قال عبد الحسين شرف الدين: «هذه دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله - ﵌ - فأكثر حتى أفرط وروت عنه صحاح الجمهور وسائر مسانيدهم فأكثرت حتى أفرطت أيضًا، ولا يسعنا إزاء هذه الكثرة المزدوجة إلاَّ أنْ نبحث عن مصدرها لاتصالها بحياتنا الدينيَّة والعقليَّة اتصالًا مباشرًا ولولا ذلك لتجاوزناها وتجاوزنا مصدرها إلى ما يُغْنِينَا عن تجشُّم النظر فيها وفيه.
ولكن أسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدِّين وأصوله، فاحتجَّ بها فقهاء الجمهور ومُتَكَلِّمُوهُمْ في كثير من أحكام الله - ﷿ - وشرائعه ملقين إليها سلاح النظر والتفكير.
ولا عجب منهم في ذلك بعد بنائهم على أصالة العدالة في الصحابة أجمعين.
وحيث لا دليل على هذا الأصل كما هو مُبَيَّنٌ في محلِّه بايضاح».
[ ١٦٠ ]
أيَّ إفراط كان من أبي هريرة؟ وهو الحافظ الذي عرفناه، والمُفتي الذي احتاجت إليه الأمَّة، بعد وفاة رؤوس الصحابة، وبقي أبو هريرة مع من بقي في المدينة مرجعًا للمسلمين في دينهم وشريعتهم. بعد أنْ انطلق الصحابة في الأقطار الإسلامية يُعلِّمُون أهلها ويُفَقِّهُونهم. وسنتعرَّض للرد التفصيلي على دعواه هذه فيما بعد، ولكن لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ أبا هريرة لم يكن مفرطًا، بل كان كغيره، من علماء الصحابة، يُسْتَفْتَى فَيُفْتِي، ويُسْألُ فيجيب، فلم يكن مفرطًا في عهد الخلفاء الراشدين ولا بعدهم، إنما وثق به القومُ، وعرفوا مكانته، فوضعوه حيث يستحقُّ، فكم من راحل يقطع المسافات ليرى أبا هريرة. وكم من مُقيمٍ يترك كبار الصحابة ويأتيه في مسألة أو حديث عن رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -. فأبو هريرة لم يكثر من عنده، إنما وثق الناس بحفظه فحرصوا على أنْ ينهلوا منه، فما جريرته في ذلك، وقد شهد بعلمه وحفظه ابن عمر وطلحة بن عُبيد الله والزُبير وغيرهم، حتى إنه قال - عندما استكثروا حديثه - «مَا ذَنْبِي إِذَا حَفِظْتُ وَنَسُوا؟».
وأما أنَّ الصحاح وسائر مسانيد الجمهور قد أفرطت فيما روته عنه، فهذا ظلم وجور، لا نوافقه عليه، ولا يقبله منه إنسان منصف، ولا يُقِرُّهُ عليه عقل راجح، وأنه حُكْمٌ بلا دليل ولا حُجَّة، فإنَّ الصحاح لم تضمَّ بين دفاتها أي حديث إلاَّ بعد بحث وتنقيب وتمحيص، ومقارنة وتحقيق، يتناول حياة الراوي وسلوكه وحفظه، ولا يؤخذ عن إنسان إلاَّ بعد التحقُّق من عدالته، ولم يكتف - ﵃ - بهذا، بل كان العقل محله ودوره واعتباره في التحمل، والأداء وحين الحُكم على الرُواة، وعلى الأحاديث. فكان النقد يتناول الرجال والمتن، ولم يكن النقد خارجيًا فقط، بل كانوا يعرضون الرواية على القرآن والسُنَّة، حتى يتأكَّدُوا من صحة الخبر، وكان منهم من يجمع الأخبار المتعارضة فيسلك طريق الدراسة والموازنة والتوفيق والترجيح حتى يتبيَّن له وجه الحق والصواب، فلم تكتب الصحاح إلاَّ على أسس علميَّة دقيقة، تتناول السند والمتن على السواء.
[ ١٦١ ]
ففي هذا الطعن أخطأ المؤلِّفُ طريقه، وتنكب جادَّة الصواب، واتَّهم المسلمين جميعًا بأنهم لم يعرفوا قيمة الصحاح، وفي هذا إنكار شديد للمنهج العلمي الذي نهجه - ﵃ - للمحافظة على السُنَّة الشريفة، وقد ذاعت شُهرة هذا المنهج وانتشرت في الآفاق، حتى شهد الغرباء عن الإسلام، بل أعداء الإسلام بدقَّة العمل الذي كان عليه حُفاظ الأُمَّة ومُحَدِّثُوهَا، من ذلك ما قاله مرجليوث: «ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم» (١).
ولكن المؤلِّفَ لا يذكر هذا ليعمي على المسلمين طريقهم ويشكِّكَهُمْ في كتبهم المعتمة، قبل أنْ يُدلِي بأية حُجَّةٍ أو أنْ يعرض عليهم بعض بحثه، يريد منا أنْ نُسَلِّمَ له بما يقول ويرى، فنحن كقُرَّاء لا نعرف شيئًا عن أبي هريرة وحديثه، لا يمكننا أنْ نحكم عليه ما لم ندرسه دراسة نزيهة مُحرَّرة، نحكم عليه من خلالها. أما أنْ نكون فريسة خَيَالِهِ وأهوائه فهذا خلاف البحث العلمي، وما عهدنا بحثًا توضع نتائجه قبل مناقشته ومحاكمته، فهذا خلاف المنهج العلمي الذي يَدَّعِيهِ.
ثم إنه يرى ذلك نتيجة طبيعية للأصل الذي أجمع عليه الجمهور، وهو عدالة الصحابة، ويَدَّعِي عدم وجود دليلٍ على هذا الأصل. إلاَّ أننا أثبتنا صِحَّةَ ما ذهب إليه الجمهور وبَيَنَّا الأدلَّة في ذلك (٢) ثم يقول: «لم يكن لنا بُدٌّ من البحث عن هذا المكثر نفسه، وعن حديثه كَمًّا وكَيْفًا لنكون على بصيرة فيما يتعلَّق من حديثه بأحكام الله فروعًا وأصولًا، هذا ما اضطرَّنَا إلى هذه الدراسة المُمْعِنة في حياة هذا الصحابي - وهو أبو هريرة - في نواحي حديثه، وقد بالغت في الفحص، وأغرقت في التنقيب حتى أسفر وجه الحق في كتابي هذا، وظهر فيه صبح اليقين».
لقد تصوَّر أحاديث أبي هريرة موضوعة مكذوبة، وقد تغلغل هذا الوضع في أصول الدين وفروعه، وغفل عنه المسلمون!! لذلك كان من واجبه الدفاع عن الشريعة الغرَّاء، وحمايتها من الأكاذيب والأوهام،
_________________
(١) تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديث عن المقالات العلمية: ص ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٢) انظر ما كتبناه عن عدالة الصحابة وأدلَّة ذلك في هذا الكتاب.
[ ١٦٢ ]
فكان لا بُدَّ له من دراسة أبي هريرة، تلك الدراسة التي كشفت عن وجه الحق - كما يَدَّعِي - إلاَّ أنها دراسة كشفت عن نوايا خبيئة في نفوس أعداء السُنَّة وخصوم الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، دراسة بَيَّنَتْ حقدهم على الصحابة، وعلى أبي هريرة بوجه خاص، ومن يَطَّلِعْ على كتابه هذا، لا يشك في أنه حلقة من سلسلة الأبحاث التي يقوم بها المستشرقون المُتَطَرِّفُونَ، وأتباعهم من المسلمين المُغْرضِينَ، وليس إلاَّ خدمة لأعداء الإسلام، ووسيلة لتصديع جمع المسلمين في وقت كادت كلمتهم أنْ تتَّفق، وأوشكت وحدتهم أنْ تَتِمَّ.
ويرى المؤلِّفُ أنه حَلَّلَ نفسيَّةَ أبي هريرة تحليلًا علميًّا حتى فهم «كُنهَهُ وحقيقته من جميع نواحيه) لندركه بحواسنا كلها.
كما يرى أنه أمعن النظر في حديثه كَمًّا وكَيْفًا فيقول: «فلم يسعنا - شهد الله - إلاَّ الإنكار عليه في كل منهما».
ويكثر الطعن في أبي هريرة وحفظه وكثرة حديثه ويعيب عليه أُمِيَّتَهُ، ثم يقول: «ونحن حين نُحَكِّمُ الذوق الفني والمقياس العلميَّ نجدهما لا يُقِرَّانِ كثيرًا مِمَّا رواه هذا المفرط في إكثاره وعجائبه ص: ب».
وتابع المُؤلِّفُ الحَطَّ من قدر أبي هريرة وأقل ما يقال في الصفحة (ج): «فالسُنَّة أرفع من أنْ تحتضن أعشابًا شائكة، وَخَزَ بها أبو هريرة ضمائر الأذواق الفنية، وأدمى بها تفكير المقاييس العلميَّة، قبل أنْ يُشَوِّهَ بها السُنَّة المُنَزَّهَةَ، ويسيء إلى النبي وأُمَّتِهِ».
أجل لقد وخز أبو هريرة بقول الحق ضمائر من يريدون الباطل، وروى عن رسول الله - ﷺ - ما لا يتَّفق مع أهل الأهواء وعقائدهم، فناصبوه لذلك العداء.
والمؤلِّف ينادي بالذوق الفني، والتفكير العلمي، فأيَّ ذوقٍ علميٍّ يريد وأيَّ تفكير يقصد؟ بعد أنْ أجمعت الأُمَّةُ من لَدُنْ رسول الله - ﷺ - إلى يومنا هذا، على دِثَّةِ الذوق الفني عند المُحَدِّثِينَ في علمهم ومنهجهم، حتى أصبح تَثَبُّتَهُمْ في العلم مضرب الأمثال، لم يتركوا كبيرة
[ ١٦٣ ]
أو صغيرة إلاَّ بَيَّنُوهَا، فعرفوا الصحيح والضعيف والسليم والمعلول، لم تأخذهم في ذلك عاطفة أو هوى، فطبَّقُوا مقاييسهم الدقيقة على الجميع، فكانوا قدوة حسنة في إخلاصهم وأمانتهم، حتى إنَّ الرجل يأبى أنْ يُحَدِّثَ عن أبيه أو أخيه بالرغم من ورعه وصلاحه، ويُبَيِّنَ أمره للناس، من ذلك قول عليٌّ بن المديني في أبيه حين سألوه عنه قال: «سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي»، فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: «هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ» (١).
كما كانوا يأبون أنْ يُحَدِّثُوا من يرتابون في أمره، وإن كان صالحًا أو ذا منزلة ومكانة، من هذا، ما رواه أحمد بن أبي الحواري قال: «جاء رجل من بني هاشم ليسمع من ابن المبارك فامتنع. فقال الهاشمي لغلامه: قُمْ بنا، فلما أراد الركوب، جاء ابن المبارك، ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن لا ترى أنْ تُحَدِّثَنِي وتمسك بركابي .. !!؟ قال: رأيت أنْ أذل لك بذُلِّي، ولا أذلَّ لك الحديث!!» (٢).
هؤلاء جهابذة العلم، ورجال الفن، الذين نقبل حكمهم في أبي هريرة، فلو عرفوا عنه شيئًا ما سكتوا عنه وإنْ كان صحابيًا جليلًا، لأنَّ السُنَّة والشريعة لا تُحَابِي أحدًا.
ولكنهم لم يجدوا ما يأخذونه عليه، بل كان عندهم الثقة الأمين .. على ضوء المقاييس العلمية والأذواق الفنيَّة المُجَرَّدَةِ.
ويتابع الكاتب قوله: «فلا يصح في منطق أنْ نسكت عن هذا الدخل الشائن لجوهر الإسلام، وروحه الرفيعة المُنادية بالتحرُّر والانعتاق من كبول العقائد السخيفة والخرافات التي يسبق إلى الذهن استنكارها، وإذن فالواجب تطهير الصحاح والمسانيد من كل ما لا يحتمله العقل من حديث هذا المكثار». أيُّ دخل شائن لجوهر الإسلام وروحه؟ نحن على استعداد، بل المسلمون جميعًا مُستعدُّون، للدفاع عن الإسلام وتخليصه من
_________________
(١) " الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ التاريخ ": ص ٦٦ وانظر أيضًا قول زيد بن أبي أنيسة في أخيه: " صحيح مسلم بشرح النووي ": ١٠/ ١٢١.
(٢) " تذكرة الحُفاظ ": ١/ ٢٥٥.
[ ١٦٤ ]
الشوائب، ولكن أيَّ خرافات وسخافات في حديث أبي هريرة؟ وهل يريد منا المؤلف أنْ ننظر إلى تلك الأحاديث من زاوية معيَّنة؟ أم أنه يظن أنَّ الأُمَّة بقيت في غفلة من تلك الأوهام والضلالات، طيلة أربعة عشر قرنًا لا تعرف جوهر الإسلام، ولا تميِّزه من خرافاته، لقد طعن في طلائع العلماء وأئمة النقد، واتَّهمهم بالسكوت عن المنكر، وهذا يوجب تأثيم الأمَّة بأجمعها، ولا أظن أحدًا يقول هذا!؟ لقد جعل تلك المواكب المتتالية، والأمواج المتتابعة من أبناء الأمَّة، رجال العلم والبحث، خلال تلك القرون الطويلة، ينسون أو يتجاهلون ما ورد عن أبي هريرة من تلك الخرافات التي - يزعمها المؤلف - ليتسنى له الكشف عن ذلك على يدي بحثه العلمي!!! فينقذ به الأمَّة من قيود الجهل والغفلة!! وقد شعر المؤلف بخطر بحثه فقال: « أقول هذا وأنا أرى وجوهًا تنقبض دوني، ونفوسًا تتقبض مزورة عني. وقد يكون لها بسبب الوراثة والتربية والبيئة أنْ تنقبض وتتقبض أمام حقيقة وضعها البحث على غير ما ألفت من احترام الصحابة واعتقاد عدالتهم أجمعين أكتعين أبصعين، من غير أنْ تزن أعمالهم وأقوالهم بالموازين التي أخذ النبي صلى الله عليه وآله بها أمَّته، لأنَّ الصُحبة عندهم بمجرده ا حرم لا تنال من اعتصم به معرة ولا يمس بجرح، وإنْ فعل ما فعل، وهذا شطط على المنطق وتمرُّدٌ على الأدلَّة» [صفحة: ج].
كيف لا تتقبَّضُ النفوس الصافية عن الباطل؟ وكيف لا يثور المرء المعتدل للحق إذا ديست حرمته؟ إنه يفتري على الصحابة نقلة الشريعة وحفظها، ويريد منا أنْ نكون في بردٍ وسلامٍ!! ثم من هم الصحابة الذين فعلوا ما فعلوا وجعلهم الجمهور معصومين؟ لقد بيَّنْتُ فيما سبق أنَّ من اختلف في عدالتهم من الصحابة لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة .. ومع هذا فقد انتصر ابن العربي وبَيَّنَ الحقَّ وأبطل ما ادَّعَاهُ الخصم.
ثم يتابع قوله مُبَيِّنًا أحوال الصحابة إلى أنْ يقول: «هذا رأينا في حَمَلَةِ الحديث من الصحابة وغيرهم، والكتاب والسُنَّة بَيِّنَتُنَا على هذا الرأي -».
ويقول في هامش [صفحة: د]: «لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يُسَمُّونَهُ صحابيًا حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين».
[ ١٦٥ ]
فالوضَّاعُون لا نعفيهم من الجرح وإنْ أطلق عليهم لفظ الصحابة، لأنَّ في إعفائهم خيانة لله ﷿ ولرسوله ولعباده وعلى هذا فقد اتَّفقنا في النتيجة وإنْ قضى الالتواء في المقدمات شيئًا من الخلاف، فإنَّ الجمهور إنما يعفون أبا هريرة، وسَمُرَةَ بن جُندب، والمغيرة، ومعاوية وابن العاص، ومروان، وأمثالهم تقديساُ لرسول الله لكونهم في زُمرة من صُحبه صلى الله عليه وآله ونحن إنما ننتقدهم تقديسًا لرسول الله ولسُنَّتِهِ صلى الله عليه وآله شأن الأحرار في عقولهم مِمَّنْ فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم». [صفحة: د].
إنَّ بحثه هذا عن أبي هريرة سيُبَيِّنُ مقدار محافظته ودفاعه عن السُنَّة، فالدفاع عن رسول الله - ﷺ -، وتقديس رسول الله - ﷺ - لا يكون في طعن أصحابه وتكذيبهم، والافتراء عليهم، والاستهزاء بهم، وهو القائل: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي» و«احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي» ثم إنه بعد ذلك يُبيِّنُ أنَّ كتابه هذا وضعه مخلصًا للحق، ولا يريد من أحد أنْ يقبض وجهه [صفحة: هـ] ثم يقول: «لا نقصد بهذا الكتاب - شهد الله - أنْ نصدع هذه الوحدة المتواكبة المتراكمة في هذه اللحظة المستيقظة، بل نقصد تعزيز هذه الوحدة وإقامتها على حرية الرأي والمعتقد، لتكون الوحدة على هذا الضوء للغاية وأدلَّ على القصد.
شهد الله أنَّ كتابه معول هدَّامٌ في بناء الوحدة، وعامل لتفريق كلمتها، وتشتيت شملها، وأنَّ حرية الرأي والمعتقد التين يراهما، إنما هما الفوضوية والعصبية والهوى بعينه، تحت أسماء مغرية برَّاقة، فهل الحرية والذوق الفني والكرامة العقلية خاصة بفئة معيَّنة، وخاضعة لمقاييس شخصية تتبدَّلُ حسب الميول والأهواء؟ أم أنَّ الكرامة العقلية والتفكير العلمي مجرَّد الدفاع عن مبدأ مهما كان نصيبه من الصواب والخطأ؟؟ لا أظن أحدًا أنْ يوافق على مثل هذا، فالتفكير العلميُّ والذوق الفنيُّ يكونان على أسس ثابتة لا تتأثر بنزعة أو هوى، أسس عامة شاملة لا تنظر النظرة الخاصة الضيِّقة، أسس مبنيَّة على منهج علميٍّ سليم.
[ ١٦٦ ]
ثم يسرد الكاتب ألوانًا موجزة مما سنعرض له بما يتناسب وهذه الرسالة الموجزة. أتحرَّى الحق، غير منحاز إلى فئة أو متأثر بهوى، أبحث ما جاء في كتابه وأشير أحيانًا إلى ما ذكره بعض الطاعنين في أبي هريرة إذا ما اقتضى الأمر، لاشتراك المؤلف وبعض الطاعنين في فكرة ورأي ..، وستكون هذه الدراسة على ضوء ما عرفناه من حياة أبي هريرة، وعلمه في الباب السابق، ولن أبادل الطاعنين استهزاءهم وازدراءهم لأبي هريرة، بازدراء مثله، ولن أَرُدَّ شتائمهم وسبابهم وافتراءاتهم بمثل ما فعلوا، لأنَّ المنهج العلمي يأبى هذا كله.