كان الطُفيل بن عمرو الدوسي رجلًا شريفًا مليئًا كثير الضيافة، وكانت قريش تعرف منزلته في قومه، وما أنْ عرفت قدومه إلى مكة بعد نبوؤة محمد - ﷺ - حتى انطلق إليه رجال منها يقولون له:
_________________
(١) انظر المراجع السالف ذكرها.
[ ٦٨ ]
«إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرَّق جماعتنا، وشتَّتَ أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرِّقُ بن الرجل وأبيه » أرادوا بهذا أنْ يصُدُّوهُ عن الإسلام، واقتنع الطفيل بقولهم ونوى ألاَّ يسمع رسول الله - ﷺ - حتى لا يؤخذ بسحره كما ادَّعُوا
وذهب الطفيل إلى الكعبة، وإذا برسول الله - ﷺ - يُصلِّي، فسمع كلامه فأعجب به، وأبَى الله إلاَّ أنْ يفتح قلبه للإيمان، وذهب مع الرسول الكريم إلى داره فعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن، فشعر بحلاوة الإيمان، وطلب من الرسول أنْ يدعو له، وأن يجعل الله له عونًا في حمل الإسلام إلى قومه ودعوتهم إليه، فقال - ﷺ -: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً» فوقع له نور بين عينيه، فقال: يا رسول الله .. أخشى أنْ يقول قومي هي مثلة، فرجع النور إلى طرف سوطه، فكان يضيء في الليل، ولهذا لُقِّب بذي النور (١).
وعاد الطفيل إلى قومه فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه فأجابه أبو هريرة وحده، وأبطأ عليه قومه، فعاد إلى رسول الله - ﷺ - وأخبره بإبطاء قومه، وقال له: ادع عليهم. فقال - ﷺ -: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا» وفي رواية: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهَا»، وقال له: «اخْرُجْ إِلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وارْفِقْ بِهِمْ»، فخرج إلى قومه فلم يزل بأرض دوس يدعوها حتى هاجر رسول الله - ﷺ - بمن أسلم من قومه، ورسول الله - ﷺ - بخيبر، حتى نزل المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لحقوا رسول الله - ﷺ - بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين، وقال الطفيل: «قلنا يا رسول الله .. اجعلنا ميمنتك، واجعل
_________________
(١) انظر " طبقات ابن سعد ": ص ١٧٥ و١٧٦، قسم ١، جـ ٤. وانظر " الإصابة ": ص ٢٨٧، جـ ٣. و" جمهرة أنساب العرب ": ص ٣٦٠ - ٣٦١.
[ ٦٩ ]
شعارنا مبرور، ففعل، فشعار الأزد كلها إلى اليوم مبرور» (١).
هكذا أسلم أبو هريرة قديمًا وهو بأرض قومه، على الطفيل بن عمرو، وكان ذلك قبل الهجرة النبوية، وأما هجرته من اليمن إلى المدينة فقد كانت في ليالي فتح خيبر، ورواية أبي هريرة لهجرته توكِّدُ لنا قدم إسلامه.
قال أبو هريرة: خرج النبي - ﷺ - إلى خيبر وقدمت المدينة مهاجرًا، فصليت الصبح خلف سباع بن عرفطة - وكان استخلفه - فقرأ في السجدة الأولى بسورة «مريم»، وفي الآخرة «ويل للمطففين» (٢) فقلت في نفسي: «ويل لأبي فلان - لرجل كان بأرض الأزد - وكان له مكيالان، مكيال يكيل به لنفسه ومكيال يبخص به الناس» (٣). وفي رواية: «ويل لأبي! قل رجل كان بأرض الأزد، إلاَّ وكان له مكيالان. مكيال لنفسه، وآخر يبخس به الناس» (٤).
وقد ثبت في " صحيح البخاري " أنه ضلَّ غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول الله - ﷺ -، وأنه جعل ينشد:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
فلما قدم على رسول الله - ﷺ - طلع غلامه، فقال له - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «هَذَا غُلاَمُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»!! فقال: «هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ» (٥).
وقد لازم النبيَّ - ﷺ - إلى آخر حياته، وقصر نفسه على خدمته، وتلقَّى العلم الشريف منه - ﷺ -، فكان يدور
_________________
(١) انظر " طبقات ابن سعد ": ص ١٧٦، قسم ١، جـ ٤. و" الإصابة ": ص ٢٨٧، جـ ٣. ترجمة «الطفيل بن عمرو الدوسي». و" جمهرة أنساب العرب ": ص ٣٦١. وانظر " السيرة " لابن كثير: ص ٧٢، جـ ٢ وما بعدها. و" السيرة لابن هشام: ص ٤٠٩ - ٤١٠، جـ ١.
(٢) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٢٥ - ٤٢٦، جـ ٢.
(٣) " البداية والنهاية ": ص ١٠٤، جـ ٨.
(٤) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٢٦، جـ ٢.
(٥) انظر " صحيح البخاري بحاشية السندي ": ص ٨١، جـ ٢، كتاب العتق، باب: (إذا قال رجل لعبده هو لله ونوى العتق، والإشهاد في العتق). وانظر " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٤٦، جـ ٢. و" البداية والنهاية ": ص ١٠٤، جـ ٨.
[ ٧٠ ]
معه ويدخل بيته، ويحج ويغزو معه، يده في يده، يرافقه في حله وترحاله، في ليله ونهاره، حتيى حمل عنه العلم الغزير الطيب.