وصفه بالفقر وأنه من أهل الصُفَّة الذين لا مأوى ولا معين [صفحة: ٥ - ٨] ونسي أو تناسى أنْ يُبَيِّنَ أنَّ أهل الصُفَّة كانوا أضياف الإسلام، وقفوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله وطلب العلم، وكانوا صلة بين الرسول - ﷺ - وأصحابه وعامة المسلمين، فإذا ما أراد أنْ يُبلِّغَ تنزيلًا أو يجمع المسلمين دعا بعض أهل الصُفَّة لينادُوا في المسلمين ويجمعوهم، وكان أكثرهم من المهاجرين وفيهم كرام الصحابة، وكان يحبهم رسول الله - ﷺ - ويكرمهم، وكثيرًا ما كان يأكل معهم.
ثم عرض الكاتب جوع أبي هريرة وفقره، وملازمته رسول الله - ﷺ - بشبع بطنه، وفي هذا كله لم ير براءة أبي هريرة وصفاء نفسه وحُسن سريرته، بل حاول أنْ يعرضه على القارئ عرض الفقير البائس، المنقطع المتشرِّدِ الذي يستجدي الصحابة ويلازم الرسول فقط ليشبعه، لم ير في ذلك حرصه على العلم فيما في يَدَيْ رسول الله - ﷺ -، وصَوَّرَهُ الجائع المتماوت من جوعه، يريد فُتاتَ الموائد، ويطلب الحياة الدنيا، وأغمض الكاتب عينيه عن الروايات الثانية التي تُبَيِّنُ حقيقة ملازمته للرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وزُهده في الدنيا وانقطاعه لخدمة رسول الله - ﷺ - طلبًا للعلم، وقد سأله رسول الله: «أَلاَ تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي أَصْحَابُكَ؟» فقال أبو هريرة: «أَسْأَلُكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ».
ثم ذكر الكاتب ثناء أبي هريرة على جعفر بن أبي طالب لأنه كان للمساكين عونًا يكرمهم ويُواسِيهِمْ، ويختتم هذه الفقرة بقوله: «وما زالت الصُفة موطن أبي هريرة الذي يطمئن إليه ليلًا ونهارًا، لا يأوي إلى ما سواها حتى ارتحل النبي صلى الله عليه وآله من هذه الدار الفانية، ولحق بالرفيق الأعلى، وقبل ذلك لم يقم أبو هريرة بشيء يعود عليه بشبع بطنه سوى
_________________
(١) " حلية الأولياء ": ١/ ٣٨١ و" البداية والنهاية ": ٨/ ١١١.
[ ١٧٣ ]
القعود في طريق المارة ينزع إليهم بجوعه، لا تحفزه مهمة، ولا يذكر في حرب ولا في سلم».
هكذا أراد أنْ يختم الكاتب حياة أبي هريرة في عهد رسول الله، مهينًا ذليلًا يستجدي أكف المارة. أمن العدالة؟ أم من الحق؟ أم من الوجدان العلميِّ والذوق الفنيِّ الذي يَدَّعِيهِ الكاتب أنْ يُصَوِّرَ أبا هريرة بهذه الصورة؟ أبو هريرة الصحابي الذي ترك الدنيا وراءه، وهاجر إلى رسول الله حُبًّا في الإسلام وطاعة لله، ولازم النبي الكريم أربع سنوات لا يريد منه إلاَّ العلم الطيِّب الكثير، أبو هريرة الذي ترك الدنيا لأهلها ووقَّفَ نفسه للعلم وخدمة الرسول - ﷺ - مقابل كلمات يعلِّمُهُ إيَّاها ومواعظ يؤدِّبُهُ بها. أبو هريرة الذي عرفنا عِفَّةَ نفسه وكرم أخلاقه وشهامته يوم أراد عمر أنْ يُوَلِّيهِ على البحرين فأبى أنْ يقبلها بعد أنْ نزعت منه، يُصَوِّرُهُ الكاتب الأمين تلك الصورة التي لا يرضاها له حق بل لا ينفيها الواقع والتاريخ.