قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ: مَاذَا رَدَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ فِي الشَّفَاعَةِ؟ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا يَهُمُّنِي مِنَ انْقِصَافِهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ (٢)، أَهَمُّ عِنْدِي مِنْ تَمَامِ شَفَاعَتِي، وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مُخْلِصًا، يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ، وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ» (٣)، وفي رواية: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (٤).
لقد شهد رسول الله - ﷺ - لأبي هريرة - ﵁ - بحرصه على الحديث، فنعم تلك الشهادة، وهنيئًا لمن شهد له بذلك، وشهد بعض الصحابة بأنه كان جريئًا يسأل رسول الله - ﷺ - ما لا يسأله غيره، من هذا قول أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيئًا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، عَنْ أَشْيَاءَ لاَ نَسْأَلُهُ عَنْهَا» (٥).
وَكَانَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ (٦). وكان يُصَرِّحُ بهذا إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ
_________________
(١) " البداية والنهاية ": ص ١٠٨، جـ ٨. و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣٥، جـ ٢.
(٢) معنى «انْقِصَافِهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» القصف بفتح القاف وسكون الصاد المهملة ثم الفاء، هو الكسر والدفع الشديد، لفرط الزحام، حتى يقصف بعضهم بعضًا. قال ابن الأثير: «يعني استسعادم بدخول الجنة وأنْ يتم ذلك، أهم عندي من أنْ أبلغ أنا منزلة الشافعين المُشفعين، لأنَّ قبول شفاعته كرامة له. فوصولهم إلى مُبتغاهم آثر عنده من نيل هذه الكرامة، لفرط شفقته على أُمَّته» " هامش مسند الإمام أحمد ": ص ٢٠٨، جـ ١٥.
(٣) " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٠٨، حديث ٨٠٥٦، جـ ١٥. ونحوه في " فتح الباري": ص ٢٠٣، جـ ١.
(٤) " فتح الباري": ص ٢٠٣، جـ ١.
(٥) ابن عساكر: ص ٤٧٧، جـ ٤٧.
(٦) أخرجه الترمذي: كتاب المناقب.
[ ١٠٦ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويؤكِّدُ له سروره وفرحه بحضور مجالسه - ﷺ -.
من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» قَالَ: قُلْتُ: أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْرٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: «أَفْشِ السَّلاَمَ، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ، وَصِلِ الأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلامٍ» (١).
لقد كان أبو هريرة يشعر بدافع داخلي ذاتي، وإحساس ضمني نحو رسول الله - ﷺ -، الذي تطيب نفسه برؤيته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وينشرح صدره لحديثه، لهذا كثيرًا ما نرى أبا هريرة يبذل جهده في خدمة رسول الله - ﷺ - حتى أنه كان يحمل له الماء لقضاء حاجته، وهو في هذا كله ينهل من المعين الصافي، الكثير الطيب، يسأل الرسول تارة، ويسمع منه أخرى، ويجالسه حينًا، ويراه أحيانًا؛ فيتعلم دقيق أحكام الشريعة وعظيمها، من هذا ما أخرجه أبو داود بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ (٢) ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ (٣)، فَقَالَ: «اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ». أحب أبو هريرة أنْ يقدم للرسول - ﷺ - ساعة
_________________
(١) " مسند الإمام أحمد ": ص ٧٢، حديث ٧٩١٩، جـ ١٥.
(٢) الدباء: القرع، الواحدة منها دباءة. كانوا يُجَفِّفُونَ القرع ويجعلونه كالآنية.
(٣) ينش: أي يغلي من نفسه لتخمُّره.
(٤) " سنن أبي داود ": ص ٣٠١، جـ ٢. كانوا يطلقون اسم النبيذ على نقيع التمر أو الزبيب، لأنهم كانوا ينبذونها في الماء ريثما يصير حلوًا، عن السَيِّدَةِ عَائِشَةَ - ﵂عَنْ، قَالَتْ: «كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي سِقَاءٍ، فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَعَشِيَّةً، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً». قالت: «وَكُنَّا نَغْسِلُ السِّقَاءَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً مَرَّتَيْنِ فِي اليَوْمِ». أخرجه الخمسة والإمام مالك. انظر ص ١٦٧، جـ ٢ من " تيسير الوصول ". فالنبيذ عندهم هو ما نسمِّيه «الخشاف» في عصرنا، وأما النبيذ المعروف الآن، وغيره من المسكرات فهي حرام، لا يجوز تناولها. فقد أخرج أصحاب السُنن عن رسول الله - ﷺ -: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» وغيره مِمَّا يثبت حرمة جميع المسكرات. انظر " تيسير الوصول ": ص ١٦٣، جـ ٢.
[ ١٠٧ ]
الإفطار، ما يثلج صدره، ويطفئ ظمأه فصنع له (خشافًا) كهذا الذي نصنعه في رمضان من التمر والتين، إلاَّ أنَّ نبيذ (خشاف) أبي هريرة تخمَّر، فأمره رسول الله - ﷺ - بطرحه.
إنَّ مثل هذه الوقائع التي كانت تقع لأبي هريرة ولغيره، لا يمكن أنْ ينساها لأنها تمثل جزءًا من حياته، بل تمثِّل فترة بارزة من عمره، عاش فيها مع الرسول الكريم، ورأى بعينه، وسمع بأذنه، ووعى بقلبه. وقد شعر أبو هريرة بالسعادة تخالط نفسه، وبالإيمان يملأ قلبه لملازمته رسول الله - ﷺ -، وكان كثيرًا ما يشكر الله تعالى على هذه النعمة فيقول: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَى أَبَا هُرَيْرَةَ للإِسْلام، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ أَبَا هُرَيْرَةَ الْقُرْآنَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بمُحَمَّدٍ ﷺ» (١). هنيئًا لك يا أبا هريرة بهذا كله وهنيئًا لجميع المسلمين به أيضًا، بل لتهنأ الإنسانية برسول الإنسانية العظيم، وبرسالته الخالدة التي أرادها الله رحمة للعالمين.
وكان أبو هريرة من أكثر الصحابة حرصًا على الحديث، روى الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي خَمْسَ خِصَالٍ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟» قَالَ: قُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا» ثُمَّ قَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (٢).
وفي الحقيقة رأينا هذا الحديث ينطبق تمامًا على أبي هريرة حينما عرضنا بعض أخبار التزامه للسُنَّة، والحرص عليها، وتأسِّيه دائمًا بالرسول، والامتثال لأوامره، وطبعي أنْ يكون أبو هريرة أحد أعلام الصحابة
_________________
(١) " تاريخ ابن عساكر ": ص ٥١١، جـ ٤٧.
(٢) " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٢٨، حديث ٨٠٨١، جـ ١٥، وروى نحوه الترمذي وابن ماجه من عدة طرق، والبيهقي، وانظر " الجامع الكبير ": ص ١٦، جـ ١.
[ ١٠٨ ]
العظام، وطبعي أنْ نراه في منزله رفيعة سامية، بعد أنْ عاش سنوات مع الرسول الكريم لا يفارقه فيها، يتخرَّج في حلقاته، وينهل من علمه.
وقد عرف الرسول - ﷺ - حرص أبي هريرة على الحديث، فكان كثيرًا ما يحدثه، من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي نَخْلٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ، إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: حَثَا بِكَفَّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ -، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، وَلاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ» ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ النَّاسِ عَلَى اللهِ؟، وَمَا حَقُّ اللهِ عَلَى النَّاسِ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ» (١)، وغير ذلك من الأخبار التي تؤكِّدُ كثرة تحمُّله عن الرسول - ﷺ -.