بعد استشهاد أمير المؤمنين عَلِيٍّ - ﵁ -، بايع الحسن بن عليٍّ - ﵄ - معاوية بن أبي سفيان. وتنازل له عن الخلافة، فاجتمعت كلمة المسلمين، وانتشر السلام في أنحاء الدولة الإسلامية، وأرسل معاوية ولاته إلى الأمصار والمدن، وكان مروان بن الحكم وَالِيهِ على المدينة، فإذا ما غضب معاوية عليه استعمل أبا هريرة عليها، وإذا غضب على أبي هريرة بعث مروان وعزله (٣).
وكان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة حين يتوجَّهُ إلى الحج في ولايته لمعاوية (٤). وقد كانت ولاية مروان من سَنَةِ [٤٢ هـ] إلى أنْ عزله معاوية سَنَةَ [٥٧ هـ] أو سَنَةَ ثمان وخمسين (٥)، وقد حَجَّ مروان بالناس في ولايته هذه مرتين سَنَةَ [٥٤ و٥٥]، فيكون استخلافه أبا هريرة على المدينة إما في إحدى هاتين السنتين وإما في كليهما (٦).
تلك لمحة موجزة عن أبي هريرة، من خلال الأحداث التي جرت في عهد عثمان - ﵁ -، وعهد أمير المؤمنين عليٌّ بن أبي طالب
_________________
(١) انظر " تهذيب التهذيب ": ص ٣٠١، جـ ٢. و" الاستيعاب ": ص ٣٩١، جـ ١. و" أسد الغابة ": ص ٩، جـ ٢. و" الكامل ": ص ١٦٢، جـ ٣.
(٢) انظر " ذخائر العُقبى في مناقب ذوي القُربى " للطبري: ص ١٤٢ والمراجع السابقة.
(٣) انظر " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٤١، جـ ٢.
(٤) انظر " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٣٦، جـ ١٣.
(٥) انظر " تاريخ الطبري ": ص ٢٢٨، وفي رواية أبي معشر أنَّ معاوية نزع مروان سَنَةَ ُ [٥٨ هـ].
(٦) في هامش " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٣٦، جـ ١٣، أنَّ ولاية مرواة من سَنَةِ [٥٤] والأشهر من سَنَةِ [٤٢] كما ذكره كثير من المؤرِّخين.
[ ٩١ ]
- ﵁ - إلى وفاته في آخر خلافة معاوية، وقد كثرت تلك الأحداث مِمَّا أدَّى إلى صعوبة تَقَصِّي سيرة الرجال، وخاصة النواحي السياسية، وذلك لكثرة الروايات واختلافها تارة، أو لقلَّتها وغموضها تارة أخرى.
وخلاصة سيرة أبي هريرة فيها، أنه لم يرض في عهد عثمان أنْ تقوم الفتنة وتراق الدماء، ويثور الناس على الخليفة الثالث من غير حُجَّةٍ ولا دليل، فكان مع عثمان - ﵁ - يوم الدار، واعتزل ما دار بين أمير المؤمنين عليٌّ بن أبي طالب وأمير الشام معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -، وتولَّى أحيانًا إمرة المدينة أيام معاوية، إما أصالة أو خلافة لمروان بن الحكم أيام حَجِّهِ.