يقول الكاتب في [الصفحة ١٤ - ١٥]: «ألممنا بأخبار الخليفتين، واستقرأنا ما كان على عهدهما، فلم نجد لأبي هريرة ثَمَّةَ أثرًا يذكر، سوى أنَّ عمر بعثه واليًا على البحرين سَنَةَ إحدى وعشرين، فلما كانت سَنَةَ ثلاث وعشرين عزله وولَّى عثمان بن أبي العاص الثقفي، ولم يكتف بعزله، حتى استنقذ منه لبيت المال عشرة آلاف زعم أنه سرقها من مال الله في قضية مستفيضة». ويحيلُنا الكاتب إلى " العقد الفريد ".
أما أنه ألمَّ بأخبار الخليفتين، واستقرآ ما كان على عهدهما، فلم يجد لأبي هريرة أثرًا يذكر، فهذا مُجَرَّدُ زعم وادِّعاءٍ، فإنَّ أبا هريرة اشترك في حروب الرِدَّةِ في عهد أبي بكر - ﵁ -، فقد روى الإمام أحمد ما دار بين أبي بكر وعمر عن أبي هريرة وفيه: «فَلَمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ، قَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ
[ ١٧٤ ]
يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: " وَاللهِ لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَلأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَرَأَيْنَا ذَلِكَ رَشَدًا» (١).
وكان يعتزُّ بموقف أبي بكر - ﵁ - ويُثْنِي عليه. فقد أخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «وَالَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَوْلاَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتُخْلِفَ مَا عُبِدَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: مَهْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَّهَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي سَبْعِمِائَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِذِي خَشَبٍ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: رُدَّ هَؤُلاَءِ، تُوَجِّهُ هَؤُلاَءِ إِلَى الرُّومِ وَقَدِ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَوْ جَرَتِ الْكلاَبَ بأَرْجُلِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مَا رَدَدْتُ جَيْشًا وَجَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلاَ حَلَلْتُ لِوَاءً عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَّهُ أُسَامَةَ، فَجَعَلَ لاَ يَمُرُّ بِقَبِيلٍ يُرِيدونَ الارْتِدَادَ إِلاَّ قَالُوا: لَوْلاَ أَنَّ لِهَؤُلاَءِ قُوَّةً مَا خَرَجَ مِثْلُ هَؤُلاَءِ مِنْ عِنْدِهِمْ وَلَكِنْ نَدَعُهُمْ حَتَّى يَلْقَوُا الرُّومَ، فَلَقَوُهُمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، وَرَجَعُوا سَالْمِينَ فَثَبَتُوا عَلَى الإِسْلامِ» (٢).
وفي عهد عمر - ﵁ - اشتغل في طلب العلم والتعليم ورافق أمير المؤمين في حَجِّهِ، وحدَّثه حديث الريح عندما اشتدَّتْ بهم حين لم يذكر أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - آنذاك شيئًا فيها (٣)، كما اشترك في وقعة اليرموك كما أسلفنا، فلم يحمل ذكر أبي هريرة في عهد الخليفتين الراشدين إلاَّ أنَّ الكاتب لم يُلِمَّ بأخبارهما كما ادَّعَى، وأما ولايته على البحرين والرواية التي ذكرها ابن عبد ربه من غير سَنّدٍ، ويستشهد بها المؤلف فيقول: «ثمّ دعا أبا هريرة، فقال له: علمت أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين. ثم بلغني انك ابتعت أفراسًا بألف دينار
_________________
(١) " مسند الإمام أحمد ": ١/ ١٨١ بإسناد صحيح.
(٢) " البداية والنهاية ": ص ٣٠٥، جـ ٦، و" الخلفاء " للسيوطي: ص ٧٤، و" الكامل ": ص ٦٢، جـ ٢.
(٣) " مسند الإمام أحمد ": ٤/ ٥٢١ رقم ٧٦١٩ بإسناد صحيح.
[ ١٧٥ ]
وستمائة دينار. قال - أبو هريرة -: كانت له أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت، قال: حسبت لك رزقك ومؤنتك، وهذا فضل فأده. قال: ليس لك ذلك. قال: بلى والله وأوجع ظهرك، ثم قال إليه بالدرة فضربه حتى أدماه، ثم قال: ائت بها، قال: أحتسبها (١) عند الله، قال: ذلك لو أخذتها من حلال وأدَّيْتَهَا طائعًا، أجئت من أقصى حجر البحرين (٢). يجيء الناس لك لا لله ولا للمسلمين؟ مارجّعَّت (٣) بك أميمة إلاَّ لرعية الحمر» (٤). رأى المؤلف هذه الرواية توافقه فاستشهد بها، ولم يذكر الرواية التي بعدها مباشرة، فليس في تلك ضرب عمر لأبي هريرة، بل فيها رَدُّ أبي هريرة على عمر حين قال له: «يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَسَرَقْتَ مَالَ اللَّهِ؟» قال أبو هريرة: «مَا أَنَا عَدُوُّ اللَّهِ وَلاَ عَدُوُّ كِتَابِهِ، لَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا ».
إنَّ ما استشهد به المؤلف مُجَرَّدٌ من السند، فلو كان لروايته في الأصل سند أمكننا أنْ نتعرَّف من خلاله مقدار صحَّتها، بينما وردت الرواية الثانية التي لم تنص على ضرب عمر لأبي هريرة في مراجع كثيرة جدًا باسانيد صحيحة في " حلية الأولياء " و" طبقات ابن سعد " و" تاريخ الإسلام " و" الإصابة " و" عيون الأخبار "، وقد ذكرت هذا في ترجمته، فهذه الرواية التي استشهد بها المؤلف ترد لأنها تخالف روايات أصح منها. ولو فرضنا صِحَّتها، فإنَّ الرواية الثانية التي تلتها وليس فيها ضرب عمر لأبي هريرة، بل فيها مناقشة أبي هريرة عمر، وبيان طريق أمواله التي جمعها، وردِّهِ اتهامه الذي وجَّهه إليه؛ أقول إنَّ هذه الرواية تُصَحِّحُ ما قبلها، وتُلقِي ضوءًا عليها إذ فيها «فَقَبَضَهَا - الدَّرَاهِمَ - مِنِّي فَلَمَّا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ اسْتَغْفَرْتُ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
».
إنَّ أبا هريرة يستغفر لأمير المؤمنين الذي شاطرهُ ماله، وهو يعلم
_________________
(١) (١ و٢ و٣ و٤) في " العقد الفريد ": ١/ ٣٤: احتسبتها ومن أقصى حجر بالبحرين. ورجعت من غير تشديد الجيم. قال الكاتب في هامش الصفحة [١٥]: «الرجع والرجيع العذرة والروث سُمِّيَا رجيعًا لأنهما رجعا من حالتهما الأولى بعد أن كانا طعامًا وعَلَفًا .. وكلمة الخليفة هذه من أفضع كلمات الشتم». أقول: إنَّ سوء فهم الكاتب للنص وهَوَاهُ جعلاهُ يفسِّرُ هذه الكلمة بما فسَّرَ، بينما الحقيقة ما رجعت أي ما عادت. والنص لا يحتمل أكثر من هذا التفسير. فلم هذا التحامل؟ وهل هذا سبيل الباحث النزيه!!؟.
[ ١٧٦ ]
أنَّ ما أخذه الأمير منه إنما هو عطاياه وأسهمه، ومع هذا لم يحقد على عمر - ﵁ - بل شعر في نفسه أنه مظلوم، فراح يستغفر لأميره ..
هذا إذا اعتبرنا صِحَّةَ الرواية، عِلْمًا بأنَّ الروايات الأخرى تقول: «قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟ قُلْتُ: خَيْلٌ نُتِجَتْ، وَغَلَّةٌ وَرَقِيقٌ لِي، وَأَعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ». فَنَظَرُوا فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَ (١). وفي بعضها: «أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» (٢) وأُرَجِّحُ أنَّ عمر - ﵁ - شاطره ماله، كما شاطر غيرَهُ من الأمراء، إلاَّ أنه لم يضربه، وفي الحقيقة إنَّ ابن عبد ربه يقول: «ولما عزل عمر أبا موسى الأشعريّ عن البصرة وشاطره ماله وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله، وعزل الحارث بن كعب بن وهب وشاطره ماله ودعا أبا موسى ثم دعا أبا هريرة» (٣). وقاسم عمر سعد بن أبي وقاص ماله حين عزله عن العراق (٤)، فعُمَر لم يتَّهِمْ أبا هريرة ولم يشاطره ماله وحده بل تلك كانت سياسته مع وُلاَّته، كي لا يطمع امرُؤٌ في مال الله، ويحذر من الشُبُهات، وكان يعزل وُلاَّته، لا عن شُبْهَةٍ، بل من باب الاجتهاد وحُسْنِ رعاية أمور المسلمين، فلما عزل «المغيرة بن شُعبة عن كتابة أبي موسى، قال له: أعن عجز أم خيانة يا أمير المؤمين؟ قال ك لا عن واحدة منهما، ولكنِّي أكره أنْ أحمل فضل عقلك على العامة» (٥).
وكتاب عمر - ﵁ - إلى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ يؤكِّدُ سياسته مع جميع وُلاَّته وعُمَّاله فقد جاء في كتابه: «سِرْ إِلَى عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ - وكان واليًا على البصرة - فَقَدُ وَلَّيْتُكَ عَمَلَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ تَقَدَمُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الحُسْنَى لَمْ أَعْزِلْهُ اَلاَّ يَكُونُ عَفِيفًا صَلِيبًا شَدِيدَ الْبَأْسِ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَغْنَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ
_________________
(١) " تاريخ الإسلام ": ٢/ ٣٣٨، و" حلية الأولياء ": ١/ ٣٨٠، و" البداية والنهاية ": ٨/ ١١١.
(٢) " طبقات ابن سعد ": جـ ٤، القسم الثاني، ص ٥٩.
(٣) " العقد الفريد ": ١/ ٣٣.
(٤) انظر " طبقات ابن سعد ": ص ١٠٥، قسم ١، جـ ٣.
(٥) " العقد الفريد ": ١/ ٦٠
[ ١٧٧ ]
مِنْهُ فَاعْرِفْ لَهُ حَقَّهُ، وَقَدْ وَلَّيْتُ قَبْلَكَ رَجُلا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ تَلِيَ وُلِّيتَ، وَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَلِيَ عُتْبَةُ فَالْخَلْقُ وَالأَمْرُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ » (١).
أما أنه ضربه فإنه غير معقول لأنَّ عمر - ﵁ - يعرف مكانته ومنزلته، وأما أنه أهانه وقال له: «استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين»، فالواقع يُكَذِبُ هذا لأنَّ جميع المسلمين تحسَّنتْ أحوالهم أيام عمر، وكثر عطاؤهم عندما فتحت البلاد المجاورة فأغدقت عليهم الغنائم والأموال الكثيرة، وإلى جانب هذا لم يرد في الروايات الصحيحة المعتمدة شيء من ذلك.
وهناك ما يدل على عدم اتهام عمر لأبي هريرة، ويدل على استقامته وأمانته، وهو أنَّ أمير المؤمنين عاد إلى أبي هريرة، وطلب أنْ يستعمله ثانية على البحرين فأبى. وأنَّ هذه الرواية تَتِمَّةَ ما نقله الكاتب. إلاَّ أنه حذفها كي لا يظهر بطلان ما يَدَّعِيهِ، ولِيُتِمَّ طعنه في أبي هريرة وفيها «فقال لي بعد ذلك: ألا تعمل؟ قلت: لا. قال: قد عمل من هو خير منك يوسف - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -. قلتُ: يوسف نبيّ وأنا ابن أميمة، أخشى أن يشتم عرضي، ويضرب ظهري، وينزع مالي» (٢). هذا النص تتمة الذي رواه الكاتب وأبى أنْ يثبته للحقد الذي في نفسه على راوية الإسلام، وهذا النص يؤكِّدُ عدم ضرب عمر لأبي هريرة إذ لو صح أنه ضربه لقال له أبو هريرة: لن أعود بعد أنْ شتم عِرْضِي وضرب ظهري. وهكذا ثبتت براءة أبي هريرة مِمَّا تجنَّاهُ عليه الكاتب.