كان أبو هريرة عفيف النفس مع فقره، فياض اليد، مبسوط الكف، جوادًا، يحب الخير، ويكرم الضيوف، لا يبخل بما بين يديده، وإنْ كان قليلًا، فلم يحمله فقره على الشح، ولم يجعله دنيء النفس، يتكفَّفُ الناس ..
_________________
(١) " تاريخ الإسلام ": ص ٣٣٨، جـ ٢. رواه البخاري.
(٢) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٤٠، جـ ٢. و" الإصابة ": ص ٢٠٦، جـ ٧.
(٣) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣٩، جـ ٢.
(٤) " طبقات ابن سعد ": ٤: ٢/ ٥٣. و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٢٦، جـ ٢. و" تاريخ الإسلام ": ص ٣٣٥، جـ ٢.
[ ٨٤ ]
بل آثر أنْ يأكل الجوع بطنه من أنْ يأكل هو فتات الموائد، وفضلات الطعام، وفي عسره كله كان ضيف الإسلام وضيف رسول الله وصحبه، حتى إذا ما يسَّر الله عليه لم يجعله غناه قاسي القلب، تحجِّر الفؤاد، بل كان علمًا من أعلام الجود والكرم.
قَالَ الطُّفَاوِيُّ: «نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِالمَدِيْنَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمْ أَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ». (١).
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِي: «قَالَ تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا (٢) فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلاَثًا».
كان أبو هريرة طيِّب الأخلاق، صافي السريرة، يحب الخير، حتى أنه تصدَّق بدار له في المدينة على مواليه (٣)!!.
ويكفيه من الكرم أنْ يتصدَّق بكل ما تيسَّر له، ويظهر هذا فيما يرويه لنا كاتب مروان بن الحكم، قال: بَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ بَعَثَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي غَلَطْتُ، وَلَمْ أُرِدْكَ بِهَا، وَإِنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «قَدْ أَخْرَجْتُهَا، فَإِذَا خَرَجَ عَطَائِي فَخُذْهَا مِنْهُ -». وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا - وَإِنَّمَا أَرَادَ مَرْوَانُ اخْتِبَارَهُ (٤)!!.
ذلكم أبو هريرة في فقره وغناه، في عسره ويسره، كان يفعل كل هذا لا يريد جزاءً ولا شُكُورًا، يبتغي وجه الله بعمله، وكان على ذلك منذ أيامه الأولى في الإسلام، فيوم هاجر مسلمًا إلى رسول الله - ﷺ - في المدينة، كان له غلام قد أبق منه، ولقي أبو هريرة رسول الله - ﷺ -، وأعلن إسلامه، وإذا بغلامه يأتي، فيقول
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٢٨، جـ ٢. و" تاريخ الإسلام ": ص ٣٣٦، جـ ٢.
(٢) " تاريخ الإسلام ": ص ٣٣٧، جـ ٢. و" حلية الأولياء ": ص ٣٨٣، جـ ١. و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣٨، جـ ٢. وأبو عثمان هذا هو عبد الرحمن بن علي بن عمرو بن عدي سَكَنَ الكوفة، أسلم على عهد الرسول - ﷺ - ولم يلقه، وهو ثقة صالح، توفي سنة (٩٥ هـ) وقيل غير ذلك. راجع " تهذيب التهذيب ": ص ٢٧٦، جـ ٦.
(٣) " طبقات ابن سعد ": ٤ " ٢/ ٦٣. و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٢٣، جـ ٢.
(٤) " البداية والنهاية ": ص ١١٤، جـ ٨.
[ ٨٥ ]
رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «هَذَا غُلاَمُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ». فَيَقُولُ: «هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ» فَيُعْتِقُهُ (١).
لقد أعتق أبو هريرة مملوكه قربة لله، فرحًا مسرورًا، وهو أحوج ما يكون إليه، فعوَّضهُ اللهُ خيرًا منه، الإسلام وصُحبة رسول الله - ﷺ -، وفي هذا قُرَّةُ عَيْنٍ له، وسعادة أبدية، تفوق كل سعادة.
وكان يحب أنْ يتصدَّق من ماله، ليشعر بالراحة النفسية، وينال أجره مرتين، قيراط لعمله وآخر لصدقته، يُرْوَى عنه أنه قَالَ: دِرْهَمٌ يَكُوْنُ مِنْ هَذَا - وَكَأَنَّهُ يَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ - أَتَصَدَّقُ بِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مائَةِ أَلْفٍ، وَمائَةِ أَلْفٍ، وَمائَةِ أَلْفٍ، مِنْ مَالِ فُلاَنٍ» (٢).