[ ٤٥٧ ]
لم يذكر أبو شامة هذا الكتاب في قائمة مؤلفاته التي كتبها سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وأثبتها في ترجمته لنفسه في «المذيل على الروضتين» (^١)، بل اكتفى بالإشارة إليه في ثلاثة مواضع منه، اثنين في القسم الأول الذي استدركه في المرحلة الثانية من تأليفه سنة (^٢) (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) فقال في أوله: «وذكر المنشئ محمد بن أحمد النسوي في كتابه الذي ذكر فيه وقائع التاتار مع علاء الدين محمد خوارزم شاه المذكور، ومع ولده جلال الدين، وقد اختصرته» (^٣).
وثانيه حين قال في حوادث سنة (٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م): «وفيها مات خوارزم شاه محمد بن تُكُشْ، وقد ذكرنا صفة موته، وما تم له مع التاتار في هذه السنة وقبلها في الكتاب الذي اختصرت فيه سيرة الدولتين العلائية والجلالية» (^٤).
وهذا يشي بأن اختصاره له كان قبل سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) بل يمكننا أن نعود باختصاره إلى ما قبل سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، إذ إنه ذكر في «مذيله» في حوادث هذه السنة سقوط بغداد بيد التتار، فقال: «ففي أولها في المحرم استولى التتار - لعنهم الله - على بغداد، فقتلوا ونهبوا، وفعلوا ما جرت عادتهم عند استيلائهم على
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٤٢ - ١٤٤.
(٢) انظر ص ٤١٠، ٤١٣ من هذا الكتاب.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٨٢.
(٤) «المذيل»: ١/ ٣٢٨.
[ ٤٥٩ ]
بلاد العجم على ما ذكرناه في كتاب السيرة العلائية والجلالية» (^١). ويؤيد ما ذهبنا إليه أن هذا القسم الأول من «المذيل» كان أبو شامة يكتبه غالبًا تباعًا إثر ما يعاصره من وقائع وأحداث (^٢).
ولعل أبا شامة قد اختصر هذا الكتاب عقب فراغه مباشرة من تأليف «كتاب الروضتين» في مرحلته النهائية، وقد سلف معنا أنه أنهى المجلدة الأولى منه في (١١) رمضان سنة (^٣) (٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م)، وإذا افترضنا أن المجلدة الثانية قد استغرقت منه بضع أشهر أخرى، فيكون اختصاره لكتاب النسوي في نحو سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م)، وكان ضغط التتار قد اشتد في تلك الفترة على المشرق الإسلامي (^٤)، وفيما كتبه أبو شامة في تقديمه لهذا المختصر ما يؤيد ذلك، إذ قال: «أما بعد، فقد جمعت في كتابين مطول ومختصر ما كان في زمن آبائنا من مناقب سلطانين جليلين متتابعين ببلادنا الشامية، جمعت فيهما من أخبارهما ومآثرهما ما غبر في وجوه من قبلهما من الملوك، فكيف من بعدهما؟ فسقى الله عهدهما، وسميت الكتاب المطول بالروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، والآخر مختصره.
ثم إني أردت الوقوف على أخبار ملكي بلاد العجم في زماننا، اللذين قهرا العباد، ثم خربت في ولايتهما البلاد، واستولى على تلك الديار الكفرة التتار - لعنهم الله - وسفك أولئك الملاعين دم الكبير والصغير من المسلمين، وجرى في تلك المدة من العجائب والغرائب ما لم يتقدم مثله - ولا أظنه يأتي إن شاء الله تعالى - فإنها من أفظع المصائب، فوجدت قد جمع أخبار تينك الدولتين الكاتب
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) انظر ص ٤٠٩ - ٤١٣ من هذا الكتاب.
(٣) انظر ص ٣٥٩ من هذا الكتاب.
(٤) انظر ص ١٧٧ - ١٧٩ من هذا الكتاب.
[ ٤٦٠ ]
الفاضل العالم، شهاب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد النسوي، المعروف بالمنشئ، الذي كان في صحبتهم وخدمتهم، مطلعًا على أحوالهم، متصرفًا في أعمالهم، جمع ما جرى من ذلك في مجلدة واحدة، فاختصرت المقاصد منها على عادتي في مثل ذلك» (^١).
ويستوقفنا في هذا التقديم تلك المقارنة البارعة بين الدولتين النورية والصلاحية، اللتين قامتا على نشر العدل وإقامة الجهاد، والنظر في مصالح العباد (^٢)، وبين الدولتين العلائية والجلالية اللتين قامتا على قهر العباد، فآل الأمر إلى خراب البلاد، واستيلاء التتار عليها.
وبهذا يكمل أبو شامة رؤياه ليضعها بين يدي ملوك عصره، العدل الذي يعمر البلاد، والظلم الذي يفضي إلى الخراب.
ولكي يكون أمينًا فيما يؤرخ له، وهو البعيد عن تلك الدولة الخوارزمية، اختار النسوي، وهو مؤرخ معاصر لأحداثها، ليعتمد عليه فيما يسوقه من أخبارها (^٣).
_________________
(١) «نزهة المقلتين»، الورقة ٣.
(٢) كتاب الروضتين: ٤/ ٤٣٤.
(٣) ولد النسوي في قلعة خُرَنْدَز من أعمال نسا في خراسان، وكان أبوه مالكًا للقلعة، فوليها هو من بعد وفاته، وقد شارك النسوي في المعارك ضد التتار، ثم إنه هرب من قلعته سنة (٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م) إلى شمالي العراق إثر فتنة وقعت بين أمراء الدولة الخوارزمية في نسا، مستغلين هروب السلطان جلال الدين إلى الهند عقب هزيمته من التتار. وحين عاد السلطان جلال الدين سنة (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م)، راح يستعيد سلطانه على بلاده، وقد وصل في حروبه إلى شمالي العراق، وهناك التقى النسوي، فعينه كاتبًا للإنشاء لديه، ومنذ ذلك الوقت صار النسوي في قلب الحياة السياسية في الدولة الخوارزمية، حيث رافق جلال الدين في حروبه، ثم عينه جلال الدين وزيرًا لنسا، مشترطًا عليه البقاء معه على أن يستنيب فيها نائبًا عنه، فبقي النسوي ملازمًا له حتى حاصره التتار قرب حاني، ففارقه إلى ميافارقين، حيث بلغه، وهو هناك، مقتل جلال الدين على يد أحد الأكراد في منتصف شوال سنة (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م)، فانضم النسوي إلى خدمة غازي بن العادل ملك ميافارقين، ثم فارقه، =
[ ٤٦١ ]
وما يعنيه من تاريخ الدولة الخوارزمية هي تلك الفترة الأخيرة من حياتها، التي حكم فيها سلطانها علاء الدين محمد بن تُكُش وابنه جلال الدين منكبرتي، وما يعنيه من أحداثها ووقائعها ما يتعلق بحال تلك الدولة مع التتار، ومن ثم اختط أبو شامة منهجًا في اختصاره للكتاب يختلف عن منهج النسوي في تأليفه.
فالنسوي أراد أن يؤرخ للفترة الأخيرة من حياة الدولة الخوارزمية من خلال سلطانيها علاء الدين وجلال الدين، فاستفاض في أخبارها، بل إنه توسع في أخبار جلال الدين، لأنه عقد كتابه على سيرته، وسماه باسمه «سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي»، وهذا يقتضي منه الإحاطة بأخباره كلها، ولذلك رأينا النسوي يسوق إلينا تفاصيل ما جرى مع تلك الدولة في علاقاتها الخارجية والداخلية، بل إنه وجد متسعًا ليذكر ما وقع له من وقائع قادته إلى التعرف إلى جلال الدين وملازمته له حتى مقتله.
أما أبو شامة، فما كان يعنيه من الكتاب هو ما كان لتلك الدولة من وقائع مع
_________________
(١) = وقد ساءت العلاقة بينهما، والتحق بخدمة مقدم الخوارزمية الأمير بركة خان، حيث صار عنده بمنزلة الوزير إلى أن قتل بركة سنة (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م) فانتقل إلى خدمة سلطان حلب الناصر يوسف بن العزيز، الذي اتخذه سفيرًا له إلى التتار عدة مرات، عاد في آخرها إلى حلب، ثم ما لبث أن توفي فيها سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م). وكان قد أكب نحو سنة (٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م) على تأليف كتاب في سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، غير أنه لم يقتصر فيه على سرد حياته فحسب، بل استهل كتابه بسرد تاريخ التتار في موطنهم، ثم تتبعهم إلى أن حطوا رحالهم على تخوم المشرق الإسلامي، ثم تكلم عن الدولة الخوارزمية في عهد السلطان علاء الدين محمد والد جلال الدين وصراعه مع التتار الذي انتهى بموته، ثم راح يفصل الكلام في الدولة الخوارزمية في عهد آخر سلاطينها جلال الدين حتى وفاته سنة (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م). انظر البحث الذي كتبته عن النسوي في «الموسوعة العربية» الصادرة عن «هيئة الموسوعة العربية» في دمشق، مادة «النسوي». وانظر حاشيتنا رقم (١) ص ١٧٨ من هذا الكتاب.
[ ٤٦٢ ]
التتار، ولهذا قيد عنوان اختصاره له بقوله: «وما كان فيهما من الوقائع التاتارية»، فلم يلتزم أبو شامة في اختصاره للكتاب إلا بتلك الفصول التي بين النسوي فيها تلك الأحداث والوقائع، وكذلك لم يلتزم بعناوين الفصول التي عنون بها النسوي كتابه، بل وضع عناوين لفصوله التي اختصرها، تتناسب ومضمون ما اختصره منها، مفصلًا في وقائع تلك الفترة من سنة (٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م) حتى سنة (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م)، حيث قتل جلال الدين، وانطوى خبر تلك الدولة، فكان عمل أبي شامة في الكتاب أقرب إلى الاختيار منه إلى الاختصار، وهو ما عبر عنه في آخر الكتاب بقوله: «هذا آخر ما اخترته من هذا الكتاب، وإلى الله تعالى المصير والمآب» (^١).
ويبدو أن هذا الاختصار قد بقي على حالته هذه حتى سقوط بغداد بيد التتار سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، وما أعقب ذلك من سقوط حلب في صفر سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، واستسلام دمشق في العام نفسه، ثم ما جرى من انتصار المسلمين في معركة عين جالوت في رمضان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ومعركة حمص في محرم سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦٠ م).
فعكف أبو شامة على كتابه هذا يضيف إليه أخبار هذه الوقائع باختصار، مفتتحًا ذلك بالنقل عن العماد الكاتب من آخر كتابه «الوزراء السلجوقية»، ثم مثنيًا بما كتبه البنداري في اختصاره له.
فيبدأ بذكر سقوط بغداد، ثم استيلاء التتار على حلب، ووصولهم إلى دمشق، ودخولهم إليها بالأمان، ثم إغارتهم على حوران ونابلس، وقتلهم للكامل محمد بن شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين، وطوافهم برأسه في أسواق دمشق، ثم ما وقع في رمضان من سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) من انتصار المسلمين على التتار في معركة عين جالوت، تلك المعركة التي بين أبو شامة أهميتها في تاريخ المسلمين
_________________
(١) «نزهة المقلتين»، الورقة ٥٣.
[ ٤٦٣ ]
بقوله: «فكان ذلك فتحًا مبينًا، ونصرًا عزيزًا، نشأ به الإسلام نشأ جديدًا» (^١).
ثم يذكر مقتل السلطان قطز في طريق رجوعه إلى مصر بعد هذه الموقعة بنحو شهرين، ثم يذكر هزيمة التتار الثانية في معركة حمص خامس محرم سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦٠ م)، ذاكرًا أن التتار قد ذلوا بعد هاتين الكسرتين، وطمع فيهم المسلمون، وانتقل إليهم ما كان عند المسلمين من الخوف منهم (^٢).
ويبدو أن هذه الأخبار كان يدونها أبو شامة تباعًا، إثر وقوعها، يدل على ذلك افتتاحه لبعضها بقوله: ثم. بيد أن ما كتبه في مختصره هذا، كان قد دونه في كتابه «المذيل على الروضتين» تدوينًا أحسن سياقًا وأتم، ولعله لم يفصل في هذه الأخبار هنا تفصيله لها في «المذيل» انسجامًا مع موضوع الكتاب ومنهجه، المقتصر على أخبار التتار فحسب.
_________________
(١) نزهة المقلتين: ورقة ٥٢.
(٢) المصدر السالف.
[ ٤٦٤ ]