كان أبو هريرة أحد أعلام الفقراء والمساكين، صبر على الفقر الشديد، حتى أنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يطوي نهاره وليله من غير أنْ يجد ما يقيم صلبه، يروي أبو هريرة عن نفسه فيقول: «إِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، بِشَبَعِ بَطْنِي، حَتَّى لاَآكُلَ الخَمِيرَ، وَلاَ أَلْبَسَ الحَبِيرَ، وَلاَ يَخْدِمُنِي فُلاَنٌ وَفُلاَنَةٌ، وَإِنْ كُنْتُ لاَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ مِنْ كِتَاِب اللهِ هِيَ مَعِي، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي» (٤)، ويقول: «وَكُنْتُ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُفَّةِ
_________________
(١) " حلية الأولياء ": ص ٣٨٤، جـ ١. و" البداية والنهاية ": ص ١١٣، جـ ١. الجِلاوزة، بكسر الجيم: الشرطة. مفردها الجلواز: الشرطي. " القاموس المحيط " مادة (جلز).
(٢) " حلية الأولياء ": ص ٣٨٠ جـ ١. و" البداية والنهاية ": ص ١١١، جـ ٨.
(٣) " مسند الإمام أحمد ": ص ٢٠٧، جـ ١٢، رقم ٧٢١٧ بإسناد صحيح. واللابة: الحرَّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود الكثيرة. ما ذرعتها: ما أفزعتها.
(٤) " فتح الباري ": ص ٧٧، جـ ٨. وانظر " حلية الأولياء ": ص ٣٧٦ و٣٧٩ جـ ١. وفي " صحيح البخاري ": في الاستئذان «إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ». والحبير - بفتح الحاء - من البرد ما كان مُوَشَّى مخطَّطًا، يقال بُرْدٌ حبير، وبُرْدٌ حِبِرَةٌ بوزن عنبة.
[ ٨٠ ]
ما منهم رجل عليه رداء، إما بُرْدَةٌ، أو كساء قد ربطوها في أعناقهم (١). ويشتدُّ بهم الألم من الجوع، فيخرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلاَّ الجوع، فيجد نفرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فيقولون: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ .. مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَيَقُولُ: «مَا أَخْرَجَنِي إِلاَّ الْجُوعُ». فَقَالُوا: نَحْنُ وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَنَا إِلاَّ الْجُوعُ. يقول أبو هريرة: فَقُمْنَا فَدَخَلْنَا عَلَى رسول الله - ﷺ - فقال: «مَا جَاءَ بِكُمْ هَذِهِ السَّاعَةَ؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ بِنَا الْجُوعُ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا تَمْرَتَيْنِ فَقَالَ: «كُلُوا هَاتَيْنِ التَّمْرَتَيْنِ وَاشْرَبُوا عَلَيْهِمَا مِنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُمَا سَتَجْزِيَانِكُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَكَلْتُ تَمْرَةً وَجَعَلْتُ تَمْرَةً فِي حُجْرَتِي. فقال رسول الله - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لِمَ رَفَعْتَ هَذِهِ التَّمْرَةَ؟»، فَقُلْتُ: «رَفَعْتُهَا لأُمِّي». فَقَالَ: «كُلَّهَا فَإِنَّا سَنُعْطِيكَ لَهَا تَمْرَتَيْنِ». فَأَكَلْتُهَا فَأَعْطَانِي لَهَا تَمْرَتَيْنِ.!! (٢).
أقول: هكذا فليكن الأبناء، ونعم الابن أنت يا أبا هريرة. وكثيرًا ما كان يؤلمه الجوع، فيخرُّ مغشيًا عليه في مسجد الرسول - ﷺ -، فيما بين منزل عائشة والمنبر، فيمرُّ به الرجل، فيظن به جنونًا، فيجلس على صدره، فيرفع أبو هريرة رأسه ليقول له: «لَيْسَ الَّذِي تَرَى، إِنَّمَا هُوَ الجُوْعُ» (٣).
ومِمَّا يقوله أبو هريرة: «إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ عَلَى طَرِيْقِهِمْ،
[ ٨١ ]
فَمَرَّ بِي أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ - مَا أَسْأَلُهُ إِلاَّ لِيَسْتَتْبِعَنِي (١) -، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَمَرَّ عُمَرُ، فَكَذَلِكَ، حَتَّى مَرَّ بِي رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - فَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي مِنَ الجُوْعِ، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ»؟ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ البَيْتَ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ لَكُم هَذَا؟». قِيْلَ: أَرْسَلَ بِهِ إِلَيْكَ فُلاَنٌ. فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، انْطَلِقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْعُهُمْ». وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافَ الإِسْلاَمِ، لاَ أَهْلَ وَلاَ مَالَ، إِذَا أَتَتْ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - صَدَقَةٌ، أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا جَاءتْهُ هَدِيَّةٌ أَصَابَ مِنْهَا، وَأَشْرَكَهُمْ فِيْهَا، فَسَاءنِي إِرْسَالُهُ إِيَّايَ، فَقُلْتُ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُصِيْبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ!!
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُوْلِهِ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُجِيبِينَ. فَلَمَّا جَلَسُوا، قَالَ: «خُذْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَأَعْطِهِمْ». فَجَعَلْتُ أُعْطِي الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يُرْوَى، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَنَاوَلْتُهُ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ مُتَبَسِّمًا، وَقَالَ: «بَقِيْتُ أَنَا وَأَنْتَ». قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَاشْرَبْ»، فَشَرِبْتُ، قَالَ: «اشْرَبْ» فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» فَأَشْرَبُ، حَتَّى قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسَاغًا، قَالَ: فَأَخَذَ فَشَرِبَ مِنَ الْفَضْلَةِ. (٢).
وإليكم عِفَّةَ نفس أبي هريرة والجوع يُقَطِّعُ أمعاءه، يقول: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقُمْتُ لَهُ وَهُوَ يُسَبِّحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَانْتَظَرْتُهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ دَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي، وَمَا أُرِيدُ إِلَّا الطَّعَامَ، قَالَ: فَأَقْرَأَنِي آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَلَمَّا
_________________
(١) كنت ذكرت استقراءه بعض الصحابة الآية من القرآن وهي معه. انظر " فتح الباري: ص ٧٧، جـ ٨. فضائل (جعفر بن أبي طالب).
(٢) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٧٧، جـ ٢. رواه البخاري مطوَّلًا في كتاب الدعوات. باب (كيف كان عيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا). انظر " صحيح البخاري بحاشية السندي ": ص ١٢٢، جـ ٤.
[ ٨٢ ]
بَلَغَ أَهْلَهُ دَخَلَ وَتَرَكَنِي عَلَى الْبَابِ فَأَبْطَأَ، فَقُلْتُ: يَنْزِعُ ثِيَابَهُ ثُمَّ يَأْمُرُ لِي بِطَعَامٍ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَلَمَّا طَالَ عَلَيَّ، قُمْتُ فَمَشَيْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ خُلُوفَ فَمِكَ اللَّيْلَةَ لَشَدِيدٌ!!؟» فَقُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ ظَلَلْتُ صَائِمًا، وَمَا أَفْطَرْتُ بَعْدُ، وَمَا أَجِدُ مَا أُفْطِرُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَى بَيْتَهُ فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ سَوْدَاءَ. فَقَالَ: «آتِينَا بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ». قَالَ: فَأَتَتْنَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا وَضَرٌ مِنْ طَعَامٍ - أُرَاهُ شَعِيرًا - قَدْ أُكِلَ وَبَقِيَ فِي جَوَانِبِهَا بَعْضُهُ - وَهُوَ يَسِيرُ - فَسَمَّيْتُ وَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ، فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ» (١).
وكان أبو هريرة يقول: «نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي، وَعُقْبَةِ (٢) رِجْلِي، فَكُنْتُ أَخْدُمُ إِذَا نَزَلُوا، وَأَحْدُو إِذَا رَكِبُوا، فَزَوِّجْنِيهَا اللَّهُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا، وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا» (٣).
وقال إمام التابعين سعيد بن المسيب (١٣ - ٩٣ هـ): رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ، فَيَقُولُ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟» فَإِنْ قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ» (٤).
فلم يكن أبو هريرة نهمًا ذا بطنة، وما كان في يوم عبدًا لشهوة بطنه، بل كان يكتفي بما يعلِّلُ به نفسه، أو يمسك عليه رمقه، فإذا ما أصبح لديه خمس عشرة تمرة، أفطر على خمس، وتسحَّر بخمس، وأبقى خمسًا لفطره (٥).
لقد صبر على الفقر طويلًا حتى أفضى به إلى الظل المديد، والخير الكثير، وبارك الله له في ماله، فكان كثير الشكر لله، يذكر دائمًا أيام
_________________
(١) " حلية الأولياء ": ص ٣٧٨، جـ ١. و" البداية والنهاية ": ص ١١١، جـ ٨.
(٢) العقبة، أي نوبة ركوبه.
(٣) " طبقات ابن سعد ": ٤: ٢/ ٥٣. و" تذكرة الحفاظ ": ص ٣٢، جـ ١. و" البداية والنهاية ": ص ١١٠، جـ ٨. و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٤٠، جـ ٢.
(٤) " حلية الأولياء ": ص ٣٨١، جـ ١.
(٥) " حلية الأولياء ": ص ٣٨٤، جـ ١. و" البداية والنهاية ": ص ١١٢، جـ ٨. وانظر الباب الثاني في الرد على الشُبه التي أثارها بعض أعداء أبي هريرة.
[ ٨٣ ]
فقره، ويذكِّرُ الناس نعم ربهم، ويدعوهم إلى الاقتداء برسول الله - ﷺ -، من ذلك أنَّ أبا هريرة مَرَّ بقوم بين أيديهم شاة مصليَّة، فدعوه أنْ يأكل فأبى وقال: «إنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ»
(١).
وقال مضارب بن حزن: «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ تَحْتَ اللَّيْلِ، إِذَا رَجُلٌ يُكَبِّرُ، فَأُلْحِقُهُ بَعِيرِي، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ: شُكْرٌ. قُلْتُ: عَلَى مَهْ؟ قَالَ: كُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ فَزَوَّجَنِيهَا اللهُ!! فَهِيَ امْرَأتِي!!» (٢).
ويأتيه ضيوف، فيبعث إلى أمه: «إِنَّ ابْنَكِ يُقْرِئُكِ السَّلاَمَ وَيَقُولُ: أَطْعِمِينَا شَيْئًا» فَتُرْسِلُ إِلَيْهِ ثَلاَثَةَ أَقْرَاصٍ فِي الصَحْفَةِ، وَشَيْئًا مِنْ زَيْتٍ وَمِلْحٍ، فَلَمَّا وَضَعَهَا رَسُولُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، كبَّر أبو هريرة، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا مِنَ الْخُبْزِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إِلاَّ الأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرَ وَالْمَاءَ» (٣).
ويتمخَّطُ في ثوب من كتان مُمَشَّقٍ، فيقول: «بَخٍ بَخٍ!! يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، يَجِيءُ الجَائِي يَرَى أَنَّ بِيَ جُنُونًا، وَمَا بِي إِلاَّ الجُوعُ» (٤)!!.