لقد افترى المؤلف على أبي هريرة افتراءات لا يتصوَّرُها إنسان من مستشرق متجاهل أو من عدوٍّ متحامل، قال: «فتارة يفتئتُ الأحاديث
_________________
(١) العقبة، أي نوبة ركوبه.
(٢) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٤٠، جـ ٢.
(٣) [الأنبياء: ١٨].
[ ١٨٥ ]
في فضائلهم، وتارة يُلَفِّقُ أحاديث في فضائل الخليفتين، نزولًا على رغائب معاوية وفئته الباغية، إذ كانت لهم مقاصد سياسية ضد الوَصِيِّ وآل النبي وحسبُك حديثه في تأمير أبي بكر على الحج سَنَة براءة - وهي سَنَةُ تسع للهجرة - وحديثه في أنَّ عمر كان مُحْدِثًا تكلِّمه الملائكة (١).
وقد اقتضت سياسة الأمويِّين في نكاية الهاشميِّين تثبيت هذين الحديثين وإذاعتهما بكل ما لمعاوية وأعوانه .. من وسيلة أو حيلة .. حتى أخرجتهما الصحاح .. وتارة يقتضب أحاديث ضد أمير المؤمنين جريًا على مقتضى تلك السياسة كقوله: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَمْ تُحْبَسِ الشَّمْسُ أَوْ تَرد إِلاَّ لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمُقَدّس ..» [صفحة: ٣٦ - ٣٧].
لقد سيطر على المؤلف هواهُ، حتى أصبح لا يرى في أبي هريرة إلاَّ الكذوب الوضَّاع، فتنكب سبيل الحق، وقذف الصحابة بالكذب، وتجاهل ما أجمع عليه المؤرِّخُون الثقات، واعتمد على روايات الضعفاء، فكان كلام الطبرسي عنده كالتنزيل الحكيم، وضرب بصحاح الكتب عرض الحائط، فيحاول طمس الحق، وتحريف الصواب، وإنني قبل أنْ أجيب عن زعمه أنَّ الرسول - ﷺ - عزل أبا بكر عن ولاية الحج أتساءل كيف حبست الشمس أو ردت لأمير المؤمنين عليٍّ - ﵁ -؟ وهل أمسكت الشمس عن الغروب ليتمكَّن - ﵁ - من أداء صلاة العصر في وقتها؟ إنَّ هذه معجزات لا تكون في كل وقت، ولا يمن الله بها إلاَّ على رسله!! ثم لِمَ تُرد الشمس له أو تمسك، ويمكنه أنْ يقضي الصلاة!! والصحاح لم تذكر شيئًا عن هذا الخبر، فأترك المؤلف أنْ يُبَيِّنَ لنا كيف حبست الشمس ومتى كان ذلك علنًا نفيد منه؟ لقد ادَّعَى هذا قبله ابن المطهر الحلي، ورد عليه ابن تيمية ردًّا قويًا، وبَيَّنَ كذب هذا الادِّعاء (٢).
_________________
(١) يشير إلى حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ، فَإِنَّهُ عُمَرُ». " فتح الباري ": ٨/ ٤٩. مُحْدَثٌ بفتح الدال: أي مُلْهَمٌ وصادق الظن، يجري الصواب على لسانه، والتاريخ يشهد لعمر بهذا في أمور مشهورة.
(٢) " المنتقى من منهاج الاعتدال ": ص ٥٢٤ وما بعدها.
[ ١٨٦ ]
وأما حديث أبي هريرة في تأمير أبي بكر على الحج سَنَةَ براءة، فإنه جاء من طرق كثيرة لا يرقى إليها الشك، ولا يتناولها الظن، والمؤرِّخُون مجمعون على أنه كان أمير الحج ذلك العام، وأنَّ الرسول - ﷺ - بعث عليًا بأول سورة براءة، ليقرأها على الناس، وقد سأل أبو بكر عليًا عندما أتاه: «اسْتَعْمَلَكَ رَسُوْلُ الْلَّهِ - ﷺ - عَلَىَ الْحَجِّ؟» قَالَ: «لاَ وَلَكِنْ بَعَثَنِيَ أَقْرَأُ بَرَاءُة عَلَىَ الْنَّاسِ» (١)، ويقول الإمام الشافعي: «وَبَعَثَ رَسُولُ الْلَّهِ أَبَا بَكْرٍ وَالَيًا عَلَىَ الحَجِّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَحَضَرَهُ الْحَجُّ مِنْ أَهْلِ بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَشُعُوْبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ، فَأَقَامَ لَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ رَسُوْلِ الْلَّهِ بِمَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ.
وَبَعَثَ عَلَيَّ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ فِي تِلْكَ الْسَّنَةِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ فِيْ مَجْمَعِهِمْ يَوْمَ الْنَّحْرِ آيَاتًا مِنْ سُوْرَةُ (بَرَاءَة)، وَنَبَذَ إِلَىَ قَوْمٍ عَلَى سَوَاءٍ وَجَعَلَ لَهُمْ مُدَدًا، وَنَهَاهُمْ عَنْ أُمُوْرٍ».
ولكن المؤلف الذي اتَّبع المنهج العلمي، والذوق الفني السليم، - كما ادَّعى - أبى إلاَّ أنْ يساير أصول عقيدته، ورفض هذه الروايات، وقبل رواية الطبرسي وفيها أنه أعطى عليًا أول سورة براءة «وعهد إليه بالولاية العامة على الموسم، وأمره بأنْ يُخَيِّرَ أبا بكر بين أن يسير مع ركابه أو يرجع إلى المدينة» (٣).
الأول: أنها شاذة ومنكرة لمخالفتها الروايات الصحيحة الموثوق بها.
الثاني: أنها غير مسندة فلا يقوم دليلًا؛ وكيف نحكم بصحَّتها، ونقبلها من غير أنْ نعرف الأمناء الذين نقلوها إلينا؟.
ولو فرضنا أنها صحيحة السند، ولم يذكره الكاتب، فهي مردودة من
_________________
(١) " سيرة ابن هشام ": ٤/ ٢٠١. وانظر " البخاري بشرح السندي ": ٣/ ٧٦. حج أبي بكر بالناس سَنَةَ ٩.
(٢) " الرسالة ": ص ٤١٤، رقم الفقرة: ١١٣٣ و١١٣٤. وانظر " المنتفى من منهاج الاعتدال ": ص ٣٤٠. حيث يَرُدُّ ابن تيمية على الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، (٦٤٨ - ٧٢٦ هـ)، وينقض ما ادَّعاهُ من عدم تولية الرسول - ﷺ - لأبي بكر إمارة الحج سَنَةَ تسع. وانظر ص ٤٩٧ و٥٣٩ منه.
(٣) " أبو هريرة " لعبد الحسين: ص ١٦٢ عن " مجمع البيان ": ٣/ ٣.
[ ١٨٧ ]
حيث المتن، لأنها تخالف إجماع الروايات الموثوق بها، التي لم يستشهد بها المؤلف (١) ثم حاول الكاتب أنْ يدعم رأيه هذا بروايات ضعيفة تطعن في كبار الصحابة، وهي تتنافى مع المنطق السليم، ويرفضها الذوق الفني، ويردُّها المنهج العلمي، ويدحضها الواقع التاريخي بما يعارضها وينفي صّحتها. فمِمَّا استشهد به ما رواه عن ابن عباس في الصفحة [١٦٦] من كتابه قال: «قَالَ مَرَّةً: إِنِّي لأُمَاشِي عُمَرَ بِنَ الْخَطَّابِ فِي سِكَّةٍ مِنْ سِكَكِ الْمَدِينَةِ إِذْ قَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَاسٍ مَا أَرَىَ صَاحِبَكَ إِلاَّ مَظْلُومًا، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي وَالْلَّهِ لاَ يَسْبِقُنِي بِهَا. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِينَ: فَارْدُدْ إِلَيْهِ ظُلاَمَتَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي وَمَضَىَ يَهُمُّهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ وَقَفَ فَلَحِقْتُهُ؛ قَالَ: يَا ابْنَ عَبَاسٍ، مَا أَظُنُّهُمْ مَنَعَهُمْ عَنْهُ إِلاَّ أَنَّهُمْ اسْتُصْغْرُوهُ، فَقُلْتُ: وَالْلَّهِ مَا اسْتُصْغْرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ حِينَ أَمَرَاهُ أَنْ يَأْخُذَ بَرَاءَةً مِنْ صَاحِبِكَ فَأَعْرِضْ عَنِّي وَأَسْرع». الْحَدِيْثِ (١).
إنَّ هذا الخبر مردود من وجوه ينطق بها النص نفسه، منها:
أولًا متى ماشى الخليفة الفاروق ابن عباس - ﵄ -؟ ومتى دار بينهما هذا الحوار؟ يفهم من النص أنَّ هذا الحاديث كان في خلافة عمر - ﵁ - أي بين سنة (١٣ و٢٣) فإنْ كان خطابه هذا في أول خلافته - أي حين كان عمر ابن عباس ست عشرة سَنَةً وعُمْرُ أمير المؤمنين ثلاثًا وخمسين سَنَةً، لأنَّ عُمَرْ ولد قبل الهجرة بأربعين سَنَةً وابن عباس ولد قبلها بثلاث سنين - فهو غير معقول، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يناقش عمر - ﵁ - ابن عباس - وهو فتى يافع في مقتبل العمر - في أمور الخلافة، وفي الأمَّة أكابر الصحابة!!
وإنْ كانت الحادثة في آخر عهد عمر - ﵁ - يكون له ثلاث وستون سَنَةً ولابن عباس ست وعشرون سَنَةً، يبعد معها أنْ تجري مثل هذه
_________________
(١) انظر " مسند الإمام أحمد ": ٢/ ٢٢ رقم ٥٩٤ وصفحة ٣١٩ رقم الحديث: ١٢٨٦. و" سيرة ابن هشام " و" البخاري " و" الرسالة " المذكورين آنفًا. و" تاريخ الطبري ": ٢/ ٣٨٢.
[ ١٨٨ ]
المناقشة بينهما، لما عرف من أدب ابن عباس ووقار عمر؛ ورجوعه إلى الحق.
ثانيًا - إنَّ علائم الوضع ظاهرة على هذا الخبر، ذلك أنَّ عليًّا - ﵁ - لم تقم له بعد جماعة وأصحاب، حتى يقول أمير المؤمنين عمر لابن عباس: «مَا أَرَىَ صَاحِبَكَ إِلاَّ مَظْلُومًا» ولِمَ كان مظلومًا؟ وما هي المناسبة التي تدعو أمير المؤمنين لأنْ يتعطَّف ابن عباس ويسرِّي عنه باعترافه بظلامة أبي الحسن؟.
ثم هل يتصوَّر من عمر أنْ يعرف ظلامة الإنسان ولا يردها؟ وكيف يكون هذا ولا يَرُدُّ ظلامة صاحبه عَلِيٌّ - ﵄ -؟.
ولو سلَّمنا بوقوع هذه المحاورة، فمن هؤلاء الذين ظلموه؟ ومن يعني في قوله: «مَا أَظُنُّهُمْ مَنَعَهُمْ عَنْهُ إِلاَّ أَنَّهُمْ اسْتُصْغْرُوهُ؟».
ثم إنَّ من الذين منعوا عنه الخلافة، ومن الذي استصغره، وهل كان صغيرًا حقًا؟؟ لم يمنع أحد الخلافة عنه أيام بيعة الصِدِّيقِ، بل أجمع الناس على خلافة أبي بكر، ولم يُبْدِ عَلِيٌّ - ﵁ - أَيَّ استياء منها وسرعان ما أعلن بيعته؛ ولا يمكن أنْ يقصد عمر بقوله هذا أحقية عَلِيٍّ - ﵁ - بالخلافة من الصِدِّيقِ، والتاريخ دليل على ما ذهب إليه جمهور المسلمين. ثم إنَّ عَلِيًّا نفسه لم يكن صغيرًا آنذاك، وكما وافق على خلافة أبي بكر وافق على خلافة عمر وأعلن بيعته، والإمام عَلِيٌّ نفسه يشهد للعُمَرَيْنِ بمكانتهما فيدحض كل افتراءٍ وكذبٍ، وينقض ما ورد في هذا الخبر. ويأبى اللهُ إلاَّ أنْ يظهر الحق على لسان ابن عباس - ﵄ -: وُضِعَ عُمَر عَلَى سَرِيره، فَتَكَنَّفَهُ النَّاس، يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلاَّ رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَحَسِبْتُ إِنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
[ ١٨٩ ]
وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (١). فرضي الله عن الصحابة جميعًا وأرضاهم، فقد كانوا خير قُدوة للناس في حياتهم وإخوتهم، ولكن أهل الأهواء أَبَوْا إلاَّ أنْ بيعدوا الشقَّة بينهم، ويصطنعوا الخلافات، ويستغلُّوا بعض الحوادث، يدفعهم إلى ذلك الضغائن والحقد الذي في نفوسهم ضد الإسلام والمسلمين، كل ذلك لتفريق الكلمة وتحقيق مآربهم وإشباع ميولهم.
_________________
(١) " فتح الباري ": ٨/ ٤٧. والأخبار التي تعارض ما رواه مؤلف كتاب " أبو هريرة " وتثبت حب عَلِيٍّ - ﵁ - للخلفاء الثلاثة، وعدم إنكاره لخلافتهم أو اعتبار نفسه خصمًا لهم يريد رد ظلامته، أقول إنَّ هذه الأخبار كثيرة جدًا منها: ما ذكره السيوطي قال: أخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما قدم علي البصرة قام إليه ابن الكواء، وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه، تتولى على الأمَّة تضرب بعضهم ببعض؟ أعهد من رسول الله - ﷺ - إليك؟ فَحَدِّثْنَا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت، فقال: أمَّا أنْ يكون عندي عهد من النبي - ﷺ - في ذلك فلا، والله لئن كنت أول من صَدَّقَ به، فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي - ﷺ - عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلاَّ بُرْدِي هذا، ولكن رسول الله - ﷺ - لم يقتل قتلًا، ولم يمت فجأة، مكث في مرضه أيامًا وليالي، يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلِّي بالناس وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه أنْ تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: " أنتن صواحب يوسف، مُرُوا أبا بكر يصلي بالناس "، فلما قبض الله نبيَّه - ﷺ - نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله - ﷺ - لديننا. وكانت الصلاة أصل الإسلام، وهي أمير الدين، وقوام الدين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلًا، ولم يختلف عليه منا اثنان فلما قبض تولاها عمر، فأخذها بِسُنَّةِ صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر، ولم يختلف عليه منا اثنان فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن ألاَّ يعدل بي، ولكن خشى ألاَّ يعمل الخليفة بعده ذنبًا إلاَّ لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت مُحاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم، فلما اجتمع الرهط ظننت ألاَّ يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أنْ نسمع ونطيع لمن وَلاَّهُ الله أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفان، وضرب بيده على يده، فنظرتُ في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بَيْعَتِي، وإذا ميثاقي أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله - ﷺ - إليهما بالصلاة قد مضيا، وهذا الذي أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المِصْرَيْنِ، فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه». اهـ. انظر " تاريخ الخلفاء القائمين بأمر الأُمَّة " للسيوطي: ص ١١٩.
[ ١٩٠ ]
ومعاذ الله أنْ يروي ابن عباس ذاك الخبر، ولكن يد الوضع صنعته، لتثبت بالفقرة الأخيرة منه أحقية عليٍّ - ﵁ - بالخلافة .. ولتثبت ولايته العامة على الحج سَنَةَ براءة.
ثالثًا: إنَّ هذا الخبر لم يرد في كتاب موثوق به، وقد نقله الكاتب عن كتاب " الموفقيات " للزبير بن بكار المشهور، وهو ثقة قد ألَّف تاريخه هذا للموفق بالله بن المتوكِّل الخليفة العباسي. إلاَّ أنه لم يذكر إسناده فسقط الاحتجاج به.
وهكذا تبيَّن لنا ضعف هذا الخبر سندًا ومتنًا: إلاَّ أنَّ المؤلف لم يأخذ ما ذكرناه مأخذًا سليمًا ولم يعتبره، ورأى في هذا الخبر ما يُشفي غليله، ويشبع رغبته بتوجيه الطعن، لا إلى أبي هريرة وحده، بل إلى الخليفتين الراشدين - ﵃ جَمِيعًا - فعقَّب على تلك الرواية بقوله: «فلله أبوه كيف استظهر على الخليفة بهذه الحُجَّةِ البالغة فأخذه من بين يديه ومن خلفه ومن جميع نواحيه حتى لم يبق في وسعه أنْ يثبت فأعرض وأسرع ولو أنَّ صاحبه كان هو الأمير في ذلك الموسم - كما يزعم أبو هريرة - ما لاذ إلى الاسراع بل كانت له الحُجَّةُ على ابن عباس وعمر كان مع أبي بكر إذ توجه ببراءة وإذ رجع من الطريق فهو من أعرف الناس بحقائق تلك الأحوال» (١).
هذه إحدى النتائج التي يرمي إليها الكاتب من وراء ذاك الخبر؛ ولكن ابن عباس لم يأخذ الخليفة من بين يديه ومن خلفه ومن جميع نواحيه، لأنَّ شيئًا من هذا كله لم يكن، وإني على يقين من عدم صحة ذاك الخبر الذي بيَّنْتُ ضعفه، ومنافاته للذوق السليم والمنطق والمنهج العلمي، لوجود روايات صحيحة ثابتة ترده، وتقوم حُجَّةُ على المؤلف، وتبرِّئ ابن عباس مِمَّا ألصق به، وتنزه الخلفاء الثلاثة عن تلك التُّهم الباطلة التي وجهت إليهم، وتثبت مقام عليٍّ - ﵁ - وحُبَّهُ لهم، وتنفي كل افتراء عليه وعليهم، وإنَّ
_________________
(١) " أبو هريرة " لعبد الحسين: ص ١٦٨.
[ ١٩١ ]
هذه الروايات ستأخذ الكاتب من بين يديه، وتسدُّ عليه كل منفذ، وتقوِّض كُلَّ حُجَّةٍ يدَّعيها في هذا الموضوع.
ثم يتابع الكاتب عرض بعض الأخبار، ليدعِّم ما ذهب إليه من ولاية أمير المؤمنين عليٍّ - ﵁ - للحج سَنَةَ براءة، وإنَّ جميع ما استشهد به مطعون في صِحَّتِهِ، والصحيح منه ينصُّ فقط على إرسال أمير المؤمنين عليٍّ - ﵁ - بأول سورة براءة. ثم يستنتج المؤلف بعد هذا ما يأتي فيقول: «ألا تراه كيف حَرَّفَ الحديث عن موضعه، وصرف الفضل فيه عن أهله متقربًا فيما حَرَّفَ الى اولياء الأمور، ومتحببًا فيما صَحَّفَ إلى سواد الجمهور اختلق لهم ما يروقهم من تأمير أبى بكر الصديق. وما أدرك ما فعل!؟ إنه أخرس بذلك ألسنة الثقات الأثبات عن معارضته، وألجم أفواههم أنْ تنبس في بيان الحقيقة ببنت شفة، خوفًا من تألُّب العامة ورعاع الناس. واشفاقًا من نكال أولي الأمر ووبالهم يومئذ؟ وما أدراك ما يومئذ؟!» (١).
إنه يَتَّهِمُ أبا هريرة بتحريف الحديث عن موضعه، لأنه لم يختلق حديثًا يتمشَّى مع هوى المؤلف، ويوافق ميوله وما يصبو إليه، ويدَّعِي أنه انتقص الإمام، وصرف عنه ذلك الفضل الذي ادَّعَاهُ في رواية الطبرسي؛ كل هذا فعله أبو هريرة ليتقرَّب إلى الأمويِّين؟! وليتقرَّب إلى سواد الجمهور بما يروقهم؛ عَجَبٌ من المؤلف كيف يَدَّعِي هذا!!؟ ولِمَ يُرْضِ أبو هريرة الجمهور، ويكذب على رسول الله من أجل ذلك؟ أيخشى أبو هريرة الجمهور ولا يخشى الله ورسوله؟ هذا افتراء على أبي هريرة، وافتراء على الحق، واستخفاف بجمهور المسلمين، وَزَعُمٌ واضح منه أنهم على غير صواب فيما يعتقدون، وعلى غير هُدَى فيما يعترفون، إنه يتَّهم الجمهور في هذا ويجعلهم مِمَّنْ يمالئون السلطة .. وينساقون كما يريد .. ويتحامل على أولي الأمر فيُصَوِّرُهُمْ بالمُستبدِّين الغاشمين الطاغين. عَجَبٌ من المؤلف
_________________
(١) " أبو هريرة " لعبد الحسين: ص ١٨٠.
[ ١٩٢ ]
كيف يريد أنْ يقلب الحقائق التاريخية التي عرفها كل إنسان آنذاك، وعاصرها كثير من المسلمين، فيجعل أبا هريرة كذابًا يضع ما يروق للجمهور!! فهل الجمهور على خطأ في معرفتهم أم أنَّ بعض أهل الأهواء الذين دفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى الكذب والتلفيق وقلب الحقائق هم المخطئون!!؟ إنَّ الواقع والبحث العلمي شيء والانسياق وراء العاطفة والهوى شيء آخر، فللمرء أنْ يميل إلى أيِّ مبدأ أو إلى أي شخص، وله أنْ يحبه أو يكرهه، ولكن لا يجوز بأيِّ شكل أنْ يُحَرِّف الحقيقة، ويخالف الواقع، فأبو هريرة لم يكذب في هذا الخبر ولا في غيره، والجمهور في تأمير أبي بكر على الحج لم يختلقوا أخبارًا من عندهم، إنما كانوا على الحق والصواب، لأنهم عاصروا ذلك وعرفوه ورفضوا كل خبر ينافي الحقيقة التاريخية الصادقة. ولهم في اعتقادهم هذا وأبو هريرة في خبره لم يمنعوا أحدًا من أنْ يقول ما يعرف وما يعتقد، وقد كانت الحرية عامة، وكان المسلمون على جانب عظيم من الجُرأة في الحق، حتى إنَّ بعض النساء كُنَّ يُنَاقِشْنَ الخلفاء وَيَسْتَدْرِكْنَ عليهم، والتاريخ يشهد بهذا، ولو كان أبو هريرة غير صادق في خبره لانبرت ألسنة الحق تُقَوِّمُهُ وتَرُدُّهُ إلى الصواب، وقد كان في الأمَّة أكابر الصحابة وعلماؤهم مِمَّنْ اعتزلوا الفتن، فلم يرد قط رَدَّ أحد منهم على أبي هريرة، وأكثر من هذا لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الخبر، بل رواه كثيرون، حتى إنَّ ابن سعد عندما يروي ذلك يقول (قالو) (١) وقد رواه ابن عمر (٢) وأبو جعفر محمد بن علي - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - (٣) وغيرهم، فهل هؤلاء جميعًا وضعوا الخبر تقرُّبًا إلى أولياء الأمور!!؟ وأكثر من هذا اعتراف الإمام عليٍّ - ﵁ - بولاية أبي بكر العامة على الحج (٤)، أفبعد هذا يحاول امرُؤٌ أنْ يقلب الحقائق ويُحَرِّفَ النصوص، ويطعن في أكابر الصحابة وفي علمائهم!!؟
_________________
(١) " طبقات ابن سعد ": ٢: ١/ ١٢٠.
(٢) " طبقات ابن سعد ": ٢: ١/ ١٢٥.
(٣) " سيرة ابن هشام ": ٤/ ٢٠٣. وانظر " تاريخ الطبري ": ٢/ ٣٨٢.
(٤) انظر " سيرة ابن هشام ": ٤/ ٢٠٣، و" تاريخ الطبي ": ٢/ ٣٨٢.
[ ١٩٣ ]
ثم يستنتج الكاتب ما يلي فيقول: «أراد أبو هريرة بحديثه هذا أنْ يجتاح المقام المحمود الذي رفع الله ورسوله يومئذ سُمْكَهُ مقام أمير المؤمنين في ذلك الموسم إذ كان يرمي إلى امرين.
(أحدها) أنَّ المهمة التي جاء بها عَلِيٌّ انما كان أمرها بيد أبى بكر الصديق بسبب إمارته على الحج وولايته العامة تلك السَنَةِ على الموسم وإنَّ أبا بكر لم يكتف بِعَلِيٍّ في أداء المهمة حتى بعث أبا هريرة في رهط من أمثاله الأقوياء الأشداء!! اهتمامًا بأدائها وحسبك في تزييف هذا أنَّ الله تعالى لم يَرَ أبا بكر نفسه أهلًا لأداء هذه المهمة فأرجعه عنها » (٢).
هكذا أراد المؤلف أنْ يُصَوِّرَ الحاديثة، وهذا ما استنتجه منها، وقد ظهر زيف ما ادَّعَى وبطلان ما زعم.
تخيَّل المؤلف أنَّ أبا هريرة كان يسير بتوجيه الأمويين، وينزل على ما يحبون ويضع الحديث، وأدلى بِحُجَّتِهِ على ذلك فساق أخبارًا لا ترقى إلى الصِحَّةِ والحقيقة فقال: «قال الامام أبو جعفر الاسكافي: إنَّ معاوية حمل قومًا من الصحابة وقومًا من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عَلِىٍّ تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلًا يرغب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمُغيرة بن شُعبة، ومن التابعين عُروة بن الزيبر إلى آخر كلامه».
وقال: «لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على رُكبتيه ثم
_________________
(١) يشير المؤلف إلى الحديث الذي ذكره في الصفحة ١٧٩ من كتابه عن أبي هريرة: «بعثني أبو بكر في الحَجَّةِ التي أَمَّرَهُ عليها رسول الله - ﷺ - قبل حَجَّةِ الوداع بسَِنَةٍ في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذِّنُونَ بِمِنَى: أَنْ لاَ يَحُجّ بَعْد الْعَام مُشْرِك وَلاَ يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان، ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ بعَلِيٍّ فَأَذَّنَ مَعَنَا يَوْمَ النَحْرِ». يذكر هذا الحديث ويعلق عليه بأنه من تزوير أبي هريرة وتنميقه ليرضي رعاع الناس والسلطة الحاكمة. وأنَّ هذا الحديث صحيح أخرجه البخاري في " صحيحه ". انظر " البخاري بشرح السندي ": ٣/ ٧٦ وابن سعد في " طبقاته "، انظر: ٢/ ١٢٠.
(٢) " أبو هريرة ": ص ١٧٠.
[ ١٩٤ ]
ضرب صلعته مرارًا!! وقال: " يا أهل العراق .. أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله (١) وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول: " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَرَمًا وَإِنَّ الْمَدِينَةُ حَرَمِي فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ". قال: (واشهد بالله أنَّ عَلِيًا أَحْدَثَ فيها!! فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاَّهُ إمارة المدينة» [صفحة: ٣٨ - ٣٩].
وروى في هامش ص ٣٩: «عن سفيان الثورى عن عبد الرحمن بن قاسم عن عمر بن عبد الغفار: أنَّ أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كِنْدَةَ، ويجلس الناس إليه فجاءه شاب من الكوفة - لعلَّه الأصبغ بن نباتة - فجلس إليه فقال: يا أبا هريرة .. أنشدك بالله أسمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وَالِ من والاه وعَادِ من عاداه؟ فقال: اللهم نعم. قال: فأشهد بالله لقد واليت عَدُوَّهُ وعاديت وَلِيَّهُ ثم قام عنه وانصرف» (٢).
هذه أخبار مختلفة استشهد بها المؤلف ليدعم زعمه أنَّ أبا هريرة كان عميلًا للأمويِّين، وَضَّاعًا للحديث. إلاَّ أنَّ هذه الأخبار مردودة سندًا ومتنًا.
أولًا: أما من حيث السند. فإنَّ ابن أبي الحديد صاحب " شرح نهج البلاغة " نقل هذه الأخبار عن شيخه محمد بن عبد الله أبو جعفر الإسكافي (- ٢٤٠ هـ) وهو من أئمة المعتزلة المتشيِّعين، والعداء مستحكم بين المعتزلة وأهل الحديث من أواخر القرن الأول الهجري وأصبح متوارثًا. وأترك التعريف بأبي جعفر وتزكيته لتلميذه ابن أبي الحديث فيقول: ذكر
_________________
(١) إنَّ صاحب كتاب " أضواء على السُنَّة " ساق هذه الروايات في ص ١٩٠ - ١٩١ وعلَّق في الهامش على هذا الخبر فقال: «يَدُلُّ هذا القول على أنَّ كذب أبي هريرة على النبي قد اشتهر حتى عَمَّ الآفاق لأنه قال ذلك وهو بالعراق وأنَّ الناس جميعًا كانوا يتحدَّثُون عن هذا الكذب في كل مكان» [هامش ص ١٩٠]. انظر إلى هذا المؤلف الذي أخذ عن أستاذه فبزَّهُ وتفوَّق عليه بالاستنتاجات الخيالية والأوهام الصورية. وكن له وقفة بين يدي الله تعالى.
(٢) يعلِّقُ صاحب " أضواء على السُنَّة " بعد هذا فيقول: «ثم قام عنه بعد أنْ صفعه هذه الصفعة الأليمة » إنه يريد أنْ ينتهز أيَّةَ فرصة ليصُبَّ غضبه على أبي هريرة لبغضه إيَّاهُ وحقده عليه.
[ ١٩٥ ]
شيخنا أبو جعفر الإسكافي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وكان من المُحقِّقين بموالاة عليٍّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - والمُبالغين في تفضيله وإنْ كان القول بالتفضيل عامًا شائعًا في البغداديِّين من أصحابنا كافة إلاَّ أنَّ أبا جعفر أشدُّهُمْ في ذلك قولًا، وأخلصهم فيه اعتقادًا» (١).
هذه شهادة تليمذ لأستاذه لا يرقى إليها الشك، ولا يعتريها الظن والتأويل، فالأستاذ من أهل الأهواء، الداعي إلى هواهُ، بل من المُتعصِّبين في ذلك، بشهادة أقرب الناس إليه وأعرفهم به. فإذا سبق لأمثاله أنْ كذَّبُوا الصحابة في الحديث بل في نقل القرآن فليس بعيدًا أنْ يكذبوا على أبي هريرة ويفتروا عليه وعلى بعض الصحابة والتابعين.
فروايته مردودة لسببين:
الأول: ضعف الإسكافي لعاملين: الأول أنه معتزلي يناصب العداء لأهل الحديث، والثاني، أنه شيعي محترق. فقد اجتمع هذان العاملان فيه، ويكفي أحدهما لردِّ روايته. وبعد هذا لا يعقل أنْ تقبل الجرح والتعديل أو الرواية من رجل مطعون في عدالته، مشكوك في روايته يعادي أهل السُنَّة، فمن البداهة رفض روايته.
الثاني: لم تذكر هذه الروايات في مصدر موثوق بسند صحيح. علمًا بأنَّ الإسكافي لم يذكر لها سندًا فلن أقول إنها موضوعة، بل يكفي إنها ضعيفة لا يُحْتَجُّ بها.
ثانيًا: وأما من حيث المتن - فلم يثبت أنَّ معاوية حمل أحدًا على الطعن في أمير المؤمنين عَلِيٍّ - ﵁ -، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه تطوَّع في ذلك، أو أخذ أجرًا مقابل وضع الحديث، والصحابة جميعًا أسمى وأرفع من أنْ ينحطُّوا إلى هذا الحضيض، ومعاذ الله أنْ يفعل هذا إنسان صاحب رسول الله وسمع حديثه وزجره عن الكذب، وإنَّ جميع ما جاءنا من هذه الأخبار الباطلة، إنما كان عن طريق أهل الأهواء الداعين
_________________
(١) " شرح نهج البلاغة ": ١/ ٤٦٧ طبعة بيروت.
[ ١٩٦ ]
إلى أهوائهم المُتعصِّبين لمبادئهم، فتجرَّأوا على الحق، ولم يقيموا للصُحبة حرمتها، فتكلَّمُوا في خيار الصحابة واتَّهَمُوا بعضهم بالضلال والفسق، وقذفوا بعضهم بالكفر، وافتروا على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم (١)، وقد كشف أهل الحديث عن هؤلاء الكذبة، لذلك ناصبت أكثر الفرق العداء أصحاب الحديث، فاخترعوا الأباطيل وأرادوا أنْ تفقد الأُمَّة الثقة بهم، وتتبَّعُوا أحوالهم، من ذلك ما فعله المعتزلة والروافض وبعض فرق الشيعة، ومن أراد الاطلاع على بعض هذا فليراجع كتاب " قبول الأخبار " للبلخي. ولكن الله أبى إلاَّ أنْ يكشف أمر هذه الفرق، ويميط اللثام عن وجوه المتستِّرين وراءها، فكان أصحاب الحديث هو جنود الله - ﷿ -، بيَّنُوا حقيقة هؤلاء، وأظهروا نواياهم وميولهم، فما من حديث، أو خبر في صحابي، أو يُشَكِّكُ في عقيدة، أو يخالف مبادئ الدين الحنيف إلاَّ بين جهابذة هذا الفن يد صانعه، وكشفوا عن علَّته.
فادِّعاء المؤلف مردود حتى يثبت زعمه بحُجَّةٍ صحيحة مقبولة. وكيف تتصوَّرُ معاوية يُحَرِّضُ الصحابة على وضع الحديث كذبًا وبُهتانًا وزُورًا، ليطعنوا في أمير المؤمنين عَلِيٍّ - ﵁ -، وقد شهد ابن عباس - ﵄ - لمعاوية بالفضل والعقل والفقه (٢) وقد ذكر ذلك البخاري في " صحيحه ". فهل للمؤلف أنْ يتَّهم حبر الأُمَّة وعالمها بالكذب، أو بالتشيُّع لمعاوية (٣)؟ هذا لا يمكن، وشهادة ترجمان القرآن صحيحة، وبذلك ننفي تُهمة المؤلف الأمين!! وقد افترى الإسكافي على الصحابة الذين ذكرهم، وبَيَّن ابن العربي في " العواصم من القواصم " جانبًا من أمرهم وكانتهم وورعهم، كما بَيَّنَتْ كُتُبُ التراجم سيرتهم. ثم إنَّ روايات أهل الأهواء تسرَّبتْ إلى التاريخ الإسلامي، وخاصة ما يتعلَّق بأخبار الأمويِّين.
_________________
(١) انظر " العواصم من القواصم ": ص ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) " فتح الباري ": ٨/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) انظر " أضواء على التاريخ ": ص ١٩١ وما بعدها فللأستاذ محب الدين كلمة قَيِّمَةٌ في معاوية يجدر الاطلاع عليها.
[ ١٩٧ ]
لأنَّ كُتُبَ التاريخ كتبت بعد بني أمية فشوَّهتْ سيرتهم (١) ومع هذا لم يعدم التاريخ الرجال الأمناء المُخلصين، الذين دَوَّنُوا حوادثه بأسانيدها حتى يَتَبَيَّنَ المُطَّلِعُ الصحيحَ من الباطلِ، فليس كل خبر في كتاب يقبل ويؤخذ به، فلا بد من دراسته دراسة علميَّةٍ حسب منهج المُحَدِّثِينَ الدقيق - سندًا ومتنًا.
ثم إنا نستبعد صحة هذا الخبر، فإنَّ عُروة ولد سنة (٢٢ هـ) فكان عمره في فتنة عثمان - ﵁ - (١٣ سَنَةً)، وعندما استشهد أمير المؤمنين عَلِيٌّ - ﵁ - (١٨ سَنَةً)، فمن يتصوَّرْ خليفة كمعاوية يحمل عروة بن الزبير ليضع أحاديث تطعن في عَلِيٍّ - ﵁ -؟ ثم إنَّ عُروة نفسه كان يافعًا على عَتَبَةِ العلم لم يشتهر بعد. فكان أحرى بمعاوية - لو صَحَّ الخبر - أنْ يُغري من هو أشهر منه وأعلم من كبار الصحابة والتابعين.
وإن قال قائل إنما استعان به أيام خلافته بعد استشهاد الخليفة الراشد الرابع، فالجواب بَدَهِيٌّ في أنَّ عروة كان حين وفاة معاوية ابن (٣٨) ثمان وثلاثين سَنَةً، فَلِمَ يستفيد منه؟ وفي الأُمَّة كبار الصحابة والتابعين. أيفيد منه ليضع له الحديث كما زعم الكاتب؟ إنَّ كلمة المسلمين اجتمعت سَنَةَ (٤٠) عام الجماعة حين بايع الحسن معاوية بالخلافة وثبتت دعائم الحكم، فلم تبق أية ضرورة للدعاية للأمويِّين وهم الحكام وبيدهم الزمام. ولو سلَّمنا جدلًا أنَّ عروة قد قام بما ادَّعاهُ المؤلف!! فهل يسكت عنه علماء الأُمَّة أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ وبينهم الأبطال الشُجعان وفيهم الأقوياء الأفذاذ؟ لقد كانت الأُمَّةُ الإسلامية واعية في ذلك العصر، عرف أبناؤها الحوادث جميعها وعاصروها واختبروها فلم تعد تخفى دقائقها على أحد، وعرف المسلمون قادتهم من صحابة رسول الله - ﷺ -، فلم يكن من السهل أنْ يُغيِّرَ وجه الحق بعضُ الصحابة والتابعين - كما زعم المؤلف - لإرضاء الخليفة وإشباع ميوله ورغباته. وإنَّ من يحاول إثبات صِحَّةَ هذا الخبر لَيَتَجَنَّى على الأُمَّة جميعها، ويجعل من عاصر
_________________
(١) " العواصم من القواصم ": ص ١٧٧.
[ ١٩٨ ]
تلك الحوادث بُلْهًا مُغَفَّلِينَ، يعمي عليهم الحق بالدعايات الكاذبة والأخبار الموضوعة، والواقع يثبت خلاف ذلك، ويثبت وضع الخبر وعدم صِحَّتِهِ.
أما الخبر الثاني وهو قدوم أبي هريرة العراق، فإن رواية الإسكافي وقد عرفناه وعرفنا منزلة أخباره، ولو سلَّمنا - جدلًا - بصحة هذه الرواية، فإنَّ أبا هريرة يدفع عن نفسه ما أشاعه بعض خصوم الأمويِّين. ثم إنَّ الحديث الذي رُوِيَ عن أبي هريرة ينفي نفيًا قاطعًا صحة هذه الرواية ويُبَيِّنُ زيفها. فقد روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا صَرْفٌ» (١). فليس فيها تلك الزيادة التي اختلقتها أيدي الواضعين في ذم الإمام عَلِيٍّ لينال أبو هريرة أجره من معاوية - ﵃ جَمِيعًا -.
والمؤلف الأمين يحذف من الرواية بعضها وهو «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَرَمًا، وَإِنَّ حَرَمِيَ بِالْمَدِينَةِ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عِيرٍ وَثَوْرٍ» لأنَّ هذا القسم سينقض روايته وادِّعاءه لأنَّ الثابت عن أبي هريرة أنه لم يذكر هذا بل ذكره أمير المؤمنين عَلِيٌّ - ﵁ - في كلمة مشهورة له كما في " صحيح مسلم " (٢) إلاَّ أنَّ الإسكافي ذكرها عن أبي هريرة (٣) وهذا دليل آخر على سوء نياتهم وموقفهم من أبي هريرة خاصة وبعض الصحابة عامة.
ثم إنَّ المؤلف نفسه يناقض بروايتاته ما يزعمه ويدَّعِيهِ. فقد زعم قبل قليل في الصفحة [٢٥] من كتابه أنَّ بُسر بن أبي أرطأة وَلَّى ابا هريرة المدينة حين قدم إليها. وفي الصفحة [٣٩] يقول: «لما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاَّهُ إمارة المدينة»!! فأيُّ الخبرين يحب المؤلف أنْ نعتمد
_________________
(١) " صحيح مسلم ": ٢/ ٩٩٩ حديث ٤٦٩.
(٢) انظر " صحيح مسلم ": ٢/ ٩٩٥ وما بعدها و٢/ ١١٤٧ وقد نقل صاحب " أضواء على السُنَّة " الرواية كاملة ظنًا منه أنه يوفق لإثبات خطأ أبي هريرة ولم يفلح لأنها ليست من روايته. انظر صفحة [١٩٠] من كتابه.
(٣) " شرح نهج البلاغة ": ١/ ٤٦٧.
[ ١٩٩ ]
ونأخذ به؟ أم أنَّ المؤلف يرى في الخبر الثاني توكيدًا لإمارته على المدينة؟ إنَّ له ما أراد وما اختار من الروايات المتعارضة!!.
وأما ما ذكره في الهامش من صفحة [٣٩] رواية عن الثوري فقد نقلها إلينا أبو جعفر الإسكافي وجرَّبنا عليه الكذب والطعن في الصحابة فروايته هذه غير مقبولة من طريقه، وهناك رواية عن أبي هريرة ليست فيها الزيادة وَرَدِّ الشاب عليه «فأشهد بالله لقد واليتَ » التي ذكرها الإسكافي، فالرواية عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه قال: دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع إليه الناس فقام إليه شاب فقال: أنشدك بالله سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»؟ قال: «إني أشهد أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ». رواه أبو يعلى والبزار بنحوه (١).
إنَّ هذه الرواية تثبت مكانة أبي هريرة عند أهل العراق، إذ يستشهدونه عن سماعه لحديث مكانة عَلِيٍّ - ﵁ - بخلاف ما ذهب إليه الكاتب، وليس فيها تلك الزيادة التي ألحقت لحاجة في نفس صانعها، وحاول أنْ يُدَلِّسَ على الناس حقيقة الحديث وهكذا ينكشف أمر هؤلاء الذين خاضوا في الصحابة وأعراضهم وعدالتهم ودينهم ولم تكن هذه الحادثة صعفة أليمة (٢) من ذلك الشاب لأبي هريرة، بل كانت صفعة قاضية من الحق لأعدائه!!
ويتابع المؤلف افتراءه على أبي هريرة ويتَّهمه بالولاء للأمويِّين حتى زعم أنَّ أبا هريرة كان يرتجل الأحاديث يدافع بها عن منافقي بني أميَّة (٣) الذين لعنهم رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) " مجمع الزوائد ": ص ١٠٥، جـ ٩ وقال: «وَفِي أَحَدِ إِسْنَادَيْ الْبَزَّارِ رَجُلٌ غَيْرُ مُسَمًّى، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ فِي الآخَرِ، وَفِي إِسْنَادِ أَبِي يَعْلَى (دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ)» فالحديث صحيح في إحدى روايتي البزار.
(٢) إشارة لما قاله مؤلف " أضواء على السُنَّة المحمدية ": في الصفحة ١٩١.
(٣) انظر كتاب " أبو هريرة " لعبد الحسين: ص ٣٩.
[ ٢٠٠ ]
ولهذا عرف الأمويُّون فضله عندهم فعمل «مروان وبنوه في تعداد أسانيده وتكثير طرقه أعمالًا جبَّارة، لم يألفوا جُهدًا، ولم يدَّخروا وسعًا. حتى أخرجه أصحاب الصحاح والسُنن والمسانيد. ولمروان وبنيه في رفع مستوى أبي هريرة وتفضيله على من سواه في الحفظ والضبط والإتقان والورع أعمال كان لها أثرها إلى يومنا هذا » [ص ٤٠]، ثم يسوق قصة كاتب مروان حين كتب ما حدَّث به أبو هريرة، ويستشهد بالمشادة التي قامت بين مروان وأبي هريرة يوم وفاة الحسن والخلاف في مواراته في حُجْرَةِ الرسول - ﷺ -. ويرى أنَّ هذه مؤامرة للإشادة بحفظ أبي هريرة، وأفضليته في ذلك على كثير من الصحابة، ويرى أنَّ هذه المؤامرة الممثلة انتهت بتسليم مروان وخنوعه واعترافه بفضل أبي هريرة ومكانته وفي هذا يُرَوِّجُ - كما يزعم المؤلف - بضاعة أبي هريرة «التي كان مروان ومعاوية وبنوهما يحاربون بها الحسن والحُسين وأباهما وبنِيهِمَا، وكانت من أنجع الدعايات في تلك السياسات » [ص ٤٢].
لقد سبق أنْ بيَّنتُ وجه الحق في هذه الحقائق التاريخية، وإنما نظر المؤلف إليها بمنظاره الأسود، من خلال نفسه وآرائه، فكانت صورة ناطقة عما يدور في ضميره وتنطوي عليه سريرته.