ذكر إبراهيم بن سيَّار النظَّام أبا هريرة فقال: أكذبه عمر وعثمان وعَلِيٌّ وعائشة (١) - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
وقال بشر المريسي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» (٢).
قال الأستاذ أحمد أمين: «وقد أكثر بعض الصحابة من نقده - أبي هريرة - على الإكثار من الحديث عن رسول الله - ﷺ - وشَكُّوا فيه، كما يدل على ذلك ما روى مسلم في " صحيحه " أنَّ أبا هريرة قال: " إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وفي حديث آخر: " يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ "» (٣).
وقال عبد الحسين شرف الدين: «أنكر الناس على أبي هريرة واستفظعوا حديثه على عهده، وحسبك أنَّ في مُكَذِّبِيهِ عظماء الصحابة » (٤).
ثم قال:: «وبالجملة فإنَّ إنكار الأجِلاَّء - من الصحابة والتابعين - عليه واتهامهم إياه مِمَّا لا ريب فيه ما تورع منهم عن ذلك أحد حتى مضوا لسبيلهم، وإنما تورَّع الجمهور مِمَّنْ جاء بعدهم إذ قرَّرُوا القول بعدالة الصحابة أجمعين أكتعين أبصعين، ومنعوا من النظر في شؤونهم، وجعلوا ذلك من الأصول المتَّبعة وجوبًا، فاعتقلوا العقول بهذا، وسملوا العيون، وجعلوا على القلوب أكِنَّةً وعلى الأسماع وَقْرًا فاذاهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٥).
_________________
(١) " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٧.
(٢) " رد الدارمي على بشر المريسي ": ص ١٣٢.
(٣) " فجر الإسلام ": ص ٢١٨.
(٤) " أبو هريرة ": ص ٢٦٢ - ٢٦٤.
(٥) [البقرة: ١٨].
[ ٢١١ ]
حاشا ائمة أهل البيت ﵈ فانهم أنزلوا الصحابة حيث أنزل الصحابة أنفسهم فرأيهم في أبي هريرة لم يعد رأي عليٍّ وعمر وعثمان وعائشة وتبعهم في هذا شيعتهم كافة القدماء منهم والمتأخِّرون من عهد أمير المؤمنين إلى يومنا هذا، ولعل جُلَّ المعتزلة على هذا الرأي. قال الامام ابو جعفر الاسكافي ما هذا نصه: " وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية، (قال) ضربه عمر بالدُرَّةِ، وقال: قد اكثرت من الرواية وأحْرَ بِكَ أنْ تكون كاذبًا على رسول الله ﵌ » (١).
رَأْيُ أبي رية: أورد أَبُو رِيَّة بعض الأقوال السابقة، وساق بعض استدراكات الصحابة على أبي هريرة، واستشهد بفقرات لجولدتسيهر و(شبرنجر)، وسرد أقوالًا مختصرة لبعض ما دار بين الصحابة وأبي هريرة لِيُكَوِّنَ من ذلك رأيه في أبي هريرة ويجعله أول راوية اتُّهِمَ في الإسلام (٢).
مِمَّا سبق تتبيَّنُ لنا الشُبَهُ التي أوردها بعضهم على موقف الصحابة من أبي هريرة، وقد ساقوا تلك الشُبه من غير أنْ يُبَيِّنُوا لنا أسبابها، وإنْ بَيَّنَ بعضهم ذلك فإنما يحمل الحادثة على غير محملها.
لذلك سأُبَيِّنُ موقف الصحابة من أبي هريرة وحديثه، وقد اضطر إلى ذكر بعض الأحاديث والأخبار التي دارت بينهم، أو اختلفوا من أجلها، لأكشف عن حقيقة أمرهم من راوية الإسلام، ولا بد لي أنْ أشير إلى أنَّ الصحابة لم يقفوا من أبي هريرة موقفًا خاصًا كما أنهم لم ينظروا إليه من زاوية معيَّنة، أو بمنظار الشك والريبة. ولن أطيل بأكثر مِمَّا يُحدِّدُهُ المقام ويقتضيه البحث.