لمنهج أبي شامة في «كتاب الروضتين» سمات يلحظها القارئ المتأمل لكتابه، وأولى هذه السمات هي الاستقصاء والشمول فيما يورد من أخبار حول وقعة معينة، بحيث لا يكاد يفوته منها خبر، مما يعطي صورة متكاملة عن الحادثة التي يؤرخ لها (^١)، وهو شديد الحرص على دقة ما يورد، مع عزو الأقوال إلى مظانها (^٢).
وأحيانًا يمهد للوقعة بذكرها مختصرة مجملة، ليكون القارئ فكرة عنها قبل أن يخوض في تفاصيلها، مما يساعده على حسن فهمها (^٣).
ويضطر أحيانًا إتمامًا للفائدة أن يكرر بعض الأخبار ينقلها عن المؤرخ نفسه إذا اشتمل هذا التكرار على فوائد جديدة (^٤).
وفي نقله هذه الأخبار لا يلتزم سياق المؤرخ الذي ينقل عنه، بل يقدم في الخبر ويؤخر فيه حسبما يراه من فائدة تخدم تصوره للحدث (^٥)، وقد يرى ألا فائدة في
_________________
(١) انظر مثلًا ما كتبه عن موقعة حطين، «كتاب الروضتين»: ٣/ ٢٧٥ - ٣٠٧.
(٢) «كتاب الروضتين»: ١/ ٣٢، ٣٣.
(٣) «كتاب الروضتين»: ٣/ ٣٣٠ - ٣٣٣.
(٤) «كتاب الروضتين»: ٣/ ٣٨١.
(٥) «كتاب الروضتين»: ٣/ ٣٠١، ٣٦٤.
[ ٣٨١ ]
نقل الأخبار مطولة، فيختصرها دون إخلال بالمعنى، ويردفها بزيادات عن مؤرخين آخرين تزيدها وضوحًا (^١).
وإذا ما اقتضى منه الخبر وقفة لغوية لإيضاح معنى أو إزالة إبهام، فإنه يبادر إلى ذلك (^٢).
وقد يذكره خبر يسوقه بحادثة تتعلق به، فيذكرها استطرادًا، ثم يعود لما هو فيه (^٣).
ويقارن بين الأخبار التي ينقلها، ثم يختار منها أحسنها سياقًا (^٤).
ولأمانته العلمية فيما ينقل قد يسرد الأقوال كلها في حادثة ما، ويترك للقارئ أن يختار إحداها، إذا لم يترجح لديه أيها أقرب للصواب (^٥).
وقد يرى أن المؤرخ الذي ينقل عنه قد أطال في ذكر خبر من الأخبار، فيختصره، وفي اختصاره له يتجلى أسلوب أبي شامة في دقة تعبيره ووضوحه، وعذوبة ألفاظه (^٦)، وقد عُرف أبو شامة بين معاصريه بدقة تحقيقه وإتقانه (^٧).
ولأن الغاية التي كان يتغياها من كتابه أن يفهمه العام والخاص (^٨)، فقد أعمل قلمه فيما ينقل عن العماد الكاتب، وكان العماد طويل النفس في السجع والوصف، مما يجعل قارئه يصاب بالملل، ويختفي الحدث التاريخي تحت ركام من الألفاظ الغريبة، والأسجاع الثقيلة، فأتى أبو شامة إلى تلك الأسجاع فحذفها إلا قليلًا منها
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ٣/ ٢٩٢.
(٢) «كتاب الروضتين»: ٣/ ١٣١.
(٣) «كتاب الروضتين»: ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٤) «كتاب الروضتين»: ٤/ ٣١١.
(٥) «كتاب الروضتين»: ١/ ١١١ - ١١٢، ٣/ ٣٣٢، ٤/ ٣٠٠.
(٦) «كتاب الروضتين»: ١/ ٩٣ - ٩٤، ١٠٣، ١١٧ - ١١٨، ٤٠٣ - ٤١٠.
(٧) «المذيل»: ١/ ١٤٤.
(٨) «كتاب الروضتين»: ١/ ٣٠.
[ ٣٨٢ ]
استحسنها في مواضعها، ولم تك خارجة عن الغرض المقصود من التعريف بالحوادث والوقائع (^١).
وهو في كل ما كتب لم يغب عنه حِسُّ المؤرخ، فتراه دائمًا يتلمس الأسباب التي كانت وراء حادثة من الحوادث، فيوضحها، بعيدًا عما قد يحيطها به بعض المؤرخين من جلال وغرابة تنأى بها عن دائرة التاريخ (^٢).
* * *
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ١/ ٣٠.
(٢) «كتاب الروضتين»: ١/ ٥٤ - ٥٦، ٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
[ ٣٨٣ ]