حَدثنَا القَاضِي أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سهل الْفَقِيه قَالَ ثَنَا أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن أَحْمد الشعيبي قَالَ ثَنَا بكر بن أَحْمد بن سعد قَالَ ثَنَا دَاوُد بن صَالح مستملي مُحَمَّد ابْن سَلمَة قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن فضل قَالَ ثَنَا أَبُو مُطِيع عَن أبي حنيفَة قَالَ دخلت على أبي جَعْفَر أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ يَا ابا حنيفَة عَمَّن أخذت الْعلم قلت عَن حَمَّاد عَن ابراهيم عَن أَصْحَاب عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس ﵃ قَالَ بخ بخ استوثقت مَا شِئْت يَا أَبَا حنيفَة ﵁ الطيبين المباركين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
أخبرنَا أَبُو حَفْص عمر بن إِبْرَاهِيم المقرىء قَالَ ثَنَا القَاضِي ابو بكر مكرم بن احْمَد قَالَ ثَنَا أَحْمد بن عَطِيَّة قَالَ ثَنَا ابْن أبي اويس قَالَ سَمِعت الرّبيع بن يُونُس يَقُول جمع الْمَنْصُور مَالِكًا وَابْن أبي ذِئْب وَأَبا حنيفَة فَقَالَ لَهُم كَيفَ ترَوْنَ هَذَا الْأَمر الَّذِي أَعْطَانِي الله من امْر الْأمة هَل انا لذَلِك أهل فَسكت الْقَوْم فَقَالَ لِابْنِ أبي ذِئْب مَا تَقول فِي الَّذِي قلدني الله من امْر هَذِه الْأمة أمة مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ إِن ملك الدُّنْيَا يؤتيه الله من يَشَاء وَملك الْآخِرَة يؤتيه الله من طلبه من الله ووفقه لَهُ وَإِن التَّوْفِيق إِذا أَطَعْت الله قرب مِنْك وَإِن عصيت بعد
[ ٦٨ ]
وان الْخلَافَة تكون بِإِجْمَاع أهل التَّقْوَى عَلَيْهَا والعون لمن وَليهَا وانت وأعوانك كُنْتُم خَارِجين من التَّوْفِيق عالين على الْخلق فَإِن سَأَلت الله السَّلامَة وَتَقَرَّبت إِلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ الزاكية كَانَ ذَلِك فِي نجاتك وَإِلَّا فَأَنت الْمَطْلُوب قَالَ فَكنت أَنا وَمَالك بن أنس نجمع ثيابنا نَخَاف ان يترشش علينا من دَمه ثمَّ قَالَ لأبي حنيفَة مَا تَقول قَالَ المسترشد لدينِهِ يكون بعيد الْغَضَب إِذا انت نصحت لنَفسك علمت أَنَّك لم ترد الله باجتماعنا وَإِنَّمَا أردْت ان تعلم الْعَامَّة انا نقُول فِيك مَا تهواه مَخَافَة سَيْفك وحبسك وَلَقَد وليت الْخلَافَة وَمَا اجْتمع عَلَيْك نفسان من اهل التَّقْوَى والخلافة تكون عَن إِجْمَاع الْمُؤمنِينَ ومشورتهم فَهَذَا أَبُو بكر يمسك عَن الحكم سِتَّة أشهر حَتَّى أَتَتْهُ بيعَة اهل الْيمن فَقَالَ لمَالِك مَا تَقول قَالَ لَو لم يَرك الله أَهلا لذَلِك مَا قدرلك ملك أَمر الْأمة وأزال عَنْهُم من بعد من نَبِيّهم وَقرب هَذَا الْأَمر إِلَى أهل بَيته أعانك الله على مَا ولاك وألهمك الشُّكْر على مَا خولك وأعانك على مَا استرعاك فَأَمرهمْ فانصرفوا ثمَّ قَالَ لي الْمَنْصُور خُذ مَعَك ثَلَاث بدر وَاتبع الْقَوْم فَإِن اخذها مَالك كلهَا فادفعها إِلَيْهِ وَإِن أَخذ ابْن أبي ذِئْب اَوْ ابو حنيفَة شَيْئا فجئني برأسيهما فَأتيت ابْن أبي ذِئْب فَقلت لَهُ فَقَالَ مَا أرْضى هَذَا المَال لَهُ فَكيف آخذه لنَفْسي وَقَالَ أَبُو حنيفَة مَا أَنْفَع لَهُ إِن كَانَ يُعْطي من يرحم ان يرحم نَفسه مِمَّن يظلم وَالله لَو ضرب عنقِي عَن ان امس مِنْهَا درهما مَا مَسسْته وأتيت مَالِكًا فَأَخذهَا كلهَا فَأتيت الْمَنْصُور فأعلمته فَقَالَ بِهَذِهِ الصيانة حقنوا دِمَاءَهُمْ
أخبرنَا ابو الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الْحلْوانِي قَالَ ثَنَا مكرم بن أَحْمد قَالَ ثَنَا أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن مغلس قَالَ ثَنَا ابْن أبي اويس قَالَ سَمِعت الرّبيع بن يُونُس يَقُول سَمِعت الْمَنْصُور يَقُول للفقهاء وَفِيهِمْ أَبُو حنيفَة أَلَيْسَ الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ صَحِيح الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم فَقَالُوا بلَى فَقَالَ إِن أهل الْموصل شرطُوا ان لَا يخرجُوا عَليّ وَقد خَرجُوا فقد أحل الله لي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فَسكت أَبُو
[ ٦٩ ]
حنيفَة ﵁ وَجعل الْجَواب يكون من غَيره فَقَالَ رجل مِنْهُم يدك المبسوطة عَلَيْهِم وقولك المقبول فيهم فَإِن عَفَوْت فَأهل الْعَفو أَنْت وَإِن عاقبتهم فِيمَا يسْتَحقُّونَ فَقَالَ الْمَنْصُور لأبي حنيفَة مَا تَقول أَنْت يَا شيخ فَقَالَ أَلسنا فِي خلَافَة نبوة وأمان قَالَ بلَى قَالَ إِنَّهُم شرطُوا لَك مَا لَا يملكُونَ وشرطت عَلَيْهِم مَا لَيْسَ لَك فَإِن اخذت مَا لَا يحل فَشرط الله احق ان يُوفى بِهِ فَقَالَ قومُوا فَقَامُوا فَتَفَرَّقُوا ثمَّ أحضرهم فَقَالَ لأبي حنيفَة يَا شيخ إِنِّي فَكرت فِيمَا قلت فَإِذا القَوْل كَمَا قلت انْصَرف إِلَى بلادك وَلَا تُفْتِي النَّاس بِمَا يكون فِيهِ شين على إمامك فتبسط على أَيدي الْخَوَارِج
أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمرَان بن مُوسَى المرزباني قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن يحيى الصولي قَالَ سَمِعت أَبَا خازم القَاضِي يَقُول قَالَ أَبُو حنيفَة كُنَّا نأتي حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان فَلَا ننصرف من عِنْده إِلَّا بفائدة فجئناه يَوْمًا فَلم نفد مِنْهُ شَيْئا إِلَّا أَنه قَالَ إِذا وَردت عَلَيْك مَسْأَلَة معضلة فَاجْعَلْ جوابها مِنْهَا فَحفِظت ذَلِك وانا لَا أرى أَنه شَيْء فَلَمَّا كَانَ بعده بدهر صرت إِلَى دَار الْمَنْصُور فَخرج إِلَى الرّبيع الْحَاجِب ممتحنا فَقَالَ أَفْتِنِي فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُرنِي بقتل النَّفس وَأخذ الْأَمْوَال أعلي فِي طَاعَته شَيْء فَذكرت قَول حَمَّاد فَقلت أَلَيْسَ يَأْمُرك أَمِير الْمُؤمنِينَ بِحَق قَالَ بلَى قلت فافعل إِذا امرك بذلك وَأَنت مأجور
قَالَ مُحَمَّد فَفعل شريك مثل ذَلِك فِيمَا ثَنَا مُحَمَّد بن عَليّ الآخرى قَالَ ثَنَا أَبُو العيناء حَدثنَا الجاحظ قَالَ قَالَ الْمهْدي لِشَرِيك وَعِيسَى بن مُوسَى عِنْده لَو شهد عَنْك عِيسَى كنت تقبله وَأَرَادَ ان يغري بَينهمَا فَقَالَ شريك من شهد عِنْدِي سَأَلت عَنهُ وَلَا نسْأَل عَن عِيسَى إِلَّا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن زكيته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قبلته فقلبها عَلَيْهِ
أخبرنَا أَبُو عبد الله المرزباني قَالَ حَدثنِي عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخسيني قَالَ ثَنَا ابو خازم القَاضِي قَالَ تقلد الْكُوفَة رجل من قبل أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَأَرَادَ أَذَى أبي حنيفَة فَقَالَ وَالله لأسألنه عَن مَسْأَلَة يكون سَبَب لقَتله ثمَّ أحضرهُ على رُؤُوس النَّاس فَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ
[ ٧٠ ]
يَأْمُرنِي بِضَرْب الْأَعْنَاق وَسَفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال وانتهاك الْمَحَارِم أفأطيعه فِي ذَلِك أم أعصيه فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة مَا يَأْمُرك بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ طَاعَة لله ام مَعْصِيَته قَالَ لَا بل طَاعَة لله فَقَالَ لَهُ ابو حنيفَة أطع أَمِير الْمُؤمنِينَ أكْرمه الله فِي كل مَا كَانَ طَاعَة لله وَلَا تعصه وَخرج وَأَصْحَابه على الْبَاب فَقَالَ لَهُم أَرَادَ الرجل ان يرهقنا فأرهقناه فَإِذا أتتكم معضلة فاجعلوا جوابها مِنْهَا
أخبرنَا عمر بن ابراهيم وَعبد الله بن مُحَمَّد قَالَ ثَنَا مكرم بن أَحْمد قَالَ ثَنَا عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد قَالَ خبرت عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل قَالَ بعث الْمَنْصُور إِلَى أبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَشريك فأدخلوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم لم أدعكم إِلَّا لخير وَكتب قبل ذَلِك ثَلَاث عهود فَقَالَ لِسُفْيَان هَذَا عَهْدك على قَضَاء الْبَصْرَة فَخذه وَالْحق بهَا وَقَالَ لِشَرِيك هَذَا عَهْدك على قَضَاء الْكُوفَة فَخذه وامض وَقَالَ لأبي حنيفَة هَذَا عَهْدك على قَضَاء مدينتي وَمَا يَليهَا فَخذه ثمَّ قَالَ لحاجبه وَجه مَعَهم أَو كَمَا قَالَ فَمن أَبى فَاضْرِبْهُ مائَة سَوط فَأَما شريك فَأخذ عَهده وَمضى وَأما سُفْيَان فَقَالَ لعون كَانَ وكل بِهِ هُوَ ذَا أخرج وَدخل منزله فَوضع الْكتاب فِي طاق بَيته وهرب إِلَى الْيمن فَيُقَال أَن هِشَام بن يُوسُف وَعبد الرَّزَّاق سمعا مِنْهُ هُنَاكَ وَيُقَال إِنَّه كَانَ يُحَدِّثهُمْ قَائِما على رجله خشيَة فَحَدثهُمْ أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث فَأَما أَبُو حنيفَة فَلم يقبل الْعَهْد فَضرب مائَة سَوط وَحبس وَمَات فِي الْحَبْس هَكَذَا حَدَّثَنِيهِ عبيد بن إِسْمَاعِيل وَقَالَ عبد الْوَهَّاب سَمِعت مُحَمَّد بن شُجَاع يَقُول سَمِعت شَيخا يكنى أَبَا معشر يحدث بِهَذَا الحَدِيث فَسَأَلت الْحسن بن أبي مَالك عَن ذَلِك فَقَالَ لي هَذَا مَشْهُور من أمره مَا زلنا نتذاكر هَذَا ونتحدث بِهِ قَالَ جِيءَ بِأبي حنيفَة إِلَى الْمَنْصُور فأنزله قَالَ فجَاء الْحسن بن عمَارَة فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا حنيفَة قد احتجت إِلَيْك وَإِلَى رَأْيك الْيَوْم قد أَمر لي بجائزة وَذكر أُلُوف دَرَاهِم فَإِن لم أقبلها خشيت ان أقتل فاحتل لي فِي صرفهَا عني قَالَ وَأمر لأبي حنيفَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَكَانَ الْمُتَوَلِي لإعطاء ذَلِك الْحسن بن قَحْطَبَةَ فَلَمَّا أحس أَبُو حنيفَة بِأَنَّهُ يُرْسل بهَا إِلَيْهِ أصبح لَا يكلم احدا كَأَنَّهُ مغمى عَلَيْهِ فَأتى فِي ذَلِك الْيَوْم بِالدَّرَاهِمِ فجَاء بهَا رَسُول الْحسن بن قَحْطَبَةَ فَدخل بهَا عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ مَا تكلم الْيَوْم بِكَلِمَة فَقَالَ كَيفَ أصنع قَالُوا أنظر مَا ترى
[ ٧١ ]
فوضعها فِي مَسْجِدي فِي نَاحيَة الْبَيْت فَانْصَرف فَمَكثت تِلْكَ البدرة فِي ذَلِك الْموضع فَلَمَّا مَاتَ أَبُو حنيفَة كَانَ ابْنه حَمَّاد غَائِبا فَقدم بعد مَوته فَحمل البدرة فَأتى بهَا بَاب الْحسن ابْن قَحْطَبَةَ فَاسْتَأْذن فَأذن لَهُ فَدخل فَقَالَ إِنِّي وجدت فِي وَصِيَّة أبي إِذا دفنت فَخذ هَذِه البدرة الَّتِي فِي زَاوِيَة الْبَيْت فأت بهَا الْحسن بن قَحْطَبَةَ فَقل هَذِه وديعتك الَّتِي كَانَت عندنَا فأدخلت البدرة فَنظر إِلَيْهَا الْحسن وَقَالَ لَهُ رحم الله أَبَاك لقد شح على دينه إِذْ سخت بِهِ أنفس اقوام كَثِيرَة
أخبرنَا ابو عبيد الله المرزباني قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد الْكَاتِب قَالَ ثَنَا عَبَّاس الدوري قَالَ حدثونا عَن الْمَنْصُور انه لما بنى مدينته ونزلها وَنزل الْمهْدي فِي الْجَانِب الشَّرْقِي وَبنى مَسْجِد الرصافة أرسل إِلَى أبي حنيفَة فجيء بِهِ فَعرض عَلَيْهِ قَضَاء الرصافة فَأبى فَقَالَ لَهُ إِن لم تفعل ضربتك بالسياط قَالَ أَو تفعل قَالَ نعم فَقعدَ فِي الْقَضَاء يَوْمَيْنِ فَلم يَأْته اُحْدُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث أَتَاهُ رجل صفار وَمَعَهُ آخر فَقَالَ الصفار لي على هَذَا دِرْهَمَانِ وَأَرْبَعَة دوانيق بَقِيَّة ثمن تور صفر فَقَالَ أَبُو حنيفَة اتَّقِ الله وَانْظُر فِيمَا يَقُول الصفار قَالَ لَيْسَ لَهُ عَليّ شَيْء فَقَالَ أَبُو حنيفَة للصفار مَا تَقول قَالَ استحلفه لي فَقَالَ ابو حنيفَة للرجل قل وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَجعل يَقُول فَلَمَّا رَآهُ ابو حنيفَة معزما على ان يحلف قطع عَلَيْهِ وَضرب بِيَدِهِ إِلَى كمه فَحل صرة وَأخرج دِرْهَمَيْنِ ثقيلين فَقَالَ للصفار هَذَانِ الدرهمان عوض من بَاقِي تورك فَنظر الصفار إِلَيْهِمَا وَقَالَ نعم فَأخذ الدرهمين فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْمَيْنِ اشْتَكَى ابو حنيفَة فَمَرض سِتَّة أَيَّام ثمَّ مَاتَ
قَالَ ابو الْفضل وَهَذَا قَبره فِي مَقَابِر الخيزران إِذا دخلت من بَاب القطانين يسرة بعد قبرين اَوْ ثَلَاثَة
[ ٧٢ ]