ذلكم أبو هريرة الذي عرفناه قبل إسلامه وبعد إسلامه، عرفناه في هجرته وصُحبته للرسول الكريم - ﷺ -، فكان الصاحب الأمين والطالب المُجِدُّ، يدور مع الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في حِلِّهِ وترحاله، ويشاركه أفراحه وأحزانه، وعرفنا التزامه للسُنَّة المُطَهَّرة، وتقواه وورعه، في شبابه وهرمه، وفي غناه وفقره، وقرأنا كثيرًا عن تواضعه وكرمه، ورأينا مواقفه المُشَرِّفَةَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتزاله الفتن وحُبَّهُ للجماعة وسيعه للخير، وكشفنا عن روحه الطيِّبة المرحة، ونفسه الصافية، وأخلاقه الكريمة، وزُهده في الدنيا وتفانيه في سبيل الحق، وعرفنا مكانته العلميَّة، وكثرة حديثه، وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه، وثناء العلماء عليه.
ذلكم أبو هريرة الذي صوَّرهُ لنا التاريخ من خلال البحث الدقيق إلاَّ أنَّ بعض الباحثين لم يسرَّهم أنْ يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى أنْ يصوِّرُوهُ صورة تخالف الحقيقة التي عرفناها، فرأوا في صُحبته للرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، غايات خاصة لأبي هريرة، ليشبع بطنه ويروِي نهمه، وصوَّرُوا أمانته خيانة، وكرمه رياء، وحفظه تدجيلًا، وحديثه الطيِّبَ الكثير كذبًا على رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وبُهتانًا، ورأوا فقره مطعَنًا وعارًا، وفي تواضعه ذُلًاّ، وفي مرحه هذرًا، وصوَّرُوا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لونًا من المؤامرات لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزُّبًا، وفي قوله الحق انحيازًا، فهو صنيعة الأمويين الذين طووهُ تحت جناحهم فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية، فكان لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على رسول الله - ﷺ - افتراءًا وزُورًا!!.
هكذا أراد أنْ يُصَوِّرَهُ بعض أهل الأهواء، كالنظَّام، والمريسي، والبَلْخي، وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين أمثال (جولدتسيهر)
[ ١٥٩ ]
و(شبرنجر) وأغرب من هذا أنْ يطعن فيه وفي السُنَّة بعض من يُنسبُ إلى العلم، فقد عثرتُ أثناء بحثي على كتاب تحت عنوان " أبو هريرة " ألَّفه عبد الحُسين شرف الدين العاملي، وهو إماميٌّ، والإمامية يتَّخذون أبا هريرة هدفًا لكي يُوَهِّنُوا أحاديث أهل السُنَّة ويرفضوها، ويُرَوِّجُوا أخبارهم، وقد لَفَّ لَفَّهُمْ من كان لهم تابعًا مُجَرِّبًا على تبعيَّته. ولم أكد أتصفَّحُهُ حتى دهشتُ لما جاء فيه من الافتراءات والطعون، والتأويلات التي لا تتمشَّى مع البحث العلمي، ولا توافق التاريخ .. وقد استقى من هذا الكتاب أيضًا محمود أَبُو رِيَّة صاحب كتاب " أضواء على السُنَّة المحمَّدية "، فكان أشدَّ على أبي هريرة من أستاذه، وأكثر مجانبة للصواب، فرأيت من واجبي أنْ أَرُدَّ تلك الشُبُهات التي أثارها بعض أهل الأهواء والمستشرقين وبعض الباحثين، الذين كشفوا عن جوانب من سيرة أبي هريرة، وتركوا الجوانب الأخرى، كما حدث للباحث الأستاذ أحمد أمين، ورأيتُ أنْ أَرُدَّ على بعض ما جاء في كتاب " أبو هريرة " وأتناول خلال ذلك بعض النقاط التي اشترك فيها هؤلاء جميعًا، مُبيِّنًا في ذلك كله وجه الحق بالأدلَّة والبراهين، معتمدًا على الله - ﷿ - طالبًا منه التوفيق والسداد.