كان أبو هريرة يسير على هُدَى الرسول الأمين، ويقتدي به، ويُحِّذِرُ
_________________
(١) " مجمع الزوائد ": ص ٩، جـ ٢. رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) " مسند الإمام أحمد ": ١٣/ ١٩٥، رقم ٧٤٥٥ وفيه: (فقال بالقميصة: يعني رفع القميص).
(٣) " البداية والنهاية ": ٨/ ١١٣، وكان رسول الله - ﷺ - قد ولَّى العلاء الحضرمي البحرين سنة ٨ هـ حين انصرف من (الجعرانة)، وكانت عمرة الجعرانة في ذي القعدة من سنة ٨ للهجرة. انظر " طبقات ابن سعد ": ص ٧٦ - ٧٧، جـ ٤، قسم ٢. و" نور اليقين ": ص ٢٣٩.
(٤) " الوثائق السياسية ": ص ٨٧.
[ ٧٣ ]
الناس من الانغماس في ملاذ الدنيا وشهواتها (١)، لا يفرق في ذلك بين غني وفقير، أو بين حاكم ومحكوم، يرشد الأمة إلى الحق والصواب، ها هو ذا يَمُرُّ بقوم يتوضَّأون فيقول لهم: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمَ - ﷺ - يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» (٢)، ويسألونه عن القراءة في الصلاة، فيقول: «كُلُّ صَلاةٍ يُقْرَأُ فِيهَا، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَلَيْنَا، أَخْفَيْنَا عَلَيْكُمْ» (٣)
ودخل أبو هريرة دَارَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهِيَ تُبْنَى، فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ - ﷺ - يَقُولُ: «يَقُولُ اللهُ - ﷿ -: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» (٤).
وكان لا يقبل مع حديث رسول الله - ﷺ - أو مع سُنَّته شيئًا، ولا يرضى أنْ يضرب لها الأمثال، ومن ذلك ما قاله لرجل: «يَا ابْنَ أَخِي إِذَا حَدَّثْتُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَدِيثًا، فَلاَ تَضْرِبْ لَهُ الأَمْثَالَ» (٥)
وكان يقول: «ثَلاَثٌ أَوْصَانِي بِهِنَّ خَلِيلِي - ﷺ -، لاَ أَدَعُهُنَّ أَبَدًا: الْوَتْرُ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ، وَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (٦).
حقًا إنَّ أبا هريرة لم يدع ذلك (٧)، فقد سأله عثمان النهدي: كيف
_________________
(١) " حلية الأولياء ": ص ٣٨٠، جـ ١. و" البداية والنهاية ": ص ١١١، جـ ٨.
(٢) " مسند الإمام أحمد ": ص ٨٩، جـ ١٢، رقم ٧١٢٢، إسناده صحيح.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٤٥، جـ ١٢، رقم ٧٤٩٤، إسناده صحيح. يريد ما جهر به الرسول من القراءة، جهر به وما أَسَرَّ به، أَسَرَّ به.
(٤) " مسند الإمام أحمد ": ص ١٤٨، رقم ٧١٦٦، جـ ١٢، وإسناده صحيح. وأخرجه البخاري.
(٥) " سنن ابن ماجه ": ص ١٠، حديث ٢٢، جـ ١. و" سنن البيهقي ": ص ١٠، جـ ١. وانظر نحو هذا من قول أبي هريرة لابن العباس - ﵄ - في " سنن الترمذي ": ص ١١٥، جـ ١.
(٦) " مسند الإمام أحمد ": ص ١٩٤، رقم ٧٤٥٧، جـ ١٣، وانظر الأحاديث: ٧١٣٨ و٧١٨٠، بإسناد صحيح. وانظر " مسند ابن راهويْه ": ص ١٥، جـ ٤.
(٧) راجع " مسند الإمام أحمد " أنه يروي كثيرًا عنه مِمَّا يدل على ما ذكره أعلاه، مثاله ص ١٠٨، جـ ١٢.
[ ٧٤ ]
تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثًا (١)، كما كان يصوم الاثنين والخميس (٢).
وكان أحيانًا يصوم مع بعض أصحابه، ويجلسون في المسجد، يقولون: نطهر صيامنا (٣).
قال أبو رافع: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، صَلاةَ الْعَتَمَةِ - أَوْ قَالَ: صَلاةَ الْعِشَاءِ - فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٤)، فَسَجَدَ فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ!؟ فقال: سَجَدْتُ فِيهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَاهُ (٥). وواضح أنَّ السجود المقصود هو سجود التلاوة في الآية الكريمة ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٦).
وكان يحب التطهر ويخشى الوقوع في المعصية،حتى أنه خشي على نفسه - وهو شاب في أول عهده بالرسول - ﷺ - أنْ يقع بالزنا، فقال: يا رسول الله إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِيَ الْعَنَتَ، وَلاَ أَجِدُ طَوْلًا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، أَفَأَخْتَصِي؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى قَالَ ثَلاَثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ دَعْ» (٧)
أي كتب عليك ما أنت عليه، فاستسلم لذلك، أو لا تستسلم له، وليس هذا من باب التخيير بل من باب الردع، ليحمل أبا هريرة على الصبر، وعلى حفظ نفسه، ومهما يكن هذا الخبر، فإنه يدل على ورع أبي هريرة وتقواه، وحرصه على التزام طاعة الله ورسوله، وخشيته من الزلل في المعاصي فتقدم مضحيًا بشهوته وبنفسه ليرضى عنه الله ورسوله، ولما عرف من رسول الله - ﷺ - حكم ما سأله، امتثل لأمره، والتزم الصبر والعبادة.
_________________
(١) (١ و٢) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣٨، جـ ٢.
(٢) " البداية والنهاية ": ص ١١٢، جـ ٨.
(٣) [الانشقاق: ١].
(٤) " مسند الإمام أحمد ": ص ١٢٢. حديث ٧١٤٠، جـ ١٢ بإسناد صحيح.
(٥) [الانشقاق: ٢١].
[ ٧٥ ]
كان يخشى الله كثيرًا سرًا وعلانية، فإذا مَرَّتْ به جنازة، يقول: «رُوحِي فَإِنَّا غَادُونَ، أَوِ اغْدِي فَإِنَّا رَائِحُونَ، مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ، وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ، يَذْهَبُ الأَوَّلُ وَيَبْقَى الآخِرُ لا عَقْلَ لَهُ!!؟» (١).
وكان حريصًا على الاقتداء برسول الله في جُلِّ أعماله وتصرُّفاته وذكره وعبادته، من ذلك ما رواه الإمام أحمد عن الزهري عن أبي سلمة: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيَقُولُ: «إِنِّي أَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ» (٢).
ومن هذا أيضًا ما رواه الترمذي بسنده عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى المَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى بِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَرَأَ سُورَةَ الجُمُعَةِ، وَفِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ (٣)، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالكُوفَةِ!؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا» (٤).
ومن ذلك ما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، أيصلي أحدنا في ثوب؟ قال: أولكلكم ثوبان!؟ قال أبو هريرة: أتعرف أبا هريرة! يصلي في ثوب واحد، وثيابه على الشجب (٥).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبٍ؟ قَالَ: «أَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَتَعْرِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَثِيَابُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ» (٥).
ونرى أبا هريرة يُحَدِّثُ مَنْ حوله عن رسول الله - ﷺ -: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدَكُمْ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلاَ يَمْنَعْهُ، فَلَمَّا
_________________
(١) " حلية الأولياء ": ص ٣٨٣، جـ ١. و" البداية والنهاية ": ص ١١٢و ١١٤، جـ ٨.
(٢) " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٠٨. حديث ٧٢١٩، جـ ١٢.
(٣) [المنافقون: ١].
(٤) " سنن الترمذي "، تحقيق أحمد محمد شاكر: ص ٣٩٦ - ٣٩٧، جـ ٢. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٥) " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٤٢. حديث ٧٢٥٠، جـ ١٢. وإسناده صحيح.
[ ٧٦ ]
حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، طَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» (١). لقد حدَّثهم في حسن الجوار ومعاملة الجار جاره، وحين رآهم مُعرضين اشتدَّ عليهم وأبى ألاَّ يعملوا ومعاملة الجار جاره، وحين رآهم معرضين اشتدَّ عليهم وأبى ألاَّ يعملوا طبقًا للسُنَّة وأحكامها وإنَّ قوله هذا وشدَّته، لا تقلُّ عن شِدَّة الفاروق عمر - ﵁ -، وما أجمل عضبه لله ورسوله، الذي ظهر في عبارته «وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ». ومعنى قوله هذا: أنها كانت على ظهورهم وبين أكتافهم لا يقدرون أنْ يعرضوا عنها، لأنهم حاملوها (٢).
واختلف الفقهاء: أهذا حق على الجار لجاره واجب؟ أم هو أدب؟.
قال الخطابي في " المعالم " (٣٤٨٧) من " تهذيب السنن ": «عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ يَذْهَبُونَ فِي تَأْوِيلِهِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِيْجَابٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ وَحَسُنِ الْجَوَارِ، إِلاَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ رَآهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ يَقْضُوا بِهِ عَلَى الجَارِ وَيُمْضُوهُ عَلَيْهِ إِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ» (٣). وقد أوصى الله ورسوله بالجار خيرًا، لهذا كان على الجار أنْ يحسن جوار جاره، وأرى في مذهب الفقهاء ومذهب الإمام أحمد ما فيه مصلحة المسلمين جميعًا، وإنْ حمل الأمر فيه على الندب والأدب لا يمنع القاضي من أنْ يحكم بوجوب غرز الخشبة إذا وجد في ذلك مصلحة لأحدهما لا تضر بمصلحة الآخر.
وعن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَجُلٌ: كَمْ يَكْفِي رَأْسِي فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُبُّ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثًا». قَالَ: إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ؟ قَالَ: «كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ وَأَطْيَبَ».
وكان يسيئه أنْ يرى بعض المُصَلِّينَ يتأخَّرُون يوم الجمعة في حضورهم إلى الجامع حتى يخطب الإمام، فيقول: «لأَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ،
_________________
(١) " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٧٣. حديث ٧٢٧٦، جـ ١٢. وإسناده صحيح. (٢ و٣) انظر هامش ص ٢٧٤، جـ ١٢ من " مسند الإمام أحمد ".
(٢) " مسند الإمام أحمد ": ص ١٥١. حديث ٧٤١٢، جـ ١٣. وإسناده صحيح. ورواه " ابن ماجه "، كما ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد ": ص ٢٧١، جـ ١.
[ ٧٧ ]
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْعُدَ، حَتَّى إِذَا قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ، جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (١)، وفي قوله هذا دعوة المصلين إلى الحضور في أول الوقت، عملًا بالسُنَّة الشريفة، فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن الرسول - ﷺ - قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلائِكَةٌ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا فَاسْتَمَعُوا الذِّكْرَ» (٢)، وإلى جانب العمل بهذا الحديث، فإنَّ قول أبي هريرة صادر عن نفس طيِّبة، مرهفة الحسن، تشعر بشعور الآخرين، وتراعي إحساسهم، فقد أدرك ما في تخطي رقاب الناس من إزعاج المصلِّين، وإضاعة بعض الفائدة عليهم، فقال مقالته تلك.
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ». قَالَ أَبُو السَّائِبِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: يا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الإِمَامِ؟ قَالَ أَبُو السَّائِبِ: فَغَمَزَ أَبُو هُرَيْرَةَ ذِرَاعِي، فَقَالَ: «يَا فَارِسِيُّ، اقْرَأْهَا فِي نَفْسِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «قَالَ اللهُ ﷿: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي » (٣). لقد أبى أبو هريرة إلاَّ أنْ يقف عند حديث رسول الله - ﷺ - ويؤمره في جميع أحواله،
_________________
(١) " موطأ الإمام مالك ": ص ١١٠ جـ ١.
(٢) " مسند الإمام أحمد ": ص ١٨، حديث ٧٥٧٢، جـ ١٤.
(٣) وتتمة الحديث: «نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقْرَءُوا، يَقُولُ: فَيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، فَيَقُولُ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، فَيَقُولُ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فَيَقُولُ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: أَجِدُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. قَالَ: يَقُولُ عَبْدِي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، يَقُولُ اللهُ ﷿: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٣١، حديث ٧٨٢٣، جـ ١٤.
[ ٧٨ ]
وحض الناس على الاقتداء بالرسول الكريم، وعلى العمل بسُنَّته الطاهرة. وكان يطبق ذلك على نفسه وأهله، فقد سمع من الرسول - ﷺ - قوله: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ» (١)، فكان هذا ديدنه، يصوم النهار، ويقوم الليل، يقوم ثلث الليل، ثم يوقظ امرأته فتقوم ثلثه، ثم توقظ هذه ابنته لتقوم ثلثه (٢)، هكذا كانوا يتناوبون العبادة في الليل. وقد شهد بذلك ضيوفه وإخوانه، الذين خالطوه وعرفوه، وعاشوا معه.
وكان ورعًا تقيًا يحب التقرُّب إلى الله، وكثيرًا ما كان يقابل المسيء بالحُسنى، من هذا أنَّ زنجيَّة كانت له، قد غمتهم بعلمها، فرفع عليها يومًا السوط، ثم قال: «لَوْلاَ القِصَاصُ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَغْشَيْتُكِ بِهِ وَلَكِنِّي سَأَبِيعُكِ مِمَّنْ يُوَفِّينِي ثَمَنَكِ أَحْوَجَ مَا أَكُونُ إِلَيْهِ، اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ للهِ ﷿».
وكان لأبي هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حُجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلَّى فيها جميعًا، وإذا دخل صلى فيها جميعًا (٤).
وكان يكثر من التسبيح والتكبير في أطراف النهار والليل، وكان يُسبِّحُ كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: «أُسَبِّحُ بِقَدْرِ ذَنْبِي» (٥)، وكان يكثر الاستعاذة بالله من النار، ويُذَكِّرُ الناس بالله - ﷿ -، ويحثَّهُمْ على طاعته (٦).
وكثيرًا ما كان يُحَذِّرُ الناس من فساد الزمان، فيقول: إذا رأيتم
_________________
(١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
(٢) " البداية والنهاية ": ص ١١٠، جـ ٨. وفي " مسند ابن راهويه ": ص ١٦، جـ ٤. و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣٨، جـ ٢ (كان هو وامرأته وخادمه).
(٣) " حلية الأولياء ": ص ٣٨٤، جـ ١، و" البداية والنهاية ": ص ١١٢، جـ ٨.
(٤) " البداية والنهاية ": ص ١١٠، جـ ٨. وابن عساكر: ص ٥٠٩، جـ ٤٧. (٥ و٦) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣٩، جـ ٢. وص ٤٢٨، جـ ٢. و" البداية والنهاية ": ص ١١٠ و١١٢، جـ ٨. و" تاريخ الإسلام ": ص ٣٣٦، جـ ٢.
[ ٧٩ ]
ستًا فأنْ كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت، أخاف أنْ يدركني: إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون الدم، وقطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة، ونشأ نشء يتَّخذون القرآن مزامير (١).
ولم يكن نصحه للناس فقط، بل كان يطبِّق هذا على نفسه وأهله، من ذلك أنَّ ابنته كانت تقول له: «يَا أَبَتِ إِنَّ البَنَاتَ يُعَيِّرْنَنِي، يَقُلْنَ: لِمَ لاَ يُحَلِّيكِ أَبُوكِ بِالذَّهَبِ؟»، فيقول: «يَا بَنَيَّةَ .. قُولِي لَهُنَّ: إِنَّ أَبِي يَخْشَى عَلَيَّ حَرَّ اللَّهَبِ» (٢). وأخباره في هذا الباب كثيرة، وأختم تمسُّكه بسُنَّة رسول الله - ﷺ -، بما رواه سعيد بن المسيب عنه، قال: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا حَرَامٌ» (٣).