كنت ذكرتُ أنَّ أبا هريرة هاجر من اليمن إلى المدينة المنوَّرة أيام غزوة خيبر، وقد وصل إليها والرسول الكيم لا يزال في خيبر، فلحق به مع إخوانه اليمنيِّين المهاجرين، وعلى رأسهم الطُفيل بن عمرو، فسُرَّ بهم الرسول، وأسهم لهم، وجعلهم في ميمنته، وجعل شعارهم «مبرور» (١).
فكانت خيبر أول مشاهد أبي هريرة مع الرسول الكريم، وإنْ كان قد وصلها بعد انتهاء القتال، ثم شهد مع الرسول - ﷺ - جميع غزواته بعد خيبر.
وكان الرسول - ﷺ - ينتدبه أحيانًا في بعض بعوثه، من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عن سليمان بن يسار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلانًا وَفُلانًا - لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ - فَأَحْرِقُوهُمَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ
_________________
(١) انظر في هذا الكتاب: «إسلامه وهجرته».
[ ٩٢ ]
تُحْرِقُوا فُلانًا وَفُلانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللهُ ﷿، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» (١).
وقد يرسله - ﷺ - في سرية ويودعه، من هذا ما أخرجه ابن ماجه في باب تشييع الغزاة ووداعهم، بسنده عن أبي هريرة قال: وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، «أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لاَ تَضِيعُ وَدَائِعُهُ» (٢).
ولم يترك أبو هريرة الجهاد في سبيل الله بعد وفاة الرسول الكريم وكيف يتركه؟ وقد سمع النبي - ﷺ - يقول: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ» (٣)، كما سمع قوله - ﷺ -: «لاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مُنْخُرَيْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلاَ يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (٤).
فإذا ما دعت الحاجة إلى الجاد، رأينا أبا هريرة في صفوف الجند يدافع في سبيل الله، وأول وقعة يحضرها أبو هريرة بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، هي حرب الرِدَّةِ، أخرج الإمام أحمد بسنده عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى» قال: فلما كانت الرِدَّةُ قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كذا وكذا؟ قال: فقال أبو بكر: والله لا أفرِّقُ بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلنَّ من فرَّقَ بينهما، قال: فقاتلنا معه فرأينا ذلك رشدًا (٥). القائل هو أبو هريرة.
فَلَمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ، قَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَذَا، وَكَذَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٌ: وَاللَّهِ لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاَّةِ، وَالزَّكَاةِ، وَلأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَرَأَيْنَا ذَلِكَ رُشْدًا (٥). والقائل هو أبو هريرة».
_________________
(١) " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٠٦، جـ ١٥. وإسناده صحيح.
(٢) " سنن ابن ماجه ": ص ٩٤٣ حديث ٢٨٢٥، جـ ٢.
(٣) " مسند الإمام أحمد ": ص ١٤٠، جـ ١٢. وإسناده صحيح.
(٤) " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٢٠، جـ ١٣. وإسناده صحيح.
(٥) " مسند الإمام أحمد ": ص ١٨١، جـ ١. وإسناده صحيح.
[ ٩٣ ]
ويذكر لنا ابن عساكر أنَّ أبا هريرة شهد وقعة اليرموك (١).
وقد ذكر أبو القاسم السهمي - المتوفَّى سَنَةَ ٤٢٧ هـ - أبا هريرة - ﵁ - في عداد من دخل «جُرْجَانْ» من الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وقد فتحت «جُرْجَانْ» في عهد أمير المؤمنين عمر - ﵁ - سنَةَ [١٨ هـ] (٢).
وذكر الرافعي في " التدوين في ذكر أخبار قزوين " أنَّ سلمان الفارسي وَرَدَ كُور قزوين مع أبي هريرة - ﵄ - عند منصرفهما من الباب، وكان سلمان - ﵁ - واليًا بالمدائن، وتوفيَ بها في خلافة عثمان - ﵁ -، وقيل في خلافة عَلِيٍّ - ﵁ - سَنَةَ ستٍ وثلاثين (٣).
وروى الرافعي بسنده عن منصور بن عبد الحميد بن راشد - وكان قديم السن من أهل مرو - قال: رأيت أبا هريرة صاحب رسول الله - ﷺ - بقزوين عليه عمامة بيضاء قد خضب بالصفرة، وهذه الرواية تعتضد بروايات أخرى تؤكِّدُ على ورود أبي هريرة «قَزْوِينْ» (٤).
ونلمس حُبَّهُ للجهاد في سبيل الله، والاستشهاد تحت لواء الإسلام، فيما يرويه الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةَ الْهِنْدِ، فَإِنْ أَدْرَكْتُهَا أَنْفَقْتُ فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي، فَإِنِ اسْتُشْهِدْتُ كُنْتُ مِنْ خَيْرِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ رَجَعْتُ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرِّرُ» (٥).
_________________
(١) " تاريخ دمشق " لابن عساكر: ص ٤٢٩، جـ ٤٧.
(٢) انظر " تاريخ جرجان ": ص ٤ - ٦.
(٣) انظر " التدوين في أخبار قزوين ": ص ١٩، جـ ١.
(٤) انظر المرجع السابق: ص ٢٢، جـ ١ مصوَّر خزانة دار الكتب المصرية رقم (٧١٠٠ ح).
(٥) " مسند الإمام أحمد: ص ٩٧ حديث ٧١٢٨، جـ ١٢. وإسناده صحيح، ورواه الحاكم في " المستدرك " والنسائي. وفي رواية للإمام أحمد: «رَجَعْتُ، فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ، وقد أعتقني من النار»، والمُحَرَّرُ أي المُعْتَقُ، وما من بأس من زيادة الهاء، تكون للمبالغة، كما في «علامة» ونحوها انظر هامش ص ٩٨، جـ ١٢ من " مسند الإمام أحمد ".
[ ٩٤ ]