أول ما يخبرنا به أبو شامة في سيرته أنه «عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد، المقدسي، الشافعي، عُرِفَ بأبي شامة؛ لأنه كان به شامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر (^١)، ويُكنى أبا القاسم وأبا محمد (^٢).
وكانت ولادته ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة (٥٩٩ هـ/ ١٢٠٣ م) برأس درب الفواخير بدمشق، داخل الباب الشرقي» (^٣).
كان محمد الذي ينتهي إليه النسب، وابنه إبراهيم، وحفيده أبو بكر من أهل بيت المقدس.
أما محمد فلم يقع لأبي شامة تعيينه على وجه اليقين، وإنما قال: «لعل محمدًا الذي انتهى إليه النسب هو أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي القاسم علي الطوسي، المقرئ الصوفي، إمام صخرة بيت المقدس» (^٤). وأشار إلى أن الحافظ أبا القاسم
_________________
(١) وذكر ذلك في موضع آخر، فقال: عُرِف بأبي شامة بسبب أنه كان في وجهه منذ ولد شامة كبيرة بجبينه فوق حاجبه الأيسر. «المذيل على الروضتين»: ٢/ ١٥٣.
(٢) يبدو أنه كان يكنى أبا القاسم في مطلع حياته، حتى إذا ولد ابنه محمد، صار يكنى به.
(٣) «المذيل على الروضتين»: ١/ ١٣٦.
(٤) المصدر السالف.
[ ١٣ ]
ابن عساكر ذكره في «تاريخ دمشق»، ونقل منه عن ابن الأكفاني قوله: «قتلته الفرنج - خذلهم الله - عند دخولهم بيت المقدس في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة» (^١).
ولم يُفصح أبو شامة عما دعاه إلى هذا الترجي، ربما هو قول كان قد سمعه في صغره، ولم يجد عنده من اليقين ما يجزم به، وبخاصة أن إبراهيم بن محمد؛ وهو الجد الأعلى لوالد أبي شامة كان من أعيان بيت المقدس، وقد سمع أبو شامة من والده خبر مقتله، فقال: «وكان والدي إسماعيل ﵀ قد أخبرني أن جده الأعلى قتل مع مَنْ قُتِلَ من المقادسة عام دخول الفرنج بيت المقدس بالسيف، وهو عام اثنتين وتسعين وأربع مئة، وهو أحد الشهداء الذين رؤوسهم بالمغارة المقصودة بالزيارة في مقبرة ماملة بالقدس الشريف» (^٢).
وكان الصليبيون قد ارتكبوا مذبحة شنيعة حين استيلائهم على بيت المقدس، وصفها مؤرخهم، وكان أحد شهودها، بقوله: «فلما ولج حجاجنا المدينة جدوا في قتل الشرقيين ومطاردتهم حتى قبة عمر، حيث تجمعوا واستسلموا لرجالنا الذين أعملوا فيهم أفظع القتل طيلة اليوم بأكمله، حتى فاض المعبد كله بدمائهم …
وانطلق الصليبيون في جميع أنحاء المدينة يستولون على الذهب والفضة والجياد والبغال، كما أخذوا في نهب البيوت الممتلئة بالثروات، واشتد السرور برجالنا حتى بكوا من فرحتهم … وفي صباح اليوم التالي تسلق رجالنا سطح الهيكل، وهجموا على الشرقيين رجالًا ونساءً، واستلُّوا سيوفهم، وراحوا يُعمِلُونَ فيهم القتل … وما تأتى لأحدٍ قط أن سمع أو رأى مذبحة كهذه المذبحة …» (^٣).
وبكاها مؤرّخنا ابن الأثير بقوله: «وركِبَ الناسُ السيف، ولبِث الفرنج في البلدة أسبوعًا يقتلون فيه المسلمين .. وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٣٦، وانظر «تارخ دمشق» لابن عساكر (خ) س: ١٤/ ٧٠٦.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٣٧.
(٣) «أعمال الفرنجة»: ١١٨ - ١٢٠، ترجمة د. حسن حبشي.
[ ١٤ ]
سبعين ألفًا، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم ممن فارق الأوطان، وجاور بذلك الموضع الشريف» (^١).
وكان ممن نجا من هذه المذبحة الشنيعة أبو بكر ولد إبراهيم، «فانتقل إلى دمشق، فأقام بها، وولد له ولدان: عثمان بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر .. وكثر نسلهم بدمشق، ومسكنهم بنواحي الباب الشرقي» (^٢).
أما عبد الرحمن بن أبي بكر فقد عَلَت سِنُّه حتى قارب التسعين، وقد قضى حياته معلمًا في المكتب الذي بباب الجامع الشامي، قبالة خانقاه السميساطي، وكان يعرف بعبدان المعلم، ويبدو أنَّ أبا شامة قد أدركه في أواخر حياته، وقبيل وفاته في ثالث رمضان سنة (٦٠٥ هـ/ ١٢٠٩ م) ودفن بباب الفراديس (^٣).
وأما أخوه عثمان بن أبي بكر، فلا نعلم عنه شيئًا إلا ما وصفه به حفيده أبو القاسم - وهو عم أبي شامة - بالفقيه الإمام (^٤).
وقد ولد لعثمان ولد سمّاه إبراهيم، وهو جد أبي شامة الأدنى، وكذلك لا نعرف عنه شيئًا إلا ما وصفه به ابنه أبو القاسم بالشيخ الإمام، وقد ذكر وفاته في السابع والعشرين من شعبان سنة (٥٧٥ هـ/ ١١٨٠ م)، ودفن بباب الفراديس، قبالة تربة الصفي بن القابض، بينهما الطريق (^٥). وتوفيت زوجته وهي جدة أبي شامة بعده بعشر سنين، ودفنت باب شرقي (^٦).
وولد لإبراهيم ولدان، هما: أبو القاسم، وإسماعيل.
_________________
(١) «الكامل»: ١٠/ ٢٨٢ - ٢٨٤.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٣٧.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٩٧.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٩٧.
(٥) «المذيل»: ١/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٦) المصدر السالف.
[ ١٥ ]
أما أبو القاسم فهو عمّ أبي شامة، وهو أكبر من إسماعيل، فقد كنيت أمه به (^١)، ويبدو أنه قد شدا شيئًا من العلم، فقد وصفه أبو شامة بالشيخ (^٢)، وكان له بعض التقييدات التاريخية التي تتعلق بالأسرة، استفاد منها أبو شامة في «مذيله» (^٣)، وقد توفي أبو القاسم في تاسع رمضان سنة (٦٠٤ هـ/ ١٢٠٨ م)، ودفن بالمقبرة التي بين الباب الشرقي وباب توما (^٤).
وأما إسماعيل، فهو والد أبي شامة، ولا نكاد نعرف عنه إلا ما أورده أبو شامة من أخباره، ويوحي بعضها بأنه لم يكن على صلة قريبة منه (^٥)، ربما لزواجه من امرأة أخرى غير أمه. ولم يكن له اعتناء بالعلم على تدينه، إذ يذكر أبو شامة أن والده حج أربع حجات في حياته، على مشقة الحج في ذلك الزمان، رافقه أبو شامة في حجته الأخيرة سنة (^٦) (٦٢١ هـ/ ١٢٢٤) وربما أحب أبو شامة من بعد أن يرفع من ذكره حين ذكره فيمن حدثه عن خطيب دمشق عبد الملك بن زيد الدولعي المتوفى سنة (^٧) (٥٩٨ هـ/ ١٢٠١ م)؛ إذ الرواية عن خطيب كبير يصعد كل جمعة منبر جامع دمشق لا تسلك صاحبها في عداد طلبة العلم ممن يختلف إلى الشيوخ للرواية عنهم، ويبدو أنه أصبح يكنى أبا عبد الرحمن بعد أن أصاب ابنه أبو شامة شيئًا من الشهرة (^٨).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٩٧.
(٢) المذيل: ١/ ١٩٢.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٩٧، ٢/ ٤٨.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٩٢.
(٥) «المذيل»: ١/ ١٣٧.
(٦) حج والد أبي شامة في السنوات: ٦١٠ هـ، ٦١٦ هـ، ٦١٨ هـ، ٦٢١ هـ، انظر «المذيل»: ١/ ٢٤٢، ٣٢٠، ٣٤٦، ٣٧٤.
(٧) «المذيل»: ١/ ١٢٠.
(٨) «المذيل»: ١/ ١٤٧، وقد أشير إلى ذلك في مدح أبي شامة: ووالده كالسيد السلمي خذ … بكنيته والشيخ في ورع الشبلي والسلمي: هو أبو عبد الرحمن، صاحب كتاب «طبقات الصوفية».
[ ١٦ ]
وتوفي سنة (٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م) ودفن على أبيه بمقبرة باب الفراديس (^١).
أما والدة أبي شامة فيبدو أنه كان شديد التعلق بها، وهي التي كانت وراء طلبه للعلم (^٢)، وقد وصفها سنة وفاتها سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) بأنها كانت دينة صالحة، وتمنى، وهو يغالب حزنه عليها، أن يُدفن عندها (^٣).
وقد أنجب والده إسماعيل من الذكور أربعة (^٤): أولهم: برهان الدين، أبو إسحاق إبراهيم، ولد ليلة الاثنين الخامس والعشرين من محرم سنة (^٥) (٥٩١ هـ/ ١١٩٥ م) فهو أسَنَّ من أبي شامة بنحو تسع سنين، وقد وصفه أبو شامة بأنه كان من الصالحين (^٦)، وهو أخ غير شقيق (^٧).
وثانيهم: مؤرخنا عبد الرحمن أبو شامة.
وثالثهم: أبو محمد، أمه مغربية، ولد سنة (^٨) (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م) وأشار أبو شامة إلى وفاته دون أن يحدد سنتها (^٩).
ورابعهم: عبد الحليم، شقيق أبي محمد، وقد ولد سنة (^١٠) (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥)، ولم يذكر أبو شامة في «مذيله» إلا تاريخ ولادته، ثم تغيب عنا أخباره.
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٥٤.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٣٨ - ١٣٩، وانظر ص ٢١ - ٢٢ من هذا الكتاب.
(٣) «المذيل»: ١/ ٣٥٥.
(٤) لم يذكر أبو شامة أنه كان له أخوات أو شقيقات.
(٥) «المذيل»: ١/ ١٣٧.
(٦) «المذيل»: ١/ ١٤٠.
(٧) سيتزوج أبو شامة من بعد ابنة خالة أخيه إبراهيم، وهي ست العرب، انظر «المذيل»: ٢/ ٢٢١، ١٢٠، وانظر ص ١٥٢ من هذا الكتاب.
(٨) «المذيل»: ٢/ ٢٣.
(٩) «المذيل»: ٢/ ١٩٠ في ترجمة خاله يحيى بن الوكيل المغربي.
(١٠) «المذيل»: ٢/ ٣٣.
[ ١٧ ]
أما أخوه إبراهيم فقد ألمع أبو شامة إلى صلته به، وبخاصة في محنته التي ألمت به في أواخر حياته (^١).
فأبو شامة ينتمي لأسرة كان لبعض أفرادها اشتغال بالعلم، إلا أنه لم ينبه فيها أحد، وأتساءل: من منهم حَصَّل لأبي شامة إجازة من القاسم بن الحافظ ابن عساكر، وله من العمر نحو سنة (^٢)، ويبقى تساؤل دون جواب، وهو من المواضع التي آثر فيها أبو شامة الصمت.
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢١١، ٢٢٣.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٥٧.
[ ١٨ ]
[ ١٩ ]