مع وصول الملك العزيز بن الناصر يوسف إلى دمشق في منتصف شعبان سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) عائدًا من سفارته إلى هولاكو أخذت الأمور تنحو منحى سيئًا بالنسبة للناصر يوسف، فقد أسر إليه ابنه بأن زين الدين الحافظي كان يتقرب إلى هولاكو، ويتردد إليه بمفرده، ويتحدث معه سرًا (^١)، غير أن الناصر يوسف لم يلتفت إلى قول ابنه، فما كان ليشك في ولاء زين الدين الحافظي له.
بيد أنَّ ما ساءه حقًا، وجعله يتأرجح ما بين الأمل واليأس، تلك الرسالة التي أرسلها هولاكو مع ابنه العزيز يطلب فيها من جديد مثوله بين يديه، قائلًا بلهجة لا تخلو من التهديد نحن للملك الناصر طلبنا لا لولده، فالآن إن كان قلبه صحيحًا معنا يجيء إلينا، وإلا فنحن نمشي إليه (^٢).
ووقع الناصر يوسف فريسة للقلق والحيرة من جديد، أيسير إلى هولاكو، وخوفه وفزعه يمنعه؟ أم يبقى في البلاد، وهو غير مطمئن إلى قعوده (^٣)؟
وبينما كان يكتوي بنار حيرته عاجله هولاكو برسالة جديدة، ارتفعت فيها لهجة
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٩.
(٢) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٨.
(٣) المصدر السالف.
[ ٢٢٥ ]
التهديد، فبعد أن يذكره فيها باستيلائه على بغداد، وقتل الخليفة إرعابًا له، يقول: وإذا وقفت على كتابي هذا فسارع برجالك وأموالك وفرسانك إلى طاعة سلطان الأرض شاهنشاه تأمن من شره، وتنل خيره، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ (^١) ولا تعوقن رسلنا عندك كما عوقت رسلنا من قبل، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وقد بلغنا أن تجار الشام وغيرهم انهزموا بأموالهم وحريمهم إلى كروان سراي (^٢)، فإن كانوا في الجبال نسفناها، وإن كانوا في الأرض خسفناها (^٣).
وبرغم ما في هذه الرسائل من طبول للحرب تقرع غير أنَّ الناصر يوسف تصامم عنها، معللًا النفس بأمان قد ناله من التتار، ولن يخفر التتار أمانهم.
ويبدو أن هولاكو قد تعمد إبقاء العزيز عنده نحو سنة (^٤)، وهي فترة طويلة تكفي كي يتم استعداداته لغزو بلاد الشام، وعلل الناصر يوسف بنجدته له كي يستنيم إلى رضاه عنه، ولا يبدي استعدادًا لمقاومته.
ومن ثم فوجئ الناصر يوسف حقًا بما لم يعد نفسه له، إذ بدأت الأخبار تترامى إليه بتحرك هولاكو بجيشه من همذان في رمضان سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) قاصدًا بلاد الشام (^٥).
وفزع الناصر يوسف إلى مصر يستنجدها، مرسلًا وزيره كمال الدين ابن
_________________
(١) سورة النجم: ٣٩ - ٤١.
(٢) كروان سراي، تعني بلغتهم فندق المسافرين، وجاء في هامش إحدى نسخ «السلوك»: يعني مصر، وعلق محققه: ويفهم من هذا أنَّ مصر كانت تعرف في بلاد التتر باسم كروان سراي، وربما نشأت تلك التسمية من انتهاء معظم الطرق التجارية إليها من سائر جهات الشرق والغرب في القرون الوسطى.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ٤١٦.
(٤) أرسل الناصر ابنه العزيز عقب سقوط بغداد، انظر ص ٢١٧ من هذا الكتاب.
(٥) مؤرخ المغول رشيد الدين فضل الله الهمذاني، تأليف فؤاد عبد المعطي الصياد: ص ٤٨.
[ ٢٢٦ ]
العديم، المؤرخ المشهور، فلما قدم ابن العديم القاهرة، عُقد مجلس بالقلعة عند الملك المنصور علي، وحضره قاضي القضاة بدر الدين حسن السنجاري، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وسئلا عن أخذ أموال العامة، ونفقتها على العساكر، فقال الشيخ عز الدين: إذا لم يبقَ في بيت المال شيء، وأنفقتم الحوائص الذهب ونحوها من الزينة، وساويتم العامة في الملابس سوى آلات الحرب، ولم يبق للجندي إلا فرسه التي يركبها ساغ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء، إلا أنه إذا دهم العدو وجب على الناس كافة دفعه بأموالهم وأنفسهم … وانفض المجلس.
فوجد الأمير قطز سبيلًا إلى القول، وأخذ ينكر على الملك المنصور علي صغره ولهوه، ويقول: لا بد من سلطان قاهر يقاتل هذا العدو، والملك المنصور صبي لا يعرف تدبير المملكة.
فلما كان يوم السبت في (٢٤) ذي القعدة سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) والملك المنصور علي جالس على سرير الملك، وابن العديم حاضر بين يديه، قبض قطز على الملك المنصور، واعتقله في برج الجبل، وجلس على سرير الملك (^١)، والتفت إلى ابن العديم قائلًا له: سأنجد الناصر يوسف على التتار، ولن أقعد عن نصرته.
وانهمك في الاستعداد للجهاد (^٢).
ظل الناصر يوسف - مع اقتراب جيش هولاكو من بلاد الشام - متعلقًا برمق الأمل الأخير، مقنعًا نفسه بأن التتار لن يخفروا ذمته، وأن هولاكو لن يهاجمه،
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤١٦ - ٤١٧.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤١٨.
[ ٢٢٧ ]
حتى إذا وصل هولاكو إلى حران - وكانت تابعة للملك الناصر يوسف - فنزل عليها، وحاصرها، تبدد الوهم الذي كان الناصر يوسف يتعلق بحباله، وتحقق أخيرًا أن هولاكو قاصده (^١).
فجمع أكابر الدولة والمشايخ، واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه بأن يخرج بعساكره إلى ظاهر دمشق استعدادًا لقتاله، فخرجت العساكر في أواخر سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) إلى برزة، وخيموا بها، مصممين على لقاء هولاكو وقتاله، غير أن نجم الدين أمير حاجب، والأمير زين الدين الحافظي راحا يخذلان الناس، فحين كان يجتمع الأمراء ويتحدثون بلقاء التتار وقتالهم، ينبري لهم أمير حاجب قائلًا: كل من يقول إنه يلتقي هولاكو يتحدث وما يعرف ما يقول، ومن الذي يلتقي هولاكو، ومعه مئتا ألف فارس؟ ويعضد زين الدين الحافظي قوله، ويذكر عساكر التتار وكثرتهم، وممارستهم للحروب، ويصف عظمة هولاكو وسطوته، وجبروته، وشدة بأسه، واستيلاءه على الممالك، وقتله الملوك، وما في قلوب الناس من الخوف والرعب منه، ويهوّل على الملك الناصر يوسف أمورهم، ويعظم شأنهم، ويفخم مملكتهم، ويصغر شأن الناصر يوسف ومن عنده من العساكر، وما زال هذا دأبه في كل مجلس حتى تسرب الخوف إلى قلب الناصر، وهو الجبان، فضعفت نفسه، ونفوس أمرائه عن لقاء هولاكو وقتاله (^٢).
وذات يوم، وبينما كان زين الدين الحافظي يعظم شأن هولاكو كعادته، ويشير بأن الأفضل ألا يُقاتل، وأن يُدارى بالدخول في طاعته، صاح به الأمير ركن الدين بيبرس، وضربه وسبه، وقال: أنتم سبب هلاك المسلمين. وفارقه إلى خيمته، فمضى زين الدين الحافظي إلى الملك الناصر يوسف يشكو إليه ما كان من الأمير بيبرس (^٣).
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٠.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٠، «عيون الأنباء»: ص ٦٦٩.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤١٩.
[ ٢٢٨ ]
وكان الناصر يوسف في معسكره في برزة يتشاغل فيما لا يفيد، ويقضي أوقاته في نظم شعر أو سماع قصيدة (^١)، وكان أحيانًا يركب من المعسكر، ويمضي إلى بستان أخيه الظاهر بن العزيز يبيت فيه ويستريح!
فلما رأى مماليك الناصر يوسف الأتراك أن الناصر قد فترت همته عن قتال التتار، وأن أمراء الأكراد القيمرية قد وافقوه على ذلك، اتفقوا فيما بينهم على أن يهجموا على الناصر يوسف، وهو في البستان، فيقتلوه، ويقتلوا الأمراء الأكراد، ويملكوا عليهم غيره من الأمراء الأتراك، وقالوا: إن أمراء الأكراد قد قرروا في نفس السلطان ونفوسهم أنهم لن يلتقوا هولاكو ولن يقاتلوه، فإن تركوهم وما قرروا راحت البلاد، واستولى عليها التتار.
فرصدوا الملك الناصر يوسف إلى أن مضى إلى البستان على عادته، وهجموا على البستان في أول الليل، فأحس بهم الناصر يوسف، فانهزم مع أخيه الظاهر، متسورين حائط البستان، وأغذا السير راجلين حتى دخلا قلعة دمشق، وفشلت خطة اغتياله.
فلما أصبح الصباح بلغ الخبر الأمراء القيمرية، فدخلوا قلعة دمشق، ومعهم جماعة من الأمراء الأكابر، وأشاروا على الناصر يوسف أن يكتم ما جرى، ويخرج إلى معسكره في برزة. فوافقهم، وخرج معهم إلى المخيم (^٢).
وخاف الأمير ركن الدين بيبرس أن يتهم بما وقع، ففارق الناصر يوسف، ووصل إلى إقطاعه بنابلس، واتفق خروج مماليك الناصر يوسف الذين عزموا على اغتياله هاربين ومعهم جماعة من العسكر، فوصلوا إلى غزة، فمضى بيبرس إلى الساحل، وأقام بين الشهرزورية أعداء الناصر (^٣).
_________________
(١) «الروض الزاهر»: ص ٦٢.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٠ - ١٧١.
(٣) «الروض الزاهر»: ص ٦٢.
[ ٢٢٩ ]
وكان قطز قد أرسل عساكر إلى الناصر يوسف نجدة له كما وعده، فعزم الشهرزورية نكاية بالناصر على قتالهم، فأعلم الأمير ركن الدين بيبرس قائد العسكر المصري الأمير جمال الدين النجيبي بما يبيت لهم الشهرزورية، متخذًا بذلك يدًا عند قطز، فرجع العسكر المصري، وترك بيبرس الشهرزورية، وأقام بغزة، وأرسل الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إلى قطر ليستوثق له منه، ويستحلفه (^١)، فكتب إليه قطز أن يقدم عليه، ووعده الوعود الجميلة، ففارق بيبرس غزة، ووصل في جماعة إلى مصر بعد طول غياب عنها، فالتقاه قطز، وأنزله بدار الوزارة، وأقبل عليه، وأقطعه قليوب وأعمالها (^٢).
_________________
(١) «الروض الزاهر»: ص ٦٢.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ٤٢٠.
[ ٢٣٠ ]