ولمنزلة الصحابة الكريمة، وأمانتهم وإخلاصهم، وحرصهم على الدين وأحكامه، ودفاعهم عنه، أجمع أهل السُنَّة على عدالتهم وتوثيقهم جميعًا إلاَّ من ظهر منه ما يُجَرِّحُ عدالته مِمَّنْ لم يستقيموا بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة (١)، فلا يجوز لأحد أنْ يتعدَّاهُم خشية أنْ يخالف الكتاب والسُنَّة اللذين نصَّا على عدالتهم جميعًا.
قال ابن حزم: «نقول بفضل المهاجرين الأولين بعد عمر بن الخطاب ثم بعد هؤلاء أهل العقبة - الأنصار الذين بايعوه بيعة العقبة - ثم أهل بَدْرٍ ثم أهل المشاهد مشهدًا مشهدًا، وأهل كل مشهد أفضل من المشهد الذي بعده حتى يبلغ الأمر إلى الحُديبية، فكل من تقدَّم ذكره من المهاجرين والأنصار ﵃ إلى تمام بيعة الرضوان فإنا نقطع على غيب قلوبهم أنم كلهم مؤمنون صالحون، ماتوا كلهم على الإيمان والهُدَى والبر، كلهم من أهل الجنة، لا يلج أحد منهم النار» (٢).
وقال شارح " مسلَّم الثبوت: «إنَّ عدالة الصحابة مقطوعة لا سيما أصحاب البدر، وبيعة الرضوان كيف لا وقد أثنى الله تعالى عليهم في مواضع عديدة من كتابه، وبَيَّنَ رسول الله - ﷺ - فضائلهم غير مَرَّةٍ» (٣).
وقد ورد في الصحابة ما يوجب لهم العدالة، ويجعلهم في ذروة الثقة والائتمان، فقد زكَّاهُمْ الله تعالى ورسوله، وتقبَّلت الأُمَّةُ ذلك بالإجماع من هذا قوله - ﷿ -:
_________________
(١) انظر " الروض الباسم ": ص ١٢٨ - ١٣٠، جـ ١. حيث ذكر بعض من جَرَّحَ الصحابة وبَيَّنَ وجه الحق في عدالتهم. وراجع " العواصم من القواصم " لابن العربي، فإنه تناول أحوال الصحابة وفَنَّدَ بعض الأقوال والطُعُونِ، ووَضَّحَ ما قيل فيهم، وأثبت براءتهم. وانظر " العلم الشامخ ": ص ٣٠٦ وما بعدها.
(٢) " ابن حزم، حياته وعصره وآراؤه الفقهية " لأبي زهرة: ص ٢٥٩.
(٣) " شرح مسلَّم الثبوت ": ص ٤٠١ جـ ٢.
[ ٣٠ ]
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
وقوله - ﷿ -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢).
وقوله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٤).
تلك آيات كريمة تشهد بفضل ومكانة جميع الصحابة، وهناك آيات أخرى تذكر فضلهم في كثير من المواقف، في الهجرة والجهاد والبذل والغزوات، وإنَّ هذه وتلك أدلة قطعية تنصُّ على عدالتهم، لقد ﵃، ورضوا عنه، فهل بعد ذلك نطلب رضاء الناس عنهم وتعديلهم إياهم؟.
وأدلة عدالة الصحابة من السُنَّة كثيرة تشهد بفضلهم جُملة وآحادًا، وقد أفردَتْ كثير من كُتُب السُنَّة أيوابًا خاصة في فضل الصحابة.
ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخُدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ» (٥).
_________________
(١) [الفتح: ٢٩].
(٢) [التوبة: ١٠٠].
(٣) [الأنفال: ٧٤].
(٤) [الفتح: ١٨].
(٥) " صحيح مسلم ": ص ١٩٦٨، جـ ٤.
[ ٣١ ]
ومنها ما رواه عبد الله بن مغفل وأخرجه الترمذي وابن حبان في " صحيحه ": قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ».
وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أفضليتهم كقوله - ﷺ -: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» وهو حديث صحيح. وفي رواية: «خَيْرُ النَاسِ».
فبعد تعديل الله تعالى ورسوله للصحابة، وإجماع الأمة على عدالتهم لا يحتاج أحد منهم إلى تعديل أحد، على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - شيء في تعديلهم لوجب تعديلهم لما كانوا عليه من دعم الدين والدفاع عنه، ومناصرتهم للرسول - ﷺ - والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، والبذل السخي من الأموال والأرواح في سبيل الله والمحافظة على الدين، والتشدُّد في امتثال أوامر الله تعالى ورسوله، واندفاعهمه العظيم بصدق وإخلاص وتضحية وجْرأة في سبيل ذلك، فنراهم يوم بدر يقتحمون الموت، ويتسابقون لتنفيذ أوامر القائد العظيم محمد - ﷺ -، من هذا قول سعد بن عُبادة الأنصاري: «يَا رَسُولَ اللهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا (١) وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ (٢) لَفَعَلْنَا» (٣) فقد بذلوا نفوسهم للذَوْدِ عن حياض الإسلام، وفدوا الرسول - ﷺ - بأرواحهم، فإذا ما نزل بهم الخطب في غزوة أُحُدْ رأيناهم يتسابقون للدفاع عن رسول الله - ﷺ -، هذا أبو دجانة يجعل ظهره ترسًا لرسول الله - ﷺ - حتى أثخنته الجراح، وإلى جانبه
_________________
(١) أي لو أمرتنا أنْ نخُوض البحر ونعبره بخيولنا لفعلنا.
(٢) بِرْكُ الغِمَادِ: موضع وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل. انظر هامش " صحيح مسلم ": ص ١٤٠٤، جـ ٣.
(٣) " صحيح مسلم ": ص ١٤٠٣، حديث ٨٣، جـ ٣. (كتاب الجهاد) (غزوة بدر).
[ ٣٢ ]
عليٌّ يذُبُّ بسيفه، وسعد بن أبي وقاص يرمي بقوسه حتى كتب لهم النصر
فكانوا الأبطال الشُجعان في ساحات الوغى، والإخوان الأتقياء الرحماء في ميادين الحياة، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (١).
أولئكم صحابة رسول الله - ﷺ -، الذين عَلَتْ نفوسهم، وصَفَتْ قلوبهم، وسمت مُثُلُهُمْ، بعد أنْ ذاقوا حلاوة الإيمان، فحافظوا على الشريعة بكل ما أوتوا من قوة، سرًا وعلانية حتى إنا نرى بعض من أخطأ منهم كان يقدم نفسه للرسول - ﷺ - لينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة، من ذلك ما رواه الإمام مسلم بسنده عن بُرَيْدَةَ قال: «جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ (٢)! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: حَتَى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقَالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْ رٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَزَنَيْتَ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ». قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
_________________
(١) [الفتح: ٢٩].
(٢) ويح: كلمة ترحُّمٍ وتوجُّعٍ، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها.
(٣) فاستنكهه، أي شم رائحة فمه، من النكهة، وهي رائحة الفم.
[ ٣٣ ]
«لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ» (١). تلك هي القلوب المؤمنة والنفوس الطيبة الطاهرة، التي تحرص على حفظ الشريعة وتطبيقها، مهما تكن نتيجة ذلك.
هؤلاء هم صحابة رسول الله - ﷺ -، الذين حفظ لهم التاريخ مآثر خالدة أبد الدهر، وإنَّ رجالًا أوتوا من العزيمة والقوة والتضحية، والورع والتقوى - ما عرفنا - جديرون بكل احترام وحب وتقدير. بل إنَّ حُبَّهُمْ واحترامهم واجب على كل مسلم لما جاء فيهم من آيات كريمة وأحاديث شريفة، - ﵃ وَأَرْضَاهُمْ -.
قال عبد الله بن مسعود: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ» (٢).
وقال التابعي الجليل إبراهيم بن يزيد النَخَعي: «لو أنَّ أصحاب محمد ﷺ لم يمسحوا إلاَّ على ظفر ما غسلته التماس الفضل، وحسبنا من إزراء على قوم أنْ نسأل عن فقههم ونخالفهم» (٣)
وقد أجمع السلف والخلف من الأمة الإسلامية على فضل وإخلاص وأمانة الصحابة وعدالتهم، وأختتم الكلام في عدالة الصحابة جميعًا بقول الحافظ أبي زُرعة الرازي: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَيْنَا الصَحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ الزَنَادِقَةُ يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى» (٣).
_________________
(١) " صحيح مسلم ": ص ١٣٢١، حديث ٢٢، جـ ٣.
(٢) " الموافقات ": ص ٧٨ - ٧٩، جـ ٤.
(٣) انظر ترجمة إبراهيم النخعي في كتاب " السُنَّة قبل التدوين ".
(٤) " الكفاية ": ص ٤٩. وللاستزادة راجع (عدالة الصحابة) في كتابنا " السُنَّة قبل التدوين ". حديث بسطنا القول، وردَدْنَا على من ادَّعَى غير ذلك.
[ ٣٤ ]