بَيَّنْتُ فيما سبق اعتزال أبي هريرة جميع ما جرى من حوادث بعد استشهاد عثمان - ﵁ -، إلاَّ أنَّ المؤلف يأبى إلاَّ أنْ يعتمد على روايات ضعيفة ليشرك أبا هريرة في بعض الحوادث، وليته يكتفي بذلك، بل يعرض ما يريد مستهزئًا مُزدريًا. فيقول: «خَفَتَ صوت أبي هريرة على عهد أمير المؤمنين، واحتبى برد الخمول، وكاد أنْ يرجع إلى سيرته الأولى، حيث كان هيان بن بيان، وصلعمة بن قلعمة قعدا عن نصرة أمير المؤمنين فلم ينضو إلى لوائه بل كان وجهه ونصحته إلى أعدائه».
[ ١٧٩ ]
ثم ساق رواية واهية مفادها أنَّ معاوية أرسل أبا هريرة والنعمان بن بشير ليفاوضا عليًّا ويأخذا قتلة عثمان إلى معاوية، لتجتمع كلمة المسلمين بعدها. وأقام النعمان بن بشير عند عليٍّ وعاد أبو هريرة إلى معاوية وأخبره بما حدث في محاولتهما. قال المؤلف: «فأمره معاوية أنْ يعلم الناس ففعل ذلك وعمل أعمالًا ترضي معاوية» وهذه الرواية لم ترو بسند صحيح قط ولم أجدها إلاَّ في " نهج البلاغة ".
ثم إنْ صَحَّتْ الرواية فهل يعاب على أبي هريرة أنْ يكون وسيط خير وداعيًا إلى جمع كلمة المسلمين!!؟ وأما ما ذكره ابن قتيبة من قدوم أبي هريرة وأبي الدرداء على معاوية وعليٍّ - ﵄ - ومناصحتهما معاوية لحقن دماء المسلمين ثم اتصالهما بعليٍّ - ﵁ - من أجل قتلة عثمان، فإنها تدل على اعتزال أبي هريرة الفتنة ومحاولة جمع كلمة المسلمين بالرغم من ضعف هذه الرواية (١).
ثم يقول الكاتب: «وحين جد الجد، وحمى وطيس الحرب، ورد على أبي هريرة من الهول ما هزم فؤاده وزلزل اقدامه، وكان في أول تلك الفتنة لا يشك بأنَّ العاقبة ستكون لعليٍّ. فضرب الأرض بذقنه، قابعًا في زاويا الخمول يثبط الناس عن نصرة أمير المؤمنين بما يُحَدِّثُهُمْ به سرًا وكان مِمَّا قاله يومئذ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ» [صفحة ٢٤].
هل بعد هذا النص شك في أنَّ الكاتب متحامل على أبي هريرة؟ إنه يدَّعي البحث العلمي والذوق الفنيَّ، ثم يسيِّرُهُ هواهُ أنَّى يشاء ضاربًا بما ادَّعى عرض الحائط!! ويأبى أنْ يقبل ما دلَّ من النصوص على اعتزال أبي هريرة جميع الحوادث، التي دارت بين عليٍّ ومعاوية - ﵄ -.
ويحاول الكاتب أنْ يستنتج من غزوة بسر بن أرطأة الحجاز واليمن قبول أبي هريرة ولاية المدينة. فيقول: «وفي ختام هذه الفظائع أخذ
_________________
(١) " الإمامة والسياسية ": ٢/ ١٧٥.
[ ١٨٠ ]
(بُسر) البيعة لمعاوية من أهل الحجاز واليمن عامة، فعندها باح أبو هريرة بما في صدره واستراح بُسْرُ بن أرطأة بمكنون سره، فوجد بسر منه إخلاصًا لمعاوية ونُصحًا في أخذ البيعة له من الناس فولاَّهُ على المدينة حين انصرف عنها وأمر أهلها بطاعته» [صفحة ٢٥]. وهذا لم يثبت قط وقد بيَّنْتُ الصواب فيما سبق من حياة أبي هريرة (١).