رأيت أنَّ أُفْرِدَ هذه الفقرة، تحت عنوان «حفظ أبي هريرة» لنعرف ضبطه لما يرويه، ومقدار تثبُّته في حفظ حديث رسول الله - ﷺ -، وَرُسُوخِ قدمه، وجلال قدره، وكان من الممكن إدراج هذا
_________________
(١) =، ذُلْفَ الأُنُوفِ، حُمْرَ الخُدُودِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ» - وهو من حديث أبي هريرة في الجهاد، وباب قتال الترك - ويقول ناشر كتاب ابن تيمية " الرد على المنطقيين " وقد شاهد المصنِّف - ﵀ - من وقائعهم، وشارك الجهاد معهم، وكتب عنهم كثيرًا، انظر هامش الصفحة ٤٤٦ من كتاب " الرد على المنطقيين "، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى» وقد خرجت هذه النار قبل مجيء أكثر الكفار إلى بغداد سَنَةَ خمس وخمسين وستمائة وتواتر خبرها، وللاستزادة راجع " فتح الباري "، و" تاريخ ابن كثير " و" شذرات الذهب " في السَنَةِ المذكورة، و" الرد على المنطقيِّين ": ص ٤٤٥ - ٤٤٦.
(٢) " فتح الباري ": ص ٢٣٥، جـ ١.
(٣) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣١، جـ ٢، رواه عوف الأعرابي عن سعيد بن أبي الحسن.
[ ١٢٤ ]
فيما سبق مِمَّا ذكرته في كثرة حديثه وسِعَةِ علمه، إلاَّ أنَّ كثرة الحديث وسِعَةِ العلم قد لا تدلان على قوة الحفظ والاتقان، فقد يكون الراوي كثير الحديث غير ضابط لما يروى، فإذا اجتمع العلم الكثير، والحفظ المتقن، كان ذلكغاية ما يتمنَّى أولو العلم.
ونحن الآن بين يَدَيْ حفظ أبي هريرة راوية الإسلام، ومُحَدِّثِ الأُمَّة في القرن الأول، الذي حفظ على الأمَّة حديث رسول الله - ﷺ -، كما قال عب الله بن عمر.
لقد دعا له رسول الله - ﷺ - بالحفظ، وبسط له رداءً كان على ظهره، وحدَّثَهُ، ثم أمره أنْ يضُمَّهُ إليه، فلم ينس بعد ذلك مِمَّا حدَّث رسول الله - ﷺ - شيئًا، وكان أبو هريرة، يدعو الله أنْ يهبه علمًا لا ينسى، فأمن له رسول الله - ﷺ -.
وقد عرفنا حرصه على الحديث النبوي، حُبَّهُ العظيم للرسول الكريم، الذي وجد عنده الخير كله، فانكبَّ على طلب العلم، من بيت العلم ومنزل الوحي، ومعين المعرفة، وتعلَّق بهذا طيلة حياة الرسول - ﷺ -، وبعد وفاته، فكان يحاول أنْ يعي كُلَّ ما يُحَدِّثُ به رسول الله - ﷺ -، وفي ذلك يقول أبو هريرة: «صَحِبْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ثَلاثَ سِنِينَ مَا كُنْتُ سَنَوَاتٍ قَطُّ أَعْقَلَ مِنِّي، وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنِّي فِيهِنَّ» (١).
فقد اجتمع لأبي هريرة عاملان عظيمان هُمَا حُبُّهُ للرسول الكريم وتعلقه به، واندفاعه وراءه في سبيل كلمة يعلِّمُهُ إياها، أو حكمة ينتفع بها، ونحن نعلم ما لهذا العامل النفسي من أثر بعيد في تثبيت تلك الأحاديث في نفس طالبها، والعامل الآخر هو دعاء رسول الله - ﷺ - له بالحفظ، وتشجيعه إياه على ذلك، ونحن نعلم ما لأثر المُرَبِّي والمُعَلِّمِ في توجيه طلابه وتفوُّقهم ونجاحهم، فكيف يكون توجيه معلم الإنسانية وتشجيعه، وخاصة من حيث إنه رسول رب العالمين!!؟ فقد تعاضد
_________________
(١) " طبقات ابن سعد ": ص ٥٤ قسم ٢، جـ ٤، رواه قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة.
[ ١٢٥ ]
هذان العاملان ليجعلا من أبي هريرة راوية الإسلام حافظ السُنَّة، وإني أومن بالأثر العظيم الذي تركه دعاؤه - ﷺ - في نفس أبي هريرة على طلب الحديث بنفس صافية وعزيمة قوية، وهِمَّةٍ عاليةٍ، أومن بذلك إيمان اليقين، وإنَّ سيرته وحياته تؤكِّدان ذلك.
وما كان أبو هريرة ليكتفي بما يسمع من رسول الله - ﷺ -، في نهاره أو ليله، بل كان يراجع حديثه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، ويُكرِّرُ في المسجد، وفي الطريق، وفي بيته، ليلًا ونهارًا، لأنه يرى في ذلك نوعًا من أنواع العبادة، قال أبو هريرة - ﵁ -: «جَزَأْتُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: ثُلُثًا أُصَلِّي، وَثُلُثًا أَنَامُ، وَثُلُثًا أَذَكَرُ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١).
وهذا عامل ثالث من عوامل تثبيت الحديث في صدر أبي هريرة وحفظه، وذاك غاية ما يفعله المتعطِّشُون للعلم المُحِبُّون له، الساعون وراءه، فكيف بأبي هريرة الذي عرفنا عزيمته وإقدامه على حديث رسول الله - ﷺ -!؟.
ويذكر لنا أبو الزعيزعة، كاتب مروان، ما يُثْبِتُ اتقانه وحفظه، فيقول: «دَعَا مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ، وَأَجْلَسَنِي خَلَفْ الْسَّرِيرِ، وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ عَنْهُ، حَتَّىَ إِذَا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ، دَعَا بِهِ، فَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلاَ نَقَصَ، وَلاَ قَدَّمَ وَلاَ أَخَّرَ» (٢)!!.
ومن هذا أيضًا أنه لقي رجلًا، فَقَالَ لَهُ: بِأَيِّ سُورَةٍ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَارِحَةَ فِي الْعَتَمَةِ؟ فَقَالَ: لاَ أَدْرِي. فَقُلْتُ: أَلَمْ تَشْهَدْهَا؟
_________________
(١) " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص ١٨٠: ب - ١٨١: آ، وانظر " سنن الدارمي ": ص ٨٢، جـ ١.
(٢) " البداية والنهاية ": ص ١٠٦، جـ ٨، و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣١، جـ ٢، وقد جمعت بين الروايتين.
[ ١٢٦ ]
قَالَ لَهُ: بَلَى. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِنِّي أَدْرِي، قَرَأَ بِسُورَةِ كَذَا وَكَذَا» (١).
وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم (٢).