لقد طال العهد بعائشة أم المؤمنين وبأبي هريرة، فاحتاج الناس إليهما كثيرًا، فروى عنهما من الحديث ما لم يرو عن غيرهما، وقد كان أبو هريرة يُحَدِّثُ، فتستدرك عليه السيدة عائشة تارة، وتصدُّقه أخرى، كما كان يُحَدِّثُ مع غيره من الصحابة، فقد استدركت (٢) على أبي بكر وعمر وعثمان وعَلِيٍّ، وعلى ابن عمر، وعلى أبي هريرة وكل ذلك كان من باب التفاهم والسؤال عن الحديث، أو الدليل في المسألة التي يفتي بها المسؤول، كما استدرك غيرها عليها، كما أنها كانت توجه من يسألها أحيانًا إلى من هو أعرف منها في تلك المسألة، وقد ثبت أنها وجَّهت من سألها عن مسح الخف إلى عَلِيٍّ - ﵄ - (٣)، وفي كل هذا لم يشعر
_________________
(١) " مسند الإمام أحمد ": ص ٤٩، جـ ٢ رقم ٦٢٥. بإسناد صحيح.
(٢) جمع الإمام بدر الدين الزركشي كتابًا في ذلك تحت عنوان " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ".
(٣) قال شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ (على الخفين) فَقَالَتْ: «اِئْتِ عَلَيًّا فَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي» قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ: فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاثًا». انظر " مسند الإمام أحمد ": ٢/ ١٧٥ رقم ٩٠٦ ورواه الإمام مسلم.
[ ٢١٩ ]
الصحابة بغضاضة أو حرج، لأنَّ هدفهم واحد، وهو تطبي الشريعة، وما كان الصحابة يُكَذِّبُ بعضهم بعضًا. إلاَّ أنَّ من جاء بعدهم من أهل الأهواء استغلوا ما دار بين الصحابة من النقاش العلميِّ، أو التثبت في الحديث، وجعلوا منه مادة طيبة ينفذون من خلالها إلى مآربهم، ويحقِّقُون غاياتهم. ولكنهم لم يفلحوا، لأنَّ الأمَّة لم تعدم العلماء المخلصين، والساهرين النابهين، الذي بَيَّنُوا الحق من الباطل، ووضعوا كل شيء في موضعه.
ومِمَّا أخذه النظَّام على أبي هريرة حديث: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صِيَامَ لَهُ» (١) وإليكم الحديث كما رواه مسلم قال:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٢)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُصُّ (و) يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلاَ يَصُمْ». قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ (فَذَكَرَهُ) (٣) - لأَبِيهِ - فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄، فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ» قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ (٤)، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ: قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ،
_________________
(١) " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٨ وقد استشهد به عَبْدُ الحُسَيْن شرف الدين في كتابه " أبو هريرة ": ص ٢٧٥ واستشهد بذلك أَبُو رِيَّة في كتابه " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ١٦٥ و١٧٦.
(٢) " صحيح مسلم بشرح النووي ": ص ٢٢٠، جـ ٧ وأبو بكر هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
(٣) في " صحيح مسلم " لم يذكر (فذكره) أثبتها من كتاب " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " وهو أسلم للسياق، انظر صفحة: ١٢٤ من المرجع المذكور.
(٤) يتبيَّنُ من عودتهم إلى مروان بن الحكم أنَّ ذلك كان في إمارته على المدينة.
[ ٢٢٠ ]
قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ. قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَقَالَتَا: فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ.
فهل هذا ينتقص من عدالة أبي هريرة؟ إنَّ عائشة وأم سلمة لم تقولا فيه شيئًا بل رَوَتَافعل رسول الله - ﷺ - وصومه.
ثم إنَّ أبا هريرة عندما بَلَّغُوهُ قول عائشة وأم سلمة، تأكد منهم «أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟»، لم يتأخَّر عن أن يقول: «هُمَا أَعْلَمُ» ويُبَيِّنُ لهم مِمَّنْ سمع ذلك. فأبو هريرة أمين في ذلك كله، إنه لم يُصَّرِّحْ في حديثه قط أنه سمع (١) ذلك من رسول الله - ﷺ -، بل كان يقص على الناس ويفتيهم، ومع هذا فإنَّ لقول أبي هريرة وجهات يمكن أنْ أبيِّنها.
أولًا: أنْ يكون قوله محمولًا على النسخ، وذلك أنَّ الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أنْ يغتسل أنْ يصوم ذلك اليوم، لارتفاع الحظر، وكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع من عائشة وأم سلمة صار إليه (٢).
ثانيًا: أنْ يكون حديث أبي هريرة هذا خاصًا بمن تجنَّب من الجماع
_________________
(١) لقد روى هذا الحديث وما في معناه من طرق أخرى عنه، مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، ولم يذكر فيها أنه سمعه من الفضل، وكلها بمعنى («مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلاَ يَصُمْ». فتحتمل تلك الرويات على أنها لا صوم كامل لمن أدركه الفجر وهو جنب، أو أنه مما نسخ كما هو مُبَيَّنٌ في المناقشة، ورفعه تارة إلى رسول الله - ﷺ -، وعدم رفعه أخرى لا يطعن فيه لأنهم أحيانًا لا يذكرون الإسناد، ولم يكن بعضهم يُكَذِّبُ بعضًا، فإذا سئل صحابي مِمَّنْ سمعت قول كذا؟ عزاه من غير تردُّدٍ وإن كان فيه رأيًا بيَّنَهُ، وكانوا أورع من أنْ يكذبوا على رسول الله - ﷺ -.
(٢) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٢٥ وهو قول ابن المنذر، ويروى أنه أحسن ما سمع في ذلك، وانظر " أخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ من الحديث ": ص ٢٩.
[ ٢٢١ ]
بعد طلوع الفجر فإنه يؤمر بالإمساك، ولا يعتدُّ له بصوم ذلك اليوم (١).
ثالثًا: حمل حديث أبي هريرة على كمال الصوم، وأنه إرشاد إلى الافضل وهو الاغتسال قبل الفجر، وقد تركه رسول الله - ﷺ - لذلك في حديث عائشة وأم سلمة، لبيان الجواز (٢).
وبالرأي الأول أقول وإليه أذهب، وإني أراه أقوى الأوجه علمًا بأنَّ الرأي الثالث يوفق بين الحديثين من غير أنْ يكون هناك ناسخ ومنسوخ. ذلك هو الحديث ووجهه، إلاَّ أنَّ أَبَا رِيَّة، بعد أنْ ذكر قول عائشة - ﵂ -، ورجوع أبي هريرة. قال: «فلم يسعه إزاء ذلك إلاَّ الإذعان والاستحذاء!! وقال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي - ﷺ -، وإنما سمعته من الفضل بن العباس، فاستشهد ميتًا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله - ﷺ -، كما قال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث "» (٣).
نأخذ على أَبِي رِيَّة في هذا التعليق أمرين:
الأول: لم يستشهد أبو هريرة ميتًا بل ثبت أنه عزا الحديث إلى الفضل بن العباس، وإلى أسامة بن زيد (٤)، في رواية. وأسامة بن زيد توفي سَنَةَ [٥٤] وفي قول [٥٨ أو ٥٩] والحادثة وقعت في ولاية مروان على المدينة، وكانت قبل سنة [٥٧]، فمن المحتمل أنْ تكون وقعت في حياة أسامة بن زيد قبل سَنَةِ [٥٤]، وإن كانت وفاته على الرواية الثانية فإنها تؤكِّدُ لنا وقوع الحادثة في حياة أسامة، فلا يكون أبو هريرة قد استشهد ميتًا، كما قال أَبُو رِيَّة.
الثاني: أنَّ أَبَا رِيَّة عزا الرواية إلى ابن قتيبة، إلاَّ أنَّ القائل هو النَظَّام،
_________________
(١) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٢٦. و" أخبار أهل الرسوخ: ص ٢٩ أي كمن طلع عليه الفجر وهو يجامع.
(٢) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٢٦.
(٣) " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ١٦٨.
(٤) شهد بذلك أَبُو رِيَّة نفسه، انظر هامش صفحة [١٦٨] من كتابه " أضواء على السُنَّة المحمدية ".
[ ٢٢٢ ]
وابن قتيبة بريء من أنْ يفتري على أبي هريرة، إنما ساق قول النَظَّام ليرد عليه: (انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٨) ومن يتهاون في نسبة الآراء إلى أصحابها على هذا النحو - هل يؤتمن في قول؟ أو يقبل قدحه في أبي هريرة؟!.
وأما قول مروان لعبد لرحمن: «عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ». فإنَّ مروان يريد أنْ ينتقم ويثأر لنفسه من أبي هريرة، الذي رَدَّ عليه رَدًّا مُفحمًا، حين عارض في دفن الحسن إلى جوار جده، ولعله أراد أنْ يرده إلى الصواب والحق.
وليس في كل ما سبق ذكره أي دليل على تكذيب أبي هريرة - ﵁ -، ومنها أنه روى حديثًا في النهي عن المشي بالخف الواحد فبلغ ذلك عائشة فمشت بخف واحد، وقالت: «لأُخَالِفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ» (١).
فالحديث احتجَّ به النظَّام ليطعن في أبي هريرة، وَرَدَّ ابن قتيبة عليه افتراءه. وقد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الحديث عن عائشة - ﵂ - أنها دخلت في خفها حسكة فمشت في خف واحد وقالت: «لأُحَنِّثَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّهُ يَقُولُ لاَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلاَ خُفٍّ وَاحِدٍ» (٢).
هذه الرواية تبيِّنُ سبب مشيها في الخف الواحد. وأما قولها: «لأُحَنِّثَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ» فإنه لا يتجاوز باب المزاح والمرح، الذي عُرِفَ به الصحابة.
وقد أخرج حديث (النهي عن المشي في خف أو نعل واحدة) الشيخان، كما رواه مسلم عن جابر. ورواه الإمام أحمد عن أبي هريرة (٣).
ويُرْوَى عن عائشة من طريق مندل بن علي بن ليث بن أبي سليم: «أنَّ رسول الله - ﷺ -، رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ (٤) نَعْلِهِ فَمَشَى فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ»، ومندل وليث ضعيفان لا حُجَّة فيما نقلا منفردين (٥).
_________________
(١) " أبو هريرة ": ص ٢٧٤ عن " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٧.
(٢) " قبول الأخبار ": ص ٥٧ و٥٩.
(٣) " مسند الإمام أحمد ": ص ٦٩، جـ ١٣ رقم ٧٣٤٣ بإسناد صحيح وانظر الهامش.
(٤) الشسع: أحد سيور النعل.
(٥) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٤٠.
[ ٢٢٣ ]
وقد رُوِيَ عنها أنها مشت في خف واحد وقالت: «لأُخُشَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ» (١) فعائشة لم تُكَذِّبْ أبا هريرة، وإنْ صحَّ عنها ما روي من مخالفته فهو مجرد رأي، والرأي لا يعارض السُنن، ثم إنَّ أبا هريرة لم يتفرَّدْ بالحديث.
ومن هذا ما رواه ابن شهاب أنَّ عُروة بن الزبير حدَّثه أنَّ عائشة قالت: «أَلاَ يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ (٢) فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ» (٣) كأنها تنتقد أبا هريرة في سرعة إلقائه وعدم تَرَيُّثِهِ.
إنَّ إنكار عائشة - ﵂ - على أبي هريرة لم يكن مُوَجَّهًا إلى ما يُحَدِّثُ به، إنما أنكرت عليه أنْ يسرد حديث رسول الله - ﷺ -. ويظهر هذا فيما رُوِيَ عنها: إِنَّمَا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ» (٤).
ولو أنكرت عائشة عليه غير سرده للحديث لقالت وبيَّنَتْ، وهي الجريئة الصريحة، فأبو هريرة لم يَكْذِبْ على رسول الله - ﷺ -، ولم يخطئ أثناء تحديثه حتى تُكَذِّبَهُ عائشة، فكل ما كان منه أنه كان يسرد الحديث ويكثر منه في مجلسه، فأي شيء يضير أبا هريرة إذا كان مُتَيَقِّظاَ متنبِّهًا عارفًا لما يروي؟!.
قال أبو حاتم بن حبان: «قَوْلُ عَائِشَةَ: " لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ " أَرَادَتْ بِهِ سَرْدَ
_________________
(١) أَخُشَنَّ من خَشَشْتُ فلانًا: شنأته ولمته في خفاء.
(٢) معنى أسبح: أي أصلِّي النافلة، وهي السُبحة، قيل المراد هنا صلاة الضُحى. انظر " فتح الباري ":ص ٣٩٠، جـ ٧.
(٣) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٣٥ وأخرجه مسلم في «باب ما يستحبُّ للمرء من ترك سرد الأحاديث»: ص ١٩٤٠ حديث ٢٤٩٣، جـ ٤. و" فتح الباري ": ص ٣٩٠، جـ ٧.
(٤) " فتح الباري ": ص ٣٨٩، جـ ٧.
[ ٢٢٤ ]
الْحَدِيثِ لاَ الحَدِيثَ نَفْسَهُ» (١). قال ابن حجر: واعتذر «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ الْمَحْفُوظِ فَكَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْمَهَلِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحْدِيثِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ أُرِيدُ أَنْ أَقْتَصِرَ فَتَتَزَاحَمُ الْقَوَافِي عَلَى فِيَّ» (٢).
ومن العجيب أنَّ بعض الكُتَّابِ الذين ناصبوا أبا هريرة العداء، يستشهدون ببعض الأخبار الضعيفة أو الثابتة التي تدل على خلاف بين أبي هريرة والصحابة، ولا يتعرَّضون للروايات التي تُبَيِّنُ صدقه وأمانته وثناء الصحابة عليه، فهم دائمًا ينظرون إليه من جانب واحد ويتناسون الجانب الآخر الذي يُبَيِّنُ علمه ومنزلته بين أصحابه. وجميع ما استشكله هؤلاء قد أجيب عنه إجابة علمية مقنعة، ولولا ضيق المقام، لذكرت جميع ما دار بين عائشة وأبي هريرة - ﵄ -، فحديث «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ» حَلَّلَهُ وأجاب عنه الزركشي وبَيَّنَ الأحاديث المروية في ذلك وبَيَّنَ أنَّ أبا هريرة لم ينفرد به، بل ذكر أيضًا ما يعارضه وبَيَّنَ أنه لا مأخذ على أبي هريرة (٣) كما بَيَّنَ قول أبي هريرة «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا اغْتَسَلَ وَمَنْ حَمَلَهُ تَوَضَّأَ» (٤).
ولا بد لي من أنْ أُنْهِي هذه الفقرة عن موقف عائشة من أبي هريرة بمناقشة صاحب كتاب " أضواء على السُنَّة " فيما قاله، قال: «ولما قالت له (لأبي هريرة) عائشة: إنك لتُحَدِّثُ حديثًا ما سمعته من النبي - ﷺ - أجابها بجواب لا أدب فيه، ولا وقار: إذ قال لها - كما رواه ابن سعد والبخاري وابن كثير وغيرهم: شغلك عنه - ﷺ - المرآة والمكحلة! وفي رواية - ما كانت تشغلني
_________________
(١) " صحيح ابن حبان ": ص ٢٦١، جـ ١، وإلى هذا ذهب ابن كثير، انظر " البداية والنهاية ": ص ١٠٧، جـ ٧.
(٢) " فتح الباري ": ص ٣٩٠، جـ ٧.
(٣) انظر " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٢٥ - ١٢٩.
(٤) انظر " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٢٥ - ١٢٦.
[ ٢٢٥ ]
عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك!!! على أنه لم يلبث أنْ عاد فشهد بأنها أعلم منه وأنَّ المرآة والمكحلة لم يشغلاها» (١).
إنَّ القصة التي يشير إليها الكاتب رواها ابن سعد عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: «إِنَّكَ لَتُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدِيثًا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «يَا أُمَّهْ! طَلَبْتُهَا وَشَغَلَكِ عَنْهَا الْمِرْآةُ وَالْمُكْحُلَةُ وَمَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْهَا شَيْءٌ» (٢).
وروى الذهبي القصة من طريق إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: دَخَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لَهُ: «أَكْثَرْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ». قَالَ: «إِيْ - وَاللهِ - يَا أُمَّاهُ، مَا كَانَتْ تَشْغَلُنِي عَنْهُ المِرْآةُ وَلاَ المُكْحُلَةُ وَلاَ الدُّهْنُ». قَالَتْ: «لَعَلَّهُ» (٣). وروى نحو هذا ابن عساكر وابن كثير (٤).
هل خرج أبو هريرة عن حدود الأدب مع السيِّدة عائشة - ﵂ -!؟ إنه يدافع عن نفسه عندما استكثرت ما يُحَدِّثُ به، فبيَّن لها أنه كان يطلب الحديث وأنها شغلت عما استكثرته من أبي هريرة بحياتها المنزلية، وهو شأن كل امرأة في بيت الزوجية، عليها مسؤوليات كثيرة لا تتيح لها أنْ تسير مع زوجها في كل مكان، أو ترافقه في جميع أنواع حياته.
_________________
(١) " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ١٦٦ - ١٦٧.
(٢) " طبقات ابن سعد ": ٢: ٢/ ١١٩ وإسناده عن الوليد بن عطاء بن الأغر وأحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المَكِّيَانِ. قالاَ أخبرنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده. وهؤلاء كلهم ثقات: الوليد بن عطاء ذكره ابن حبان في " الثقات ". " تهذيب التهذيب ": ١١/ ١٤٢، وأحمد بن محمد بن الوليد ثقة: " تهذيب التهذيب ": ١/ ٧٩، عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية روى عن جده (سعيد بن عمرو) ثقة: " تهذيب التهذيب ": ٨/ ١١٨ ونحوه بإسناد آخر من طريق عمرو بن يحيى أيضًا: " المحدث الفاصل ": ص ١٣٣: ب.
(٣) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣٥، جـ ٢.
(٤) انظر " تاريخ دمشق ":ص ٤٩٧، جـ ٤٧، و" البداية والنهاية ": ص ١٠٨، جـ ٨.
[ ٢٢٦ ]
فلم تُكَذِّبْهُ السيِّدة أم المؤمنين، بل قالت: «لَعَلَّهُ». ونرى الروايات تعيد الضمير في قوله: (شغلك عنه) إلى كثرة الحديث ولكن أَبَا رِيَّةَ أعاده للرسول - ﷺ -، لِيُصَوِّرَ شناعة قول أبي هريرة وكيف رأى أدبه خروجًا على الأدب والوقار؟ وهذا لا يليق بالبحث العلمي.
أما قوله بعد ذلك (أنه لم يثبت أنْ عاد فشه بأنها أعلم منه). فهذا غير صحيح ولا يقوله إلاَّ متحامل، لأنه لا يوجد أي تعارض بين الروايتين، فهذه القصة تتناول حفظ أبي هريرة وكثرة حديثه، ولم يتراجع أبو هريرة عما رواه، بل سَمِعَتْ منه عائشة دفاعه عن نفسه واقتنعت بما قال.
وهناك ما يثبت أنَّ السيِّدة عائشة أم المؤمنين - ﵂ - لم تنكر على أبي هريرة - ﵁ - كثرة ما يَرْوِي بل صَدَّقَتْهُ، فقد روى الرامهرمزي بسنده عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: «أَدْنُوهُ مِنِّي»، فَأَدْنُوهُ فَقَالَتْ: «أَذَكَّرْتَنِي شَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١).
وأما القصة الثانية «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صَوْمَ عَلَيْهِ» وتراجع أبي هريرة فقد بيَّنتُ فيما سبق وجهتها، ولا شك أنَّ عائشة أعلم بهذا منه، لأنَّ هذا خاص لم يطَّلِعْ عليه أبو هريرة، فهل في دعوته عن رأيه تكذيب من عائشة له؟ ثم من تعمق في البحث يجد أنَّ أبا هريرة عاد عن فتواه التي بناها على ما أخبره به الفضل بن العباس في رواية وأسامة بن زيد في رواية أخرى. وأنَّ رجوعه هذا لم يكن رجُوعًا عن حديث حَدَّثَ به (٢).
_________________
(١) " المحدث الفاصل " بتحقيقي ف ٧٤٨.
(٢) ومِمَّا ذكره المؤلف ص [٢٧٦] والطاعنون على أبي هريرة: (أنه روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مَتَى اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». فأنكرت عائشة عليه، فلم تأخذ به وقالت: «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟» ليست عائشة بل أحد أصحاب عبد الله بن مسعود واسمه (قين الأشجعي) وقد ذكر الدكتور مصطفى السباعي تحقيقه في ذلك وأورد أقوال العلماء في كتابه " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " الصفحة: ٢٨٥ - ٢٨٧.
[ ٢٢٧ ]
وهذه الأفضلية لأبي هريرة يشكر عليها، لأنه تمسَّك بالحق وعدل عن رأيه. ثم إنَّ السيدة عائشة لم تكن معارضة لأبي هريرة دائمًا بل ناصرته في مواقف كثيرة، قالت: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ»، وقد مَرَّ بنا شيء من هذا في ترجمته وسَيَمُرُّ بعض ذلك فيما يلي.