يقول الكاتب: «كان أبو هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، فاختلف الناس في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا. لا يحاط ولا يضبط في الجاهلية والإسلام. وانما يُعرف بكُنيته. وينسب إلى دَوْسٍ» [صفحة ٢].
أراد أنْ يَغُضَّ من قدر أبي هريرة، ويغمز نسبه لأنه لم يكن معروفًا في الجاهلية، ولاختلاف الناس في اسمه، ومتى كان الاختلاف في اسم إنسان يشينه أو يسقط عدالته؟ ويكفي أنْ نعرفه بكنيته كما عرفنا أبا بكر وأبا عُبيدة وأبا دُجانة الأنصاري، وأبا الدرداء، الذين اشتهروا بكُناهم وعابت أسماؤهم عن كثير من الناس .. ولم نسمع في يوم من الأيام أنَّ الحسب والنسب يقدم صاحبه في المفاضلة العلمية أو يؤخِّرُهُ. ثم إنه اشتهر بكُنيته من صغره وعرفه الناس جميعًا بذلك، فما يضيره أنْ يعرف بكنيته ويختلف اسمه؟ والاختلاف في الاسم طبيعي وبدهي لا في أبي هريرة وحده بل في كل إنسان عرف بكنيته منذ نعومة أظفاره، ولم هذه الحملة وإيهام القارئ بأنَّ اسمه لا يحاط به ولا يضبط؟ ومَرَدُّ الخلاف فيه إلى ثلاثة أسماء (عُمير وعبد الله وعبد الرحمن) كما قال ابن حجر (١) وقد اختلف في
_________________
(١) " الإصابة ": ٧/ ٢٠١.
[ ١٦٧ ]
اسم غيره على أكثر من ذلك ولم ير فيهم عيبًا أو مطعنًا بسبب ذلك!!.
ثم يقول: «وكنى أبا هريرة بِهِرَّةٍ صغيرة كان مغرمًا بها، ولعلَّ من غرامه بها حَدَّثَ عن رسول الله ﵌ أنَّ امرأة دخلت النار في هِرَّةٍ ربطتها» [صفحة ٣ - ٤].
إنَّ أبا هريرة الطفل الصغير الذي كان يرعى غنم أهله، ويداعب هرَّته في نهاره ويضعها في شجرة أثناء الليل، ما كان يظن ولا يتوقَّعُ أنْ تصبح كنيته سبب مهانته وازدرائه، فأيُّ عار لأبي هريرة في كُنيته وأيُّ إثم اقترفه حين لقَّبه أهله بذلك.
ثم نحن أمام زعم خطير من المؤلف، فإما يتَّهمه أنه يضع حديث الهرَّة على رسول الله، أو أنه سمعه فحدَّث به، فإنْ كانت الأولى، فمعاذ الله أنْ يجرؤ أبو هريرة ويكذب على رسول الله - ﷺ - في سبيل هِرَّتِهِ التي رافقته في صغره، ثم إنَّ الحديث قد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والدارمي وابن ماجه. وصحيح أنَّ راويه في مسلم أبو هريرة وحده وأما البخاري فلم ينفرد به أبو هريرة بل رواهُ أيضًا عن رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عمر وأسماء بنت أبي بكر (١)، فهل هؤلاء شاطروا أبا هريرة في كذبه!!؟ أم أنَّ لهؤلاء هِرَرًا حملتهم على وضع مثل حديث أبي هريرة!!!؟ إنَّ الحقيقة تَرُدُّ هذا الافتراض والتخمين الذي تَصَوَّرَهُ المؤلف.
وإذا كان المؤلف يقصد الثانية وهي سماع أبي هريرة الحديث والتحديث به، فأيَّ جريمة يقترفها من يُبَلِّغُ حديث رسول الله - ﷺ -، وهو الذي حضَّ الصحابة على نقل وتبليغ حديثه؟ فهل يؤخذ على أبي هريرة أمر منكر في هذا!!؟ أم أنَّ المؤلف نظر من زاوية خاصة إلى راوية الإسلام فكانت لا تعكس عليه إلاَّ ما في نفسه من الظلمات؟.
نحن في موضع الحكم على صحابي، بل على إنسان له شعوره وكرامته،
_________________
(١) " فتح الباري ": ٥/ ٤٣٩ و" صحيح مسلم ": ٤/ ٢٠٢٣ و٢١١٠.
[ ١٦٨ ]
وحقوقه الاجتماعية - أقول هذا بِغَضِّ الطرف عن مكانه وشرف الصُحبة - والحكم على إنسان مهما كان شأنه صعب يحتاج إلى روية، وبحث وتنقيب، وعقل وتفكير، لأننا إذا طعنَّا فيه يعني ذلك أننا حرمناه من جميع حقوقه الاجتماعية، والثقافية والسياسية وغيرها، ورفضنا كل ما يصدر عنه وتركنا كل ما رواه أو قاله، وإنْ حكمنا بعدالته نكون قد اعترفنا له بكل حقوقه وأقررنا وقبلنا مروياته، ولهذا وجب علينا أنْ نتجرَّد، لنرضي الله ونكون مع الحق الذي أمرنا باتِّباعه وتطبيقه، وإنْ كان في هذا غضب أصحاب الأهواء والغايات.