بعد نحو شهر من محنته استطاع أبو شامة معاودة تدوين ما يقع إليه من أخبار في «مذيله» (^١).
وكان الظاهر بيبرس قد قدم مع جماعة من أمرائه الشام، فنزل على غزة، ثم رحل إلى صفد، وهناك ورد الخبر عليه بتوجه التتار إلى الرحبة، فسار إلى دمشق مسرعًا، ودخلها في (١٤) رجب سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م)، فأقام بها نحو خمسة أيام، ثم عاد إلى صفد، فوصل إليها في (٢٤) رجب ليقوم على عمارتها، وحفر خندقها (^٢).
في تلك الأيام كان أبو شامة يحاول التغلب على محنته، ففي (٢٠) رجب توفي الكمال بن إسحاق بن خليل السقطي المعروف بقاضي زُرًا، فصلى عليه أبو شامة إمامًا بمصلى ابن مرزوق بالعقيبة، ثم دفن بالجبل (^٣).
وكان آخر ما دون أبو شامة في «مذيله» خبر وفاة الجمال محمد بن نعمة النابلسي في يوم الأحد (١٨) شعبان سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) وكان رجلًا صالحًا (^٤).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢٢٤.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٢٢٤، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٥٨.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٢٢٤.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٢٢٥.
[ ٣٤٥ ]
ويبدو أن المرض الذي كان يعتاده في رمضان في بعض السنين (^١) قد ألم به في هذا العام، غير أن جسد أبي شامة العليل من الضرب المبرح لم يعد يقوى على احتماله ومقاومته، فنشب فيه حتى تمكن منه، فأسلم الروح في سحر ليلة الثلاثاء التاسع عشر من رمضان سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) مخلفًا ثلاثة أولاد: فاطمة، وأحمد، ومحمود (^٢)، ودفن بعد صلاة الظهر في مقبرة الفراديس (^٣)
_________________
(١) انظر ص ١٧٤، ١٧٥، ١٨٧، ١٨٩ من هذا الكتاب.
(٢) أنجب أبو شامة سبعة أبناء، مات منهم أربعة في حياته، وهم: محمد وزينب ورقية وإسماعيل، كما سلف في سيرته، وبقي منهم ثلاثة، هم: فاطمة وأحمد ومحمود. أما فاطمة، فقد ولدت سنة (٦٣١ هـ)، وتوفيت سنة (٧٠٧ هـ)، وقد حدثت مرارًا، وممن سمع منها الإمام الذهبي، فترجم لها في «معجم شيوخه»: ٢/ ١٠٦، ولها ترجمة في «ذيل مرآة الزمان» لليونيني، وفيات سنة (٧٠٧ هـ). وأما أحمد، فقد ولد سنة (٦٥٣ هـ)، واشتغل بنسخ الكتب حتى عرف بالوراق، وتوفي سنة (٧٢٢ هـ)، وقد سمع منه الذهبي كذلك، وترجم له في «معجم شيوخه»: ١/ ٦٠، وله ترجمة في «الدرر الكامنة»: ١/ ١٩٤. وأما محمود، فقد سلفت ولادته سنة (٦٦١ هـ)، ولم أقف على أخباره. وممن حدث كذلك سبطه الحسن بن عبد الرحمن البكري، وقد ولد سنة (٦٦٠ هـ)، وتوفي سنة (٧٢٢ هـ)، وسمع منه الذهبي، فترجم له في «معجم شيوخه»: ١/ ٢١١، وله ترجمة في «الدرر الكامنة»: ٢/ ١١٩.
(٣) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ٣٦٧، وورقة غلاف «كراسة جامعة» نسخة شستربتي. وقد انفرد ابن كثير بترجيح مقتل أبي شامة في (١٩) رمضان، فقال: وكأنهم عادوا إليه مرة ثانية، وهو في المنزل المذكور، فقتلوه بالكلية في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان. «البداية والنهاية» وفيات سنة (٦٦٥ هـ). وقد نقل عنه ذلك العيني في «عقد الجمان» (حوادث سنة ٦٦٥ هـ): ص ١٥، وتابعه من المعاصرين عباس العزاوي في كتابه «التعريف بالمؤرخين»: ص ٨٤ - ٨٥، وقد جزم بذلك فقال: وقد اغتيل في (١٩) رمضان. على أن ابن كثير لم يجزم بما قاله، وإنما هو احتمال رآه، فصدر كلامه بقوله: وكأنهم …
[ ٣٤٦ ]
ويبدو أن جنازة أبي شامة لم تكن من تلك الجنازات الحافلة التي كانت تشهدها دمشق لعلمائها الكبار، فلم يذكر لنا خبر عنها، ولم ندر من صلى عليه، ولربما ارفض الناس عنها، والعهد قريب بمحنة صاحبها، خوفًا من بطش من بطش به ونفوذه.
وهكذا أغمض أبو شامة عينيه على حلم كان يود لو يتحقق، فقد عاش ما عاش
_________________
(١) = والصواب ما أجمع عليه المؤرخون من أنه توفي، بل إن السبكي في «طبقات الشافعية» ٨/ ١٦٧ - ١٦٨ قد صرح بأنه اعتل بالضرب إلى أن مات. وما يزال قبر أبي شامة قائمًا في مقبرة الفراديس، وتعرف الآن بمقبرة الدحداح، وقد زرته غير ما مرة. وقد شاعت حكاية في دمشق في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي - ولولا شيوعها ما ذكرتها - على لسان الشيخ عيد الحلبي - وهو أحد مشايخ دمشق، متوفى سنة (١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٦ م) - من أنه مر على مقبرة الدحداح لزيارة قبر والده، فمر بقبر الحافظ أبي شامة، وعنده جماعة يتلاحون مع حفار القبور، يريدون أن يفتحوا قبر أبي شامة لدفن قريب لهم، والحفار يأبى إكرامًا لصاحب القبر، ولكن أحدهم تجرأ، وفتح القبر بنفسه، ففوجئ الحاضرون بجثة الحافظ كما هي، وتقدم الشيخ محمد عيد الحلبي، ورأى بأم عينه وجهه سليمًا لم تأكله الأرض، وشاهد شامته المشهور بها، ولحيته لم يسقط شعرها، وقد رويت الحكاية هذه كذلك في ترجمة الشيخ عيد الحلبي في كتاب بعنوان تاريخ علماء دمشق»: ٢/ ٦١٣ - ٦١٤. ومدار صدق هذه الحكاية على صحة الخبر، فهل خبرها صحيح؟ فلعل راويها قد وهل، فظن أن من رآه هو أبو شامة، وهو غيره قد دفن من عهد قريب. ومما يوهن هذه الحكاية وينقضها أن فاطمة ابنة أبي شامة قد توفيت ليلة الجمعة ثاني رجب سنة (٧٠٧ هـ/ ١٣٠٧ م)، ودفنت من الغد بمقبرة الفراديس في قبر والدها - ذكر ذلك اليونيني في «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ١١٨٦، ولم يذكر أحد في زمانها أنه رأى أبا شامة في قبره لم يبل، ولم يمض على وفاته سوى اثنتين وأربعين سنة، ولو ذكر ذلك لكان أقرب للتصديق لقرب وفاتها من وفاته، والله أعلم.
[ ٣٤٧ ]
وهو يحلم بسلطان يعمل على إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي
الكفرة، والنظر في مصالح العباد (^١).
* * *
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ٤/ ٤٣٤. ولم يقدر لأبي شامة أن يعاصر من حكم الظاهر بيبرس إلا سنواته الأولى، وقد توفي قبل أن تتكامل ملامح بطولته، تلك البطولة التي حققت من الانتصارات، ومن إشاعة العدل، والأمن بين الناس - برغم بعض التجاوزات الشرعية ما كانوا يحلمون به في سنوات القهر والهزيمة، فأحلوه في قلوبهم المنزلة الأعلى، ومن مشاعرهم المحل الأسمى، وقد أمدهم حبهم له، وإعجابهم به بالخيال البارع، فنسجوا حوله قصصًا ارتقت به إلى مصاف أبطالهم العظام الذين عاشوا في وجدانهم، حتى غدا على مدار الأيام شخصية عصية على النسيان.
[ ٣٤٨ ]