تابع أبو شامة في «المذيل على الروضتين» منهجه النقدي الذي اتبعه في «كتاب الروضتين»، غير أن النقد فيه اقتصر على جزئه الأول، وهو الجزء الذي اعتمد فيه على من سبقه من المؤرخين.
فرد على ابن الدبيثي حين طعن في ابن المارستانية لروايته عن أبيه، قائلًا فيه: «وهذه قحة عظيمة، وأبوه عامي لا يعرف الحديث ولا سمعه، وكان قصده أن يقال عنه محدث بن محدث». فيتعقبه أبو شامة بهدوء العالم قائلًا: «هذا غلو من قائله، لا يلزم من كونه عاميًا أن يكون له سماع في صغره يومًا ما، فلا يسمع قوله: ولا سمعه، فإنها شهادة على نفي» (^١).
ويشير في ترجمة الموفق ابن قدامة إشارة عابرة إلى وهم ابن الدبيثي في ذكر مكان مولده (^٢)، بقوله: الدمشقي المولد (^٣)، والمعروف أنه ولد في قرية جماعيل قرب نابلس (^٤).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٣٠.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٦٨.
(٣) المختصر المحتاج إليه: ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٤) «طبقات علماء الحديث»: ٤/ ١٥٦.
[ ٤٢٥ ]
ويتتبع أوهام سبط ابن الجوزي فيما نقل عنه من أخبار، فيشير إلى وهمه في سنة وفاة خوارزم شاه محمد بن تكش بأنها سنة خمس عشرة وست مئة، والصواب أنه توفي سنة (٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م) (^١).
ويشير كذلك إلى وهمه في سنة وفاة الوزير ابن شكر، وقد ذكر أنها كانت سنة (٦٣٠ هـ)، فيتعقبه أبو شامة بقوله: «كذا ذكر سبط ابن الجوزي، هو وهم، وإنما توفي سنة اثنتين وعشرين» (^٢).
وأحيانًا يسوق الترجمة وفق السنة التي ذكرها فيها سبط ابن الجوزي، غير أنه ينبه على خطئه فيها إن أخطأ، كما صنع في ترجمة عبد الرحمن اليمني الزاهد، فقد ترجم له في سنة (٦٢٠ هـ) متابعًا له، ثم ذكره على الصواب في سنة (٦٢١ هـ)، قائلًا: «وقد سبق ذكرنا له في سنة عشرين متابعة لأبي المظفر سبط ابن الجوزي، وإنما كانت وفاته في سنة إحدى وعشرين، ﵀» (^٣).
وحين لا يتبين له ترجيح رواية على رواية في خبر ما، يورد الأقوال كلها فيه، تاركًا للقارئ أن يحقق وجه الصواب فيها، ذلك ما فعله حين نقل عن سبط ابن الجوزي في حوادث سنة (٦٠٢ هـ) اسم أمير حج الشام الشجاع علي بن السلار، فعلق أبو شامة على ذلك بقوله: «كذا قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي فيما نقلته من خطه، وقد نقلت من خط العز محمد بن تاج الأمناء، قال: وفي السابع والعشرين من رمضان سنة اثنتين وست مئة نادوا الحج على أيلة صحبة ابن الجراحي» (^٤).
وكذلك فعل في ترجمة زين الدين قراجا الصلاحي حين نقل عن سبط
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٢٨.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣١١.
(٣) «المذيل»: ١/ ٣٧٧.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٧٠.
[ ٤٢٦ ]
ابن الجوزي قوله فيه: «توفي بدمشق، ودفن بجبل قاسيون، وقبره عند تربة ابن تميرك في قبة على الجادة عن يمين السالك شرقًا». فيعلق أبو شامة على ذلك بقوله: «كذا قال أبو المظفر، وقال العز بن تاج الأمناء: توفي بالمعسكر على بحيرة قدس مرابطًا يوم السبت أول جمادى الأولى، وحمل إلى دمشق في محفة، فدفن بالمقبرة العادلية من جبل قاسيون حالة وصوله بكرة يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى المذكور» (^١).
ومع ذلك فقد فاته التعقيب على بعض الأخبار التي نقلها عن سبط ابن الجوزي، والتي يغلب عليها المبالغة والتهويل مما يخرجها عن حد الصدق، فقد نقل عن السبط خبر الغرق الذي أصاب بغداد سنة (٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م) وقد بالغ سبط ابن الجوزي في تصوير آثاره، فقال: «وانهدمت بغداد بأسرها والمحال، ووصل الماء إلى رأس السور، وبقي مقدار أصبعين حتى يطفح على السور، فأيقن الناس بالهلاك، ودام سبع ليال وثمانية أيام، ثم نقص الماء، وبقيت بغداد من الجانبين تلولًا، لا أثر لها» (^٢).
لم تستوقف أبا شامة هذه المبالغات التي انفرد سبط ابن الجوزي يذكرها، ولم يتابعه عليها أحد من المؤرخين، مما جعل الإمام الذهبي يعجب حقًا من سكوت أبي شامة عنها، وهو المعروف بدقة نقده، قائلًا: «والعجب من أبي شامة ينقل أيضًا هذا، ولا يبالي بما يقول» (^٣).
وقد يقتضي الخبر تعقيبًا فقهيًا ليزيل بعض غموضه، فنرى أبا شامة يبادر إلى ذلك، وهو الفقيه، ففي ترجمة الشيخ عبد الله اليونيني ينقل عن سبط ابن الجوزي
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٩٠ - ١٩١.
(٢) «المذيل»: ١/ ٢٨٠.
(٣) «سير أعلام النبلاء»: ٢٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ٤٢٧ ]
قصته مع الشيخ أبي عمر المقدستي حين صلى الجمعة في جامع الحنابلة، وكان الخطيب فيه الشيخ أبا عمر، فلما كان في آخر الخطبة وأبو عمر يخطب نهض الشيخ عبد الله مسرعًا، وصعد إلى مغارة التوبة، وكان نازلًا بها، فظن سبط ابن الجوزي أنه قد احتاج إلى الوضوء، أو آلمه شيء، فيقول: «فلما صلينا الجمعة صعدت وراءه، وقلت له: خير؟ ما الذي أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة. قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذي قال؟ قال: الملك العادل، وهذا ظالم، فما يصدق. وكان أبو عمر يقول في آخر الخطبة: اللهم وأصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب. فقلت له: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح فيا ليت شعري، خلف مَنْ تصح؟ (^١)
قال أبو المظفر: وبينا نحن في الحديث، وإذا بالشيخ أبي عمر قد صعد إلى مغارة التوبة، فدخل ومعه مئزر، فسلَّم، وحل المئزر، وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله، الصلاة، ثم قال: ابتداء قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: ولدت في زمن الملك العادل كسرى. فنظر إلي الشيخ عبد الله وتبسم، ومد يده فأكل، وقام أبو عمر فنزل، فقال لي عبد الله: يا سيد، ما ذا إلا رجل صالح» (^٢).
ويعقب أبو شامة على هذه القصة بما يزيل غموضها، ويبين معانيها واحتمالاتها، فيقول: «الشيخ عبد الله اليونيني كان أيضًا من الصالحين، وقد رأيته، وهذا لفرط صلاحه وورعه ما رأى مسامحة مثل الشيخ أبي عمر بإطلاق لفظ العادل على من هو في ظنه غير مستحقه، وعذر الشيخ أبي عمر في ذلك أنه اسم من الأسماء الأعلام، لا تلحظ فيه الصفة، فهو كالتسمية بسالم وغانم ومحمود
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٢١٦.
(٢) «المذيل»: ١/ ٢١٧.
[ ٤٢٨ ]
ومسعود، يعبر عن المسمى بذلك في حالة يكون متصفًا بضد ما يقتضيه اشتقاق هذه الأسماء، فيكون عاطبًا ولا يدعى إلا بسالم، ومذمومًا ولا يدعى إلا بمحمود، تعريفًا لا مدحًا، فكذا إطلاق لفظ العادل في حق من أطلقه فيه الشيخ أبو عمر.
على أنه قد اعتذر بعذر آخر، وهو إطلاق هذا اللفظ على كافر (^١)، ولا ظلم أعظم من الشرك بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَلَم يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ أي بشرك. فإذا لم يمنع الشرك المحقق من إطلاق لفظ العادل على من اتصف به، فأن لا يمنع ظلم ما شي من الأشياء التي دون الشرك أولى. بقي في قضية الشيخ عبد الله إشكال من جهة كونه ترك صلاة الجمعة الواجبة لما تخيله من هذا الأمر الذي لو كان صحيحًا لما أسقط فرض الجمعة، ولعله كان مسافرًا، فلم تكن الجمعة واجبة عليه، والله أعلم (^٢).
وكذلك حين نقل عن سبط ابن الجوزي قوله في حجة الملك المعظم: «ولقد رأيت كتفه بعدما عاد وقد أكلته الشمس وانكشط وقيح، فقلت: ما هذا؟ قال: ما غطيت رأسي ولا كتفي منذ ثلاثة عشر يومًا». فتعقبه أبو شامة بقوله: «لم تكن له حاجة إلى كشف كتفه، فإنه لا يستحب إلا في حالة الاضطباع في طواف القدوم، والله أعلم» (^٣).
_________________
(١) فات أبا شامة أن ينبه على أن هذا الحديث الذي احتج به الشيخ أبو عمر لا أصل له، وليس هو في شيء من الكتب المشهورة، نبه على ذلك ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الشيخ أبي عمر في حوادث سنة (٦٠٧ هـ)، قائلًا: «وعجبًا له، ولأبي المظفر، ثم لأبي شامة في قبول مثل هذا، وأخذه منه مسلمًا إليه فيه».
(٢) «المذيل»: ١/ ٢١٧ - ٢١٨.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٥١.
[ ٤٢٩ ]