤.
[ ٤٣٣ ]
مسلمها وكافرها ومبتدعها واليهود والنصارى والسامرة، وكان قليل الدين، لكنه كان ذكيًا فصيحًا، حسن المحاضرة» (^١).
ويقول في ترجمة عبد المنعم بن علي الصقلي: «كان رجلًا صالحًا خيرًا … وهو أخو الزين الضرير، كان أخوه على غير طريقته مشتغلًا بعلوم الأوائل» (^٢).
وفي ترجمة البدر المراغي الطويل، يقول: «وكان قليل الدين، تاركًا للصلاة، مغتبطًا بما كان فيه من معرفة الجدال والخلاف على اصطلاح المتأخرين» (^٣).
وهو لا يتهاون أبدًا مع من كان قليل الدين على حد تعبيره، فينبزه بتلك الصفة، وهو يترجم له، فيقول في الشاعر الحلي علي بن الحسن الملقب بشميم: «وكان قليل الدين، ذا حماقة ورقاعة» (^٤).
ويقول في ترجمة الزين عمر بن عقيل التنوخي: «وكان قليل الدين، مخلطًا» (^٥).
ويكشف حال من تصدى للتحديث منهم على كثرة مسموعاتهم، فيقول في ترجمة النجيب بن الشقيشقة: «وكان قد سمع كثيرًا، لكنه لم يكن بحال أن يؤخذ عنه، كان مشتهرًا بالكذب ورقة الدين وغير ذلك» (^٦).
ويشتد أكثر ما يشتد وهو يترجم لمن عرف بالزندقة، وشاع عنه ذلك، فيقول في ترجمة الشهاب النقاش: «وكان يتعانى الكلام على طريقة الحكماء، وإنكار النبوات، والإزراء بما أهل الإسلام عليه، وكان يسكن بالمدرسة النورية، ويجلس
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٦٩.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٧١.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٦٨.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٦٤.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٣٠.
[ ٤٣٤ ]
كثيرًا بالجامع في قُبَّة يزيد على باب مشهد علي، ويجتمع إليه عدد من جنسه الزنادقة، لا ﵀» (^١).
ويقول في ترجمة الفَخْر بن البديع البندهي: «يَتَعَاطَى الفلسفة والنظر في علوم الأوائل، ويسكن في مدارس فقهاء المسلمين، وقد أفسد عقائد جماعة من الشباب المشتغلين فيما بلغني، وكان يتجاهر باستنقاص الأنبياء ﵈، لا ﵀ ولا رضي عنه ولا عن أمثاله» (^٢).
وكذلك لا تروج عليه انحرافات بعض المتصوفة الذين ينخلعون من الالتزام بأمور الشريعة، فيقول في ترجمة الشيخ علي الحريري: «وتبعه طائفة من الفقراء، وهم المعروفون بالحريرية، أصحاب الزي المنافي للشريعة، وباطنهم شر من ظاهرهم إلا من رجع إلى الله منهم، وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة، والتهاون بها، ومن إظهار شعار أهل الفسوق والعصيان شيء كثير، فانفسد بسببه جماعة كثيرة من أولاد كبراء دمشق، وصاروا على زي أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليع العذار، يجمع مجلسه الغناء الدائم والرقص والمردان، وترك الاحتجار على أحد فيما يفعله، وترك الصلوات، وكثرة النفقات، فأضل خلقًا كثيرًا، وأفسد جمًا غفيرًا، وقد أفتى في قتله مرارًا جماعة من علماء الشريعة، ثم أراح الله منه» (^٣).
* * *
وأبو شامة الذي عاش ما عاش وفيًا لشيوخه، ويحمد الله تعالى على أن شيخه السخاوي مات وهو راض عنه (^٤)، لا يمكن أن يغفر قلة الوفاء للشيوخ ونكران
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٣٠.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٣٥.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٨٣ - ٨٤.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٧٤.
[ ٤٣٥ ]
فضلهم، كما فعل المنتجب الهمذاني، فيقول في ترجمته: «كان مقرئًا مجودًا، وانتفع بشيخنا أبي الحسن (يعني السخاوي) في معرفة قصيدة الشاطبي، ثم تعانى شرح القصيدة، فخاض بحرًا عجز عن سباحته، وجحد حق تعليم شيخنا له وإفادته، والله يعفو عنا وعنه» (^١).
وينبه، وهو المحقق المدقق فيما ألف (^٢)، على أخطاء الآخرين في مؤلفاتهم، فيقول في إسماعيل بن حامد المعروف بالقوصي: «له معجم حكى فيه عن شيوخه، وطالعته، فرأيت أغاليط كثيرة، وتصحيف أسماء وتبديلها» (^٣).
ويقول فيما ألفه شيخ بعلبك محمد بن أحمد اليونيني، والد المؤرخ قطب الدين: «صنف أوراقًا فيما يتعلق بإسراء النبي ﷺ ليلة المعراج، وأخطأ فيه أنواعًا من الخطأ الفاحش، فصنفت أنا في الرد عليه كتابًا سميته «الواضح الجلي في الرد على الحنبلي» (^٤).
فهو يرى أن ما كتبه اليونيني لا يرقى لأن يسمى كتابًا، بل هو مجرد أوراق (^٥).
حتى إنه ينبه على أخطاء النساخ، فيقول في ترجمة ضياء الدين أبي بكر محمد بن يوسف الآملي: «اعتنى بكتب القراءات سماعًا ونسخًا، وفي خطه كثير من تصحيف وتحريف» (^٦).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٦٧.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٤٤.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٠٥.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٤٨، وقد نبزه أبو شامة بالتعصب لمذهبه في كتابه «ضوء الساري»: ص ١٨٥.
(٥) ولا ننسى أن أبا شامة قد ألف كتابًا في الإسراء هو «نور المسرى في تفسير آية الإسرا» انظر ص ٥٠٦ - ٥٠٧ من هذا الكتاب.
(٦) «المذيل»: ١/ ١٥٨.
[ ٤٣٦ ]
وأكثر ما كان يزعجه في العالم تقربه من السلطان، والتزلف إليه، وهو الذي آلى على نفسه ألا يمشي إلى من يُرى خَطِيرَ القدر لأجل دنيا، لأن مشيه إليه بالعلم يزري (^١)، ومن ثم ابتعد عن سبط ابن الجوزي، وقد جمع بينهما حب التاريخ، لأنه كان قريبًا من السلاطين (^٢)، فقد ربي طوال زمانه في جاه عريض عندهم (^٣). ولم يخف أبو شامة موقفه منه، فقد قصَّ لنا منامًا رآه عند موته، فقال: «ورأيت موته منامًا تلك الليلة قبل أن أسمع به يقظة، إلا أني رأيته في حالة منكرة، ورآه غيري أيضًا كذلك، نسأل الله العافية» (^٤)، وربما لهذا لم يحضر أبو شامة جنازته، متعللًا بمرض ألم به (^٥).
وهذا الموقف من علماء السلاطين هو الذي أملى عليه موقفه من شيخ بعلبك محمد بن أحمد اليونيني، والد المؤرخ قطب الدين، فقال في ترجمته: «ونفق على جماعة من الملوك والأمراء، وحصل منهم دنيا واسعة، ورفاهية عيش» (^٦). ومن ثُمَّ ندت عن قلم أبي شامة عبارات يفهم منها أنه يستهزئ بها على تصوفه الظاهر الذي لا يصله بتصوف شيخه عبد الله اليونيني - وكان من كبار زهاد عصره - إلا أنه يلبس على رأسه قبع فرو أسود، جوفه إلى الخارج بلا عمامة (^٧)، كما كان يلبس شيخه عبد الله (^٨)، وليس له من المشيخة إلا ظاهرها، فقد كان شيخًا ضخمًا، واسع الوجه، كبير اللحية (^٩).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٥٠، وانظر ما كتبه أبو شامة في العلماء الذين زهدوا في الدنيا وأهلها في كتابه «خطبة الكتاب المؤمل»: ص ٩٢٨٨.
(٢) انظر ص ٣٨ من هذا الكتاب.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١١٧.
(٤) المصدر السالف.
(٥) المصدر السالف.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٤٨.
(٧) المصدر السالف.
(٨) «المذيل»: ١/ ٣٣٧، و«ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب: ٢/ ٢٧٢.
(٩) «المذيل»: ٢/ ١٤٨.
[ ٤٣٧ ]
ألقى أبو شامة برأيه فيه بهذه الصراحة الجارحة، غير عابئ بما ستجره عليه تلك الكلمات من عداوة لا تهدأ.
وإذا كان هذا موقفه من علماء السلاطين، فقد كان موقفه أشد ممن تعاون منهم مع التتار، فيقول في ترجمة الفخر محمد بن يوسف الكنجي: «قتل بالجامع».
وكان من أهل العلم بالفقه والحديث، ولكنه كان فيه كثرة كلام، وميل إلى مذهب الرافضة، جمع لهم كتبًا توافق أغراضهم، وتقرب بها إلى رؤساء منهم في الدولتين الإسلامية والتاتارية .. ثم وافق الشمس القمي فيما فوضه إليه من تخليص أموال الغائبين وغيرهم، فانتدب له من تأذى منه، وألب عليه بعد صلاة الصبح، فقتل، وبقر بطنه، كما قتل أشباهه من أعوان الظلمة» (^١).
ولم يكن أبو شامة يتسامح مع من يعتدي على أوقاف المسلمين أو يسيء القيام عليها، ولو كان في منزلة شيخه ابن الصلاح، فيقول في ترجمة ابن رواحة، واقف المدرسة الرواحية: «وكان قد أسند النظر في مدرسته التي بدمشق إلى الشيخ تقي الدين عثمان بن الصلاح، ثم إنه بعد موته - يعني موت ابن رواحة - شهد عليه بالعزل له الشيخان تقي الدين خزعل، ومحيي الدين محمد بن العربي وكانا ساكنين قريبًا من المدرسة - فزعما أنه استدعاهما ليلًا، وأشهدهما عليه بعزل ابن الصلاح عن نظر المدرسة، وجرت في ذلك فصول لا حاجة إلى ذكرها، وكأنه كان قد ألهمه الله تعالى المصلحة في ذلك، فإن ابن الصلاح أسند النظر إلى شخص، أسنده ذلك الشخص إلى ولد له، فغلب على وقف المدرسة وتدريسها بغير أهلية ولا استحقاق ولا أمانة، ولا عدل ولا إشفاق، والأمر على ذلك إلى الآن، والله المستعان» (^٢).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٥٠.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٩١.
[ ٤٣٨ ]
أما من كان يتولى ديوان المواريث الحشرية، وهي تلك المواريث التي يموت عنها أصحابها، ولا وارث لهم، فتؤول إلى بيت المال (^١)، فيبشر متوليها أبا القاسم بن اللهيب بجهنم، لظلمه الناس في أموالهم، ويستعير أبياتًا نظمها فيه الكمال بن الظهير يقول فيها:
اليوم زار ابن اللَّهيب أباه … ورأى الذي قد قَدَّمَتْهُ يَدَاهُ
لم ينتفع بالظلم لكن ضَرَّه … إِذْ كَانَ حَسْبُ الظَّالمين الله (^٢)
ويذكره هذا الاعتداء على الأوقاف بما حدث معه يوم أُقصي عن مشيخة الإقراء في تربة أم الصالح، وكان الأحق فيها على ما شرطه واقفها (^٣)، فيقول في ترجمة من وليها مكانه أبي الفتح محمد بن علي بن موسى الأنصاري: «توفي الشمس أبو الفتح الذي كان يقرئ بالتربة الصالحية (^٤) هكذا يذكره بإغفال منزلته، غير مقرّ له بمشيخة الإقراء الذي كان يعتقد أنه لا يستحقها بوجوده، وأبو شامة لا ينازع في ذلك، وهو الأدرى به، وقد ندت عنه كلمة تشي بانزعاجه واستيائه لما وقع له حين ترجم للعلم النحوي المغربي الذي استغلت عبارته التي قالها في أبي شامة لتنحيته عن مشيخة الإقراء، فقال فيه: «كان معمرًا مشتغلًا بأنواع من العلوم، على خلل في ذهنه» (^٥). وهي عبارة أملاها الغضب، وقد ابتعد فيها أبو شامة عن الإنصاف، ولم يقره عليها شيخ المؤرخين الذهبي، فقال: كذا قال أبو شامة، بل كان من أذكياء النحاة والمتكلمين» (^٦).
_________________
(١) انظر «صبح الأعشى»: ٣/ ٤٦٠.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٢٧.
(٣) انظر ص ١٣٥ - ١٣٨ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٣٤.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٨٨.
(٦) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣١٢.
[ ٤٣٩ ]
بيد أن هجومه الأعنف شنّه على قضاة عصره، وقد رأى فيهم أس الفساد المستشري من استيلائهم على أوقاف المسلمين، وهم من عليه حمايتها ورعايتها، والخضوع لمآرب السلطان، وهم من عليه نصحه وإرشاده، وتعاونهم مع التتار، وهم من عليه الدعوة إلى جهادهم، ثم استغراقهم في الفواحش من معاشرة الغلمان، وتعاطي الحشيشة، فأطلق لسانه فيهم متتبعًا مخازيهم، كاشفًا لها، نصحًا للأمة، غير هياب ولا وجل مما قد تجره عليه عداوتهم له، وهم من ذوي الجاه والسلطان.
ويبدأ أول ما يبدأ بالقاضي جمال الدين يونس بن بدران المصري، وقد ولي القضاء للملك المعظم عيسى بن العادل، وتوفي سنة (٦٢٣ هـ / ١٢٢٦ م)، فيقول فيه: «لم ينقم عليه شيء في ولايته سوى أنه كان إذا ثبت عنده وراثة شخص لما وضع نواب بيت المال أيديهم عليه يأمره بمصالحة بيت المال، فيقتطع منه قطعة لبيت المال، وأما لنفسه فلم يشتهر عنه شيء من ذلك» (^١).
ونقم عليه أيضًا استنابته لولده التاج محمد، ولم تكن طريقته مستقيمة (^٢)، بل كان ظالمًا مشهورًا بالفسق (^٣).
وهذا القاضي على ما فيه كان من أمثلهم، أما من جاء بعده فلم يكن له من القضاة إلا رسمهم، فها هو ذا قاضي القضاة رفيع الدين الجيلي الذي ولي القضاء للملك الصالح إسماعيل بن العادل، وقد قتل سنة (٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م)، فقد عرف عنه شربه للخمر (^٤)، وظهر منه سوء سيرة وعسف وفسق وجور، ومصادرة في
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٨٨.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٦٦.
[ ٤٤٠ ]
الأموال، لا سامحه الله (^١)، ومن ثم يصفه أبو شامة بالقاضي الظالم (^٢)، ويلقبه بالوضيع بدل الرفيع (^٣).
وأما القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سني الدولة، فقد ولي القضاء خمس عشرة سنة (^٤)، قضاها مراعيا لأرباب الجاهات، معينا شهودا في القضاء مقدوحا فيهم مثل النجيب بن الشقيشقة، وهو متهم بالكذب ورقة الدين، وقد جعله من بعد عاقدا للأنكحة، فعجب الناس منه، وأنكروا عليه فعله (^٥)، وقد أثرى من منصبه بعد فقر (^٦)، وأنهى حياته طالبا القضاء من هولاكو بعد سقوط دمشق بأيدي التتار، فسعى إليه حيث كان يقيم في حلب بعد تدميرها (^٧)، غير أن رد خائبا، وفي طريقه إلى دمشق تمرض في بعلبك (^٨)، وأقام فيها في بيت قطب الدين اليونيني لقرابة كانت له مع والدته، وهو كذلك عديل والده الشيخ محمد (^٩)، حيث مات بعد أيام (^١٠)، وقد أخبر أبا شامة علي بن الشيرازي أنه رآه في منامه، وسأله عن حاله، فقال: لما وصلت، قيل: هاتوا الدرة. ويعقب أبو شامة على سوء هذه الخاتمة بقوله: «اللهم عفوك» (^١١).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٥٣.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٦٣.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٦٤.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٤٠.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٣٠ - ١٣١.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٣١.
(٧) انظر ص ٢٣٧ - ٢٣٨، ٢٤٥ - ٢٤٦ من هذا الكتاب.
(٨) «المذيل»: ٢/ ١٤٤.
(٩) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ١٤.
(١٠) «المذيل»: ٢/ ١٤٤.
(١١) المصدر السالف.
[ ٤٤١ ]
وكان التتار قد ولوا القضاء كمال الدين التفليسي، وكان نائب القاضي صدر الدين، فافتتح عهده بقبول حياصة الناصر يوسف هدية من التتار، وكانوا قد نهبوها من مخزن الأيتام، حيث رهنها الناصر يوسف لقاء دين من ورثة عرفة الدنيسري (^١).
ثم ولى التتار من بعده محيي الدين يحيى ابن الزكي، وكان قد قصد هولاكو في حلب مع القاضي صدر الدين (^٢)، فشرع هذا القاضي في جر الأشياء إلى نفسه وأولاده ومن يتعلق به مع عدم الأهلية (^٣)، وحين انتصر قطز على التتار في معركة عين جالوت، بذل محيي الدين أموالًا جمة ليقره قطز على القضاء، فلم يستجب له، وعزله (^٤).
وولى قطز من بعده نجم الدين بن القاضي صدر الدين ابن سني الدولة، وكان حاكمًا جائرًا فاجرًا ظالمًا متعديًا، وقد شاع عنه أنه قليل الأمانة، فقد أُودع كيسًا فيه ألف دينار، فرد بدلًا منه كيسًا فيه فلوس (^٥).
ثم ولى الظاهر بيبرس القاضي شمس الدين ابن خلكان، وكان عاكفًا على تعاطي الحشيشة، ومغازلة الغلمان، ونظم الدوبيت وتقريب الشعراء (^٦).
ويبلغ الأسى والغضب عند أبي شامة كل مبلغ، فيطلق صرخته، وقد استبد به اليأس:
كلَّما قُلتْ دولةُ الحاكمِ الجا … ئر زالتْ قامتْ علينا أخرى (^٧)
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٦٠.
(٢) انظر ص ٢٣٧ من هذا الكتاب.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٤٤.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٤٥.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
(٦) انظر ص ٢٩٧ من هذا الكتاب.
(٧) «المذيل»: ٢/ ١٨٦.
[ ٤٤٢ ]
وفي غمرة غضبه ويأسه ينظم أبياتًا يغمز فيها من قضاة عصره بأجمعهم، وكان بعضهم قد عدله وأحسن الثناء عليه حين ترجم له، كأبي القاسم ابن الحرستاني، وشهاب الدين الخويي، فيقول:
دمشق في عَصْرِنَا مَعْ فَضْلُها بُلِيَتْ … من القُضَاةِ بِجُهَّال وأوقاح
بأَعْجَمِينَ ومِصْري وصائغهم … واربلي وخياط وفلاح
هم ضِعْفُ سِتَّةَ والتَّوَّابُ كلُّهُمُ … ضعفان أحزانهم أضعاف أفراح (^١)
فهل كان أبو شامة يريد من وراء ذلك نقد نظام القضاء كله؟ هذا النظام الذي نخر فيه الفساد حتى استعصى على الإصلاح؟
_________________
(١) انظر ص ٢٩٨ - ٢٩٩ من هذا الكتاب.
[ ٤٤٣ ]