قال المؤلف: «أجمع أهل الحديث - كما في ترجمته من " الإصابة " وغيرها
_________________
(١) قديمًا أخذ النَظَّامُ على أبي هريرة كثرة أحاديثه وتابعه بعض المعتزلة منهم أبو القاسم البلخي وتعرَّض لذلك في كتابه " قبول الأخبار ومعرفة الرُواة "، وقد رَدَّ ابن قتيبة على النظَّام في كتابه " تأويل مختلف الحديث ": صفحة ٤٨، وبرَّأ أبا هريرة من تُهمة النظام. ومن المتأخرين عبد الحسين شرف الدين في كتابه " أبو هريرة " ونحن نناقشه ذلك، وكذلك " دائرة المعارف الإسلامية " نقلًا عن جولدتسيهر، ومحمود أَبُو رِيَّة في كتابه " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ١٦٢، ويجمعهم جميعهم في ذلك هوى مُتَّبَعٌ ومآرب نفسية تخدم مبادئهم سواء أكانت طائفية أم تبشيرية. وقد تولى الدكتور مصطفى السباعي الرد على المستشرقين وعلى أبي رية في كتابه " السُنَّة ومكانتها في التشريع =
[ ٢٠١ ]
- على أنه أكثر الصحابة حديثًا، وقد ضبط الجهابذة من الحفظة الأثبات حديثه فكان خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين مسندًا، وله في " البخاري " فقط أربعمائة وستة وأربعون حديثًا.
وقد نظرنا في مجموع ما روى من الحديث عن الخلفاء الأربعة فوجدناه بالنسبة إلى حديث أبي هريرة وحده أقل من السبعة والعشرين بالمائة، لأنَّ جميع ما روي عن أبي بكر إنماهو مائة واثنان وأربعون حديثًا، وكل ما أسند إلى عمر إنما هو خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثًا، وكل ما لعثمان مائة وستة وأربعون حديثًا، وكل ما رَوَوْهُ عن عَلِيٍّ خمسمائة وستة وثمانون مسندًا، فهذه ألف وأربع وأحد عشر حديثًا، فإذا نسبتها إلى حديث أبي هريرة وحده - وقد عرفت أنه ٥٣٧٤ - تجد الأمر كما قلناه، فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة، وتأخُّره في إسلامه، وخموله في حسبه، وأميَّته، وما إلى ذلك مِمَّا يوجب إقلاله، ثم لينظر إلى الخلفاء الأربعة، وسبقهم، واختصاصهم، وحصوريهم تشريع الأحكام، وحسن بلائهم في اثنين وخمسين سَنَةً، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول الله - ﷺ -، وتسعة وعشرين من بعده، ساسوا فيها الأمَّة وسادوا الأمم
فكيف يمكن والحال هذه أنْ يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جميعًا؟ أفتونا يا أولي الألباب؟! وليس أبو هريرة كعائشة وإنْ أكثرت أيضًا، فقد تزوَّجها رسول الله - ﷺ - قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين، فكانت في مهبط الوحي والتنزيل ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عامًا، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير».
ثم وازن بينهما في الذكاء والفطنة، ثم قال: «على أنها اضطرت إلى نشر حديثها إذ بثت دعاتها في الأمصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر
_________________
(١) = الإسلامي ". وانظر كتاب " ظلمات أبي رية ": ص ١٦٢، و" الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السُنَّة المحمدية من الزلل والتضليل والمجازفة ": ص ١٥٢. و" المنهج الحديث ": ص ١٥٣ وكتاب " الحديث والمحدِّثون ": ص ١٥٣.
[ ٢٠٢ ]
الجرَّار. ومع هذا فإنَّ جميع ما رُوِيَ عنها إنما هو عشرة مسانيد ومائتا مسند وألفا مسند، فحديثها كله أقل من نصف حديث أبي هريرة.
ولو ضممت حديثها وحديث أم سلمة مع بقائها إلى ما بعد وقعة الطَفِّ وجمعت ذلك كله إلى حديث البقية من أمهات المؤمنين، وحديث سَيِّدَيْ شباب أهل الجنة، وسيِّدة نساء العالمين وحديث الأربعة من خلفاء المسلمين ما كان كله إلاَّ دون حديث أبي هريرة وحده! وهذا أمر مهول الفت إليه أرباب العقول ».
ثم يطعن في حديث الوعاءين، ويستشهد بأقوال أبي هريرة في ذلك، ثم يقول: «قلت: إنَّ أبا هريرة لم يكن من رسول الله - ﷺ - وَلِيَّ عهده، ولا خليفته من بعده، ليؤثره بأسراره، ويُفضي إليه من العلوم ما لم يفض بها إلى أحد من خاصَّته. وما الفائدة بإفضاء تلك الأسرار إليه؟ وهو رجل ضعيف ذو مهانة تمنعه أنْ ينبس في شيء منها ببنت شفة، فإذا نبس رجم بالحجارة، ورمي بالبعر وبالمزابل، وإذا حدَّثَ بشيء من تلك العلوم قطعوا منه البلعوم».
ويستغرب كيف لا يفضي بها إلى الخلفاء من بعده؟ ويرى قول أبي هريرة «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لاَ يَكْتُمُ، وَلاَ يَكْتُبُ» يعارض حديث حفظ الوعاءين، وهو صريح في أنه كان يكتم؛ ثم يستهزئ بما كتم أبو هريرة، ويتساءل: هل أحد الوعاءين من باب الأسرار الإلهية ثم يتساءل عن بعض أحاديث حَدَّثَ بها، وقد وردت في " الصحيحين "، وفهمهما الجمهور من غير لبس، وجميع أهل السُنَّة صِحَّتَهَا، ولكنه أراد أنْ يتهكَّمَ ويسخر من أبي هريرة (١) وإنَّ ضِيقَ تفكيره، وتحامله على اصحاب رسول الله - ﷺ - جعله يفهم هذه الأحاديث فهمًا خاطئًا، ويحملها على غير مواضعها.
ثم يرى حديث أبي هريرة: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» يعارض
_________________
(١) انظر " أبو هريرة ": ص ٥٠ - ٥٢.
[ ٢٠٣ ]
كثرة حديث أبي هريرة، ويرى أنه إقرار صريح من أبي هريرة بأنَّ ابن عمرو أكثر منه حديثًا. وقد بلغ مسند عبد الله بن عمرو (٧٠٠) حديثًا.
ثم يزعم أنَّ العلماء حاروا في أمر أبي هريرة ولم يروا مخرجًا له، اللهم إلاَّ ما علَّله ابن حجر العسقلاني والشيخ زكريا الأنصاري، بأنَّ عبد الله بن عمرو وقطن مصر بينما سكن أبو هريرة المدينة مقصد المسلمين. ومع هذا يرى كلام أبي هريرة صريحًا يحبط تأويل واعتذار القسطلاني والأنصاري.
ويعود ليقارن بين مقام أبي هريرة في المدينة وعبد الله بن عمرو في مصر ويغمز جانب أبي هريرة ويجعله من المتَّهمين عند من يفد إلى المدينة ويقول: «وكثيرًا ما كانوا ينقمون عليه إكثاره على رسول الله فيقولون إنَّ أبا هريرة يكثر الحديث، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدِّثون مثل حديثه ».
وينتهي الباحث النزيه من تحقيقه هذا في كثرة أحاديث أبي هريرة إلى النتيجة الآتية حيث يقول: «والحق أنَّ أبا هريرة إنما اعترف (١) لعبد الله في أوائل أمره بعد رسول الله - ﷺ - حين لم يكن مفرطًا هذا الإفراط الفاحش، فإنه إنما تفاقم إفراطه وطغى فيه على عهد معاوية حيث لا أبو بكر ولا عمر ولا عليٌّ ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين يخشاهم أبو هريرة».
من الغريب أنْ يعجب الكاتب لكثرة حديث أبي هريرة، ومن العجيب أنْ يثير هذا في القرن العشرين!! فهل يعجب من قوة ذاكرة أبي هريرة أنْ تجمع (٥٣٧٤) حديثًا؟ أم يعجب أنْ يحمل هذه الكثرة عن الرسول - ﷺ - خلال ثلاث سنوات؟.
إذا كان يعجب من قوة حافظة أبي هريرة فليس هذا مجالًا للدهشة والطعن، لأنَّ كثيرًا من العرب قد حفظوا أضعاف أضعاف ما حفظه أبو هريرة، فكثير من الصحابة حفظوا القرآن الكريم والحديث والأشعار،
_________________
(١) يشير المؤلف إلى حديث أبي هريرة: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي».
[ ٢٠٤ ]
فماذا يقول المؤلف في هؤلاء؟ ماذا يقول في حفظ أبي بكر أنساب العرب؟ وعائشة - ﵂ - شعرهم؟ وماذا يقول صاحبنا في حماد الراوية الذي كان أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها؟ وماذا يقول فيه إذا علم أنه روى على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات، من شعر الجاهلية دون الإسلام (١)؟ وماذا يقول في حفظ حبر الأمَّة عبد الله بن عباس؟ فحفظ أبي هريرة ليس بدعًا وليس غريبًا وخاصة إذا عرفنا أنَّ تلك الأحاديث الـ (٥٣٧٤) مروية عنه ولم تسلم جميع طرقها. فأبو هريرة لا يتهم في حفظه وكثرة حديثه من هذا الوجه.
وإذا كان المؤلف يعجب من تحمل أبي هريرة هذه الأحاديث الكثيرة عن الرسول - ﷺ - خلال ثلاث سنوات، فقد غاب عن ذهنه أنَّ أبا هريرة صاحب الرسول - ﷺ - في سنوات ذات شأن عظيم، جرت فيها أحداث اجتماعية وسياسية وتشريعية هامة، وفي الواقع أنَّ رسول الله - ﷺ - قد تفرَّغ تلك السنوات للدعوة والتوجيه بعد أنْ هادنته قريش، ففي السنة السابعة وما بعدها انتشرت رسله في الآفاق ووفدت إليه القبائل من جميع أطراف جزيرة العرب. وأبو هريرة في هذا كله يرافق الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، ويرى بعينيه، ويسمع بأذنية، ويعي بقلبه.
ثم إنَّ ما رواه لم يكن جميعه عن النبي - ﷺ -، بل روى عن الصحابة - ﵃ - ورواية الصحابة عن بعضهم مشهورة مقبولة لا مأخذ عليها، فإذا عرفنا هذا زال العجب العجاب الذي تصوره المؤلف.
ومن الخطأ الفاحش أنْ يقارن الخلفاء الراشدون وأبو هريرة في مجال الحفظ وكثرة الرواية. لأسباب كثيرة أهمها:
أولًا: صحيح أنَّ الصِدِّيق والفاروق وذا النورين وأبا الحسن - ﵄ - سبقوا أبا هريرة في صُحبتهم وإسلامهم، ولم يرو عنهم مثل ما روى عنه. إلاَّ أنَّ هؤلاء اهتمُّوا بأمور الدولة وسياسة الحكم، وأنفذوا العلماء
_________________
(١) انظر " الأعلام ": ٢/ ٣٠١.
[ ٢٠٥ ]
والقُرَّاء والقضاة إلى البلدان، فأدُّوا الأمانة التي حملوها، كما أدى هؤلاء الأمانة في توجيه شؤون الأمَّة. فكما لا نلوم خالد بن الوليد على قِلَّةِ حديثه عن الرسول - ﷺ - لانشغاله بالفتوحات لا نلوم أبا هريرة على كثرة حديثه لانشغاله بالعلم، وهل لأحد أنْ يلوم عثمان - ﵁ - أو عبد الله بن عباس لأنهما لم يحملا لواء الفتوحات؟ فكل امرئ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.
ثانيًا: انصراف أبي هريرة إلى العلم والتعليم واعتزاله السياسة، واحتياج الناس إليه لامتداد عمره، يجعل الموازنة بينه وبين غيره من الصحابة السابقين أو الخلفاء الراشدين غير صحيحة، بل ذات خطأ كبير.
ثم إنَّ الباحث يطعن عليه في هذا المجال في حَسَبِهِ ونَسَبِهِ وأمِيَّتِهِ، فهل لهذه النواحي أثر في كثرة الرواية وقلَّتها؟ لم يقل بهذا أحد.
وما رَدَدْنَا به عليه بالنسبة لمقارنته بالخلفاء الراشدين، يرد بالنسبة لمقارنته بالسيدة عائشة - ﵂ -، ونضيف أنَّ السيدة عائشة كانت تُفتي للناس في دارها، وأما أبو هريرة فقد اتَّخذ حلقة له في المسجد النبوي، كما كان أكثر احتكاكًا بالناس من السيدة أم المؤمنين بصفته رجلًا كثير الغدو والرواح. وأضيف إلى هذا أنَّ السيدة الجليلة كان جل هَمِّهَا موجَّهًا نحو نساء المؤمنين، وكان يتعذَّرُ دخول كل إنسان عليها. ومع هذا فإنَّ المؤلف النزيه لم يكفَّ لسانه عنها، بل رأى أنها أكثرت أيضًا!!؟ وهو في هذا يناقض نفسه.
أما أنه يرى حديث أبي هريرة أكثر من حديث السيدة عائشة وأم سلمة وحديث بقية أمهات المؤمنين والحَسَنَيْن وأمَّهُمَا مع حديث الخلفاء الأربعة، فقد سبق أنْ أجبتُ على ذلك، وأضيف أنَّ أم سلمة لم تكن مرجعًا للناس كالسيدة عائشة - ﵄ -، وأما الحسنان فهما صغار الصحابة، وقد اشتغلا في الأمور السياسية، فبدهيٌّ أنْ تكون مروياتهما قليلة، ومثل هذا يقال في سيِّدة نساء العالمين أمُّهُمَا، التي توفيت بعد وفات رسول الله - ﷺ - بستة شهور.
فالأمر ليس مهولًا، يحتاج إلى تفكير أرباب العقول كما ادَّعَى؟؟ وهل يقصد بأرباب العقول النَظَّام والجاحظ!؟.
[ ٢٠٦ ]
إنَّ نظرة مجرَّدة عن الهوى تدرك أنَّ ما رُوِيَ عن أبي هريرة من الأحاديث لا يثير العجب والدهشة، ولا يحتاج إلى هذا الشغب الذي اصطنعه أهل الأهواء، وأعداء السُنن، وإنَّ ما رواه عن رسول الله - ﷺ -، سواء سمعه منه أو من الصحابة لا يشك فيه لِقِصَرِ صُحْبته، بل إنَّ صُحبته تحتمل أكثر من هذا، لأنها كانت في أعظم سنوات دولة الإسلام دعوة ونشاطًا وتعليمًا وتوجيهًا في عهد رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.
أما طعن المؤلف في حدين الوعاءين، وتهكُّمَهُ على أبي هريرة، واستهزاؤه بما في وعائه من العلم الذي لم ينشره، وتساؤله عن ذلك العلم، كل هذا قد طرقه العلماء قبله وبيَّنُوا أنَّ ما عنده مِمَّا لم ينشر لا يتعلق بالأحكام أو الآداب، وليس مِمَّا يقوم عليه أصل من أصول الدين، بل بعض أشراط الساعة، أو بعض ما يقع للأمَّة من الفتن (١) ويدل على ذلك حديثه الذي ذكر بعضه المؤلف الأمين!! ولم يذكر تعليق راويه الذي يبيِّنُ قصد أبي هريرة، قال أبو هريرة: «لَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ مَا فِي جَوْفِي لَرَمَيْتُمُونِي بِالْبَعْرِ». وَقَالَ الْحَسَنُ - رَوِاي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -: «صَدَقَ وَاللَّهِ .. لَوْ أَخْبَرَنَا أَنَّ بَيْتَ اللَّهِ يُهْدَمُ وَيُحْرَقُ مَا صَدَّقَهُ النَّاسُ!!» (٢).
وأبو هريرة ليس بدعًا في قوله. فقد كان رسول الله - ﷺ - يختص بعض أصحابه بأشياء دون الآخرين، من هذا حديثه لمعاذ بن جبل - ﵁ - «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» (٣). وأخبر به معاذ عند موته تأثُّمًا، خوفًا من أنْ يكون قد كتم العلم. ولم يكن معاذ ولِيَ عهده ولا خليفته من بعده، فالأمر لا يحتاج إلى ولاية عهد ولا إلى وصاية، فَلِمَ ينكر الكاتب مثل هذا على أبي هريرة ولا ينكره على غيره؟ ثم ليعرف المؤلف الذي
_________________
(١) راجع ص ١١٩ وما بعدها من هذا الكتاب وراجع " فتح الباري ": ص ٢٢٧، جـ ١ و" الرد على المنطقيين ": ص ٤٤٥ - ٤٤٦.
(٢) " طبقات ابن سعد ": ٤: ٢/ ٥٧ و٢: ٢/ ١١٩.
(٣) " فتح الباري ": ص ٢٣٦، جـ ١.
[ ٢٠٧ ]
أساء كثيرًا إلى أبي هريرة، وشتمه وكال له السِبَابَ كيلًا - أنَّ كتمان أبي هريرة لهذا الوعاء لم يكن لخوفه ألا يسمع الناس له لمهانته وضعفه فيرموه بالبعر وبالمزابل، بل لأنه أرأد أنْ يُحَدِّثَ على قدر عقولهم، وأنْ يخاطبهم بما يفهمون ويعرفون، وبذلك أوصى أمير المؤمنين عليٌّ - ﵁ - (١).
أما قول أبي هريرة: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لاَ يَكْتُمُ، وَلاَ يَكْتُبُ»، فلا يتعارض مع حديث الوعاءين لأنَّ أبا هريرة لا يكتم العلم النافع الضروري، وما كتمه أبو هريرة لم يكن من هذا، بل كان بعض أخبار الفتن والملاحم وما سيقع للناس مِمَّا لا يتوقف عليه شيء من أصول الدين أو فروعه.
- أما استشهاد المؤلف بحديث أبي هريرة: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» وبمرويات ابن عمرو التي لا تتجاوز سبعمائة حديث - على أنَّ ابن عمرو أكثر من أبي هريرة حديثًا، وأنَّ أبا هريرة بذلك يُقِرُّ ويعترف بتقوله على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل - فهو استشهاد في غير موضعه، بُنِيَ على تصوُّرٍ خاطئٍ، وفهم للحديث على خلاف الواقع.
إنَّ الحديث يدل على أنَّ عبد الله بن عمرو كان أكثر أخذًا للحديث من أبي هريرة، لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب. ويحتمل أنْ يكون قول أبي هريرة هذا في حياة الرسول - ﷺ - قبل أنْ يدعو له بالحفظ، وكان يعيده في كل مناسبة تقع له. وإذا استبعدنا هذا الفرض فكل ما في الأمر أنَّ عبد الله بن عمرو حمل من الحديث عن رسول الله - ﷺ - أكثر من أبي هريرة إلاَّ أنه لم يتيسَّرْ له نشره لأسباب نُبَيِّنُهَا بعد قليل.
ولابن حجر رأي أُبَيِّنُهُ فيما يلي: قال: «قَوْله: (فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُب وَلاَ أَكْتُب)
هَذَا اِسْتِدْلاَل مِنْ أَبِي هُرَيْرَة عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَكْثَرِيَّة مَا عِنْد عَبْد اللَّه
_________________
(١) " فتح الباري ": ص ٢٣٥، جـ ١.
[ ٢٠٨ ]
بْن عَمْرو أَيْ: اِبْن الْعَاصِ عَلَى مَا عِنْده: وَيُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ جَازِمًا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحَابَة أَكْثَر حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ ﷺ مِنْهُ إِلاَّ عَبْد اللَّه، مَعَ أَنَّ الْمَوْجُودَ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَقَلّ مِنْ الْمَوْجُودِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَة، فَإِنْ قُلْنَا الاِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع فَلاَ إِشْكَال، إِذْ التَّقْدِير: لَكِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ عَبْد اللَّه وَهُوَ الْكِتَابَة لَمْ يَكُنْ مِنِّي، سَوَاء لَزِمَ مِنْهُ كَوْنَهُ أَكْثَر حَدِيثًا لِمَا تَقْتَضِيه الْعَادَة أَمْ لاَ. وَإِنْ قُلْنَا الاِسْتِثْنَاء مُتَّصِلٌ فَالسَّبَب فِيهِ مِنْ جِهَات:
أَحَدهَا: أَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ اِشْتِغَاله بِالتَّعْلِيمِ فَقَلَّتْ الرِّوَايَة عَنْهُ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ كَانَ أَكْثَر مُقَامُهُ بَعْد فُتُوح الأَمْصَار بِمِصْرَ أَوْ بِالطَّائِفِ وَلَمْ تَكُنْ الرِّحْلَة إِلَيْهِمَا مِمَّنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ كَالرِّحْلَةِ إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة مُتَصَدِّيًا فِيهَا لِلْفَتْوَى وَالتَّحْدِيث إِلَى أَنْ مَاتَ، وَيَظْهَر هَذَا مِنْ كَثْرَة مَنْ حَمَلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ ثَمَانمِائَةِ نَفْس مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَقَع هَذَا لِغَيْرِهِ.
ثَالِثهَا: مَا اُخْتُصَّ بِهِ أَبُو هُرَيْرَة مِنْ دَعْوَة النَّبِيّ ﷺ لَهُ بِأَنْ لاَ يَنْسَى مَا يُحَدِّثهُ بِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا.
رَابِعُهَا: أَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ قَدْ ظَفِرَ فِي الشَّام بِحِمْلِ جَمَل مِنْ كُتُب أَهْل الْكِتَاب فَكَانَ يَنْظُر فِيهَا وَيُحَدِّث مِنْهَا فَتَجَنَّبَ الأَخْذَ عَنْهُ لِذَلِكَ كَثِير مِنْ أَئِمَّة التَّابِعِينَ». اهـ (١).
أضيف إلى هذا أنَّ عبد الله بن عمرو كان ينتقل بين مصر والشام والطائف، وكثيرًا ما كان يتردَّدُ على الطائف ليشرف على الوهط (الكرم) الذي كان لأبيه، وقد ساومه معاوية بن أبي سفيان من أجله على مال كثير فأبى أنْ يبيعه بشيء (٢). وقد عزا التنافر الذي كان بينهما إلى هذه الحادثة (٣).
_________________
(١) " فتح الباري ": ص ٢١٧، جـ ١.
(٢) " الأموال ": ص ٣٠١ وكان هذا الكرم عظيمًا على ألف ألف خشبة.
(٣) قد تكون هذه الحادثة أحد الأسباب للتنافر بينهما، ومشهور عن عبد الله بن عمرو =
[ ٢٠٩ ]
ولا بد هنا من أنْ أبيِّنَ أنَّ عبد الله بن عمرو لم يفسح له مجال التحديث في عهد معاوية وابنه يزيد، لأنه لم يكن على وفاق دائم مع معاوية، وربما منعه معاوية وابنه، من ذلك مارواه الإمام أحمد من طريق شهر قال: «أَتَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَلَى نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ: حَدِّثْ، فَإِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ الْحَدِيثِ»، قَالَ: «مَا كُنْتُ لأُحَدِّثُ وَعِنْدِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ مِنْ قُرَيْشٍ» (١). وقول عبد الله بن عمرو: «إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ الْحَدِيثِ» لا يريد به ما يظنه أعداء السُنَّة أنَّ هذا النهي من رسول الله - ﷺ -. إنما يريد به نهي معاوية وابنه يزيد كما بَيَّنَتْهُ رواية ثانية فيها: فَجَاءَهُ رَسُولُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: أَنْ أَجِبْ، قَالَ: «هَذَا يَنْهَانِي أَنْ أُحَدِّثَكُمَا كَمَا كَانَ أَبُوهُ يَنْهَانِي» (٢) فربما فعل ذلك يزيد أيضًا مخافة أنْ يؤلِّبَ عبد الله الناس على بني أمية. تلك أسباب هامة في قلة ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بالنسبة لما تحمله عن الرسول - ﷺ - تنفي ما زعمه المؤلف من «أنَّ أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في أوائل أمره بعد رسول الله - ﷺ -، حين لم يكن مفرطًا هذا الإفراط الفاحش، فإنه إنما تفاقم إفراطه وطغى فيه على عهد معاوية ». وإنَّ قلة مرويات عبد الله بن عمرو لم تعد تثير أي شك، أو تدخل أية شبهة على مرويات ابي هريرة الكثيرة بالرغم من تصريحه عن كثرة حديث ابن عمرو، بعد أنْ عرفنا تلك الأسباب التي كان لها أثر بعيد في قلة مروياته ..
_________________
(١) = أنه كان قد رَدَّ على معاوية بعد صِفِّينْ رَدًّا قويًا، رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: إِنِّي لأُسَايِرُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمُعَاوِيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو لِعَمْرٍو: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ " - يَعْنِي عَمَّارًا -» فَقَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: «اسْمَعْ مَا يَقُولُ هَذَا»، فَحَدَّثَهُ، فَقَالَ: «أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ؟ إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ جَاءَ بِهِ»!! راجع " مسندا لإمام أحمد ": ص ٦٤، جـ ١٠. وص ١٥٥ و١٥٦، جـ ١١ بإسناد صحيح.
(٢) " مسندا لإمام أحمد ": ص ١٧٢، جـ ١١ رقم ٦٩٥٢ بإسناد صحيح.
(٣) المرجع السابق: ص ١٧٢، جـ ١١ رقم ٦٨٦٥ بإسناد ضعيف.
[ ٢١٠ ]