أملى علي معاذ بْن المثنى بْن معاذ بْن معاذ العنبري نسب عبيد الله بْن الْحَسَن، قال: هو عبيد الله بْن الْحَسَن بْن الحسين بْن أبي الحر، وأَبُو الحر مالك بْن الخشخاش بْن جناب بْن الحارث بْن مجفر بْن كعب بْن العنبر بْن عَمْرو بْن تميم بْن مر بْن أد بْن طابخة بْن إلياس بْن مضر ولعبيد الله بْن الْحَسَن قدر وشرف، وله فقه كبير مأثور، وما أقل ما روى من الآثار، وأسند من الحديث.
حَدَّثَنَا أَبُو قلابة عَبْد الملك بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن مسلم الرقاشي، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بْن عامر أَبُو حفص اليماني، قال: سمعت عُمَر بْن الخطاب يقول: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يقول: إِذَا التقى الرجلان المسلمان فسلم أحدهما على الآخر أحسنهما بشرًا بصاحبه، وإذا تصافحا نزلت بينهما مائة رحمة للبادي تسعون وللمصافح عشرة.
[ ٢ / ٨٨ ]
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّد بْن سنان السعدي؛ قال: حَدَّثَنِي حسن بْن علي الخلال، قال: حَدَّثَنِي عفان؛ قال: أتيت عبيد الله بْن الْحَسَن فقلت: أنت راوية عَن الحريري، فأخرجها إلي حتى أكتبها، فَقَالَ لي: عليك بهلال بْن حوقل فإنه أحفظ مني، ثم قال: خير العلم مالكته بلسانك ووعاه قلبك.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عيسى بْن أبي قماش الواسطي، قال: حَدَّثَنَا مثنى بْن معاذ ابن معاذ عَن أبيه، عبيد الله بْن الْحَسَن، عَن خالد الحدا، عَن أبي قلابة؛ عَن قبيصة بْن ذؤيب، عَن أم سلمة؛ قالت: دخل النبي صلى الله عليه على ابني سلمة، وقد غمر فأغمضه.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن أَحْمَد بْن إبراهيم الدورقي، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الواحد ابن عَبْد اللهِ العتكي، قال: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن الْحَسَن العنبري؛ عَن حماد بْن سلمة، عَن يونس بْن عبيد؛ عَن الْحَسَنِعَن ابن عُمَر؛ عَن النبي صلى الله عليه فيما يحكي عَن ربه أنه قال: أيما عَبْد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي، ضمنت إن رجعته رجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له ورحمته، وأدخلته الجنة.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن سعيد الأحول؛ قَالَ: حَدَّثَنَا حمد بْن المنهال؛ أخو حجاج؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن ثابت العنبري؛ عَن عَمْرو بْن دينار؛ عَن ابْن عَبَّاس؛ قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه على بغلة فقال: يا غلام ألا
[ ٢ / ٨٩ ]
أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى يا رسول الله؛ قال: احفظ الله يحفظك، احفظه تجده أمامك، وإذا سألت فاسأل الله؛ وإذا استعنت فاستعن بالله؛ جف القلم بما هو كائن؛ فلو أن أهل السموات جهدوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه؛ وإن النَّبِيّ ﷺ قال: اعمل باليقين؛ واعلم أن اليقين مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر يسرا؛ والذي نفسي بيده لا يغلب عسر يسرين.
حَدَّثَنِي أَبُو حمزة أنس بْن خالد الأنصاري؛ وإبراهيم بْن عَبْد اللهِ بْن مسلم؛ قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري؛ قال: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن الْحَسَن؛ عَن داود بْن أبي هند؛ عَن الشعبي؛ أن عليًا أتى في صلح؛ فقال: إنه يجوز، ولولا أنه صلح لرددته.
حَدَّثَنِي أَبُو أيوب سليمان المديني؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سلام الجمحي؛ قال: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن الْحَسَن القاضي، عَن إسماعيل المكي، يرفعه، قال: قَالَ: النبي صلى الله عليه: إن ملكًا في الهواء يُقَالُ لَهُ: الرها، وكل بالرؤيا، لا يمر بأحد خير ولا شر إِلَّا رأيه في منامه، حفظ من حفظ أو نسى من نسى.
حَدَّثَنِي عبيد الله بْن مُحَمَّد بْن سنان السعدي، قال: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن أبي الأسود؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن مهدي؛ قال: كنت عند عبيد الله بْن الْحَسَن، فذكر حديثًا، فأخطأ فِيْهِ فقلت: ليس هو كما قلت؛ هو كذا وكذا؛ قال: إذن ارجع وأنا صاغر.
حَدَّثَنِي زكريا بْن مُحَمَّد بْن الحلفاي؛ قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن مُحَمَّد التميمي؛
[ ٢ / ٩٠ ]
قال: حَدَّثَنَا سعيد بْن العلا، وكانت أمه بنت عبيد الله بْن الْحَسَن؛ قال: قَالَ: عبيد الله بْن الْحَسَن: إن أردت أن تحفظ الحديث فأكثر من لوك شدقيك. حَدَّثَنِي أَبُو يعلى زكريا بْن يحيى بْن خلاد المنقري، قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: ولي عبيد الله بْن الْحَسَن قضاء البصرة من قبل أبي جعفر؛ سنة ست وخمسين ومائة؛ فلما قدم المهدي البصرة في سنة ست وستين ومائة عزله.
وقَالَ أَبُوْعُبَيْدَةَ: ولاه أَبُو جعفر، في المحرم سنة سبع وخمسين، القضاء والصلاة وعلى الأحداث سعيد بْن دعلج.
أَخْبَرَنِي عبيد الله بْن الْحَسَن المؤدب؛ عَن النميري؛ عَنْ عَبْدِ الواحد بْن غياث، قال: حَدَّثَنِي جناب بْن الخشخاش، قال: حَدَّثَنِي سلام بْن أبي خيرة، قال: لما مات سوار ذكرناه عند عبيد الله بْن الْحَسَن، فترحم عليه، وأثنى عليه فقلنا: من للقضاء بعده؟ فقال: إن ذلك لبين، أَبُو بكر بْن الفضل العتكي، فلما كان بعد ذلك جلسنا إِلَى أبي بكر، فذكرنا سوارًا فترحم عليه، فقلنا من للقضاء بعده؟ قال: وهل يشك في ذلك، ما هو إِلَّا رجل واحد، عبيد الله بْن الْحَسَن قال: فعجبنا من اتفاقهما.
وقَالَ: أَحْمَد بْن معاوية بْن أبي بكر: لما ولاه المنصور قضاء البصرة فأوصاه، يعني في كتابه إليه، فقال: إني قد قلدتك طوقًا مما قلدني الله طوقًا، فأغلقت في عنقك طرفه، وأبقيت في عنقي ربقته، وإني لم آل جهدًا إِذ وليتك، لما ظهر لي منك، من حسن فعلك، وعلى الله إصلاح باطنك، لا أعلم الغيب فلا أخطى، ولا أدعى معرفة ما لم يعلمني ربي، فاتق الله وأطعني إِذَا لم أعد بطاعتي من فوقي، ولا يحملنك خوفي، واتباع محبتي على أن تطيعني في معصية ربي فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، ولا تغنيه عني، إنك حجاب بين الله وبيني، وأمانة مني على رعيتي، قلدتك أحكامهم إن كنت أمامهم، فلا يعدلن الحق عندك شيء، ولا يكونن أحدًا كرم عليك من نفسك سلط الله عليها عزمك قبل تسلطها عليك، في حكمك، قد أبلغتك وما علي إِلَّا الجهد.
[ ٢ / ٩١ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسماعيل بْن يعقوب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سلام، قال: سمعت عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن يقول: رأيت في منامي كأن سوارًا يريدني على تزويج امرأة، ويحملني عليه، قال: والمرأة أمر من أمر الدنيا، فلم يلبث أن جاء عهده على البصرة، فأرسل إلي، فإذا هو في دار من دور الامارة، وأني معه فأرادني على الشرط فتلكأت عليه، قَالَ: ابن سلام: فأنكرت قوله تلكأت، ولم أكن سمعتها، فقلت لأبي عبيدة: تقول تلكأت فقال: لا، تلكيت وتوكيت فرفعت أن عبيد الله لا يقول إِلَّا بعلم، فلقيت يونس فسألته فقال: تلكأت وتوكأت.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب أَبُو سعيد، قال: حَدَّثَنِي سوار بْن عَبْد اللهِ العنبري، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرحمن يعني الحارثي، قال: كنت في منزل صالح صاحب الغسل فجاء يومًا من عند أمير المؤمنين المهدي، وكان نازلًا في دار مُحَمَّد بْن سليمان، فجعل ينتزع بثيابه ويقول: يا أهل البصر قد رأيت الخلفاء وسمعت كلام من يدخل عليهم، لا والله ما رأيت مثل قاضيكم هَذَا قط عبيد الله بْن الْحَسَن، قال: فلما رأى في وجهي القبول قال: أتعرفه؟ قلت: نعم صادقت بيني وبينه، قلت ولم ذلك؟ قال: جاء إِلَى باب أمير المؤمنين وهو يعلم أنه عليه ساخط فتعتع وأنزل عَن حماره، ولقى عنتًا، وأذن له فدخل فسلم، فما رد ﵇ ولا أمره بالجلوس، فكف عنه ساعة ثم رجع إليه ثانية، فقال: يا عبيد الله ابن الحسين أنت الذي سميت صوافي أمير المؤمنين مظالم؟ قال: أتاني كتاب أمير المؤمنين أن أنظر في مظالم أهل البصرة وأسمع من نقبائهم، وأكتب إليه بما ثبت عندي من ذلك ففعلت. قال: كذبت فسكت، فَقَالَ: يا عبيد الله بْن الحسين أَخْبَرَنِي عَن ماء دجلة وماء الخراج، قال: يا أمير المؤمنين خليج من البحر
[ ٢ / ٩٢ ]
شرقيه عجمي، وغربيه عربي، ومجلس أمير المؤمنين على منابت العكرش، قال: يا عَبْد اللهِ بْن الحسين أَخْبَرَنِي عَن المرعاب معسكر المسلمين، قال: يا أمير المؤمنين حَيْثُ نزل المسلمون فهو معسكرهم فإذا رحلوا فمن كان في يده شيء، فهو أحق به، قال: كذبت، ثم قال: يا عبيد الله بْن الحسين أَخْبَرَنِي عَن المرعاب قال، يا أمير المؤمنين من كان في يديه شيء فهو أحق به ومن ادعى شيئًا كلف البينة عليه، وزاد فهَذَا لا أسأل عنه من أين هو لي، قال: كذبت، فسكت عبيد الله ثم قام فخرج.
فزعم علي بْن مُحَمَّد بْن سليمان النوفلي عَن أبيه، وعن أهله، أن أبا العباس أمير المؤمنين كان أقطع سليمان بْن عبيد الله بْن عَبْد اللهِ بْن الحارث ابن نوفل أرضًا في نهر معقل، تنسب إِلَى جراباد خمس مائة جريب، تشرع على نهر معقل، ومسناة مصعب، إِلَى جانب نهر أبي سبرة، كان سليمان بْن عَبْد الملك قبضها عَنْ عَبْدِ الملك بْن الحجاج يوسف، فأتى بنو عَبْد الملك إِلَى عبيد الله في أيام المهدي، فسألوه أن يحتال في ردها إليهم، فقال: إيتوني بكتاب من أمير المؤمنين حتى أحتال لكم، فخرجوا فرفعوا إِلَى المهدي قصة يذكرون فيها أن مُحَمَّد بْن سليمان بْن عبيد الله غصبهم أرضًا وحددوها، فكتب لهم المهدي بكتاب نصه:
إن كان مُحَمَّد بْن سليمان غصبهم كما ذكروا ردت إِلَى أيديهم إِلَّا تكون عند حمد بْن سليمان حجة يدفع بها ما ذكروه، فقدموا بالكتاب على عبيد الله وقد ورد على مُحَمَّد نسخة الكتاب، فأرسل مُحَمَّد بْن سليمان إِلَى عبيد الله يسفر بينه وبينه، فرآه متحاملًا، فانطلق مُحَمَّد إِلَى صاحب البريد، فَقَالَ لَهُ: إن هَذَا الرجل متحامل علي، فاحضر لتكتب بما تسمع، وسأل ذلك سروات أهل البصرة فحضر أكثرهم، فَقَالَ: عبيد الله: قد ورد على كتاب أمير المؤمنين، فهَذَا صاحب
[ ٢ / ٩٣ ]
خبره يأمر برد هذه الضيعة على هؤلاء القوم، لأنك غصبتهم إياها، قال: اقرأ كتاب أمير المؤمنين فهَذَا صاحب خبره، وهؤلاء وجوه أهل المصر، فقرأ الكتاب وترك إِلَّا أن يكون عند مُحَمَّد بْن سليمان حجة، تدفعهم بها، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: لم تتم قراءة الكتاب؟ قال: قد قرأته، قال: قلت الباطل، ثم ضرب بيده إِلَى الكتاب، فانتزعه من يد عبيد الله، ثم قَالَ: يا صاحب الخبر، وأنتم أيها الناس فانظروا ثم قرأ الكتاب فأراهم إياه؛ فَقَالَ لَهُ عبيد الله: أتفعل هَذَا بقاضي أمير المؤمنين، وتجترىء عليه هذه الجرأة، فَقَالَ لَهُ: يا مُحَمَّد إنما كنت قاضيًا لأمير المؤمنين، إِذ كنت له مطيعًا، فأما وأنت تستر من كتاب أمير المؤمنين ما فِيْهِ العدل، والنصفة وتقرأ منه ما فِيْهِ الحمل على، فلست بأهل أن توقر، ولست له بقاض؛ فَقَالَ: عبيد الله: والله لأضعن في عنقك طوقًا من الحكم لا تفكه العيون، أشهدكم أني قد حكمت عليه لولد عَبْد الملك بْن الحجاج، وسلمت إليهم هذه الضبعة قَالَ: مُحَمَّد: والله لتعلمن أن قضاءك لا يجاوز أذنيك، أيها الناس وأنت
يا صاحب الخبر، اشهدوا أن الذي أدفع به ما أدعى هؤلاء القوم من غصب هذه الضيعة، هَذَا السجل سجل أمير المؤمنين أبي العباس، بإقطاعه إياي هذه الضيعة، ثم قرأ بمحضرهم.
وحج تلك السنة المهدي، وحج مُحَمَّد بْن سليمان بْن علي، ووافى مُحَمَّد ابن سليمان بْن عبيد الله فبينا المهدي يطوف بالبيت، ومعه مُحَمَّد بْن سليمان بْن علي إِذ عرض له مُحَمَّد بْن سليمان النوفلي، فطاف معه واستعداه على عبيد الله، وقص عليه ما صنع أجمع، فوقف المهدي حتى استمع كلامه، فغضب المهدي، وقال: أفرغ من طوافي، واكتب في ذلك، فلما فرغ دخل وأذن لمُحَمَّد بْن سليمان، ثم أذن للنوفلي، فدخلت وهو جالس على كرسي، فقال: اردد على كلامك، فرددته فدعا بكاتب، فقال: أكتب:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ،
يا كذا وكذا، فسب، والله الذي لا إله إِلَّا هو لتجلسن في مجلس الحكم، ولتجمعن عليك الناس ثم لتخبرني، أنك خالفت الحق، وحكمت بغيره على مُحَمَّد بْن سليمان، ولتردن
[ ٢ / ٩٤ ]
قضاءك، أو لأرسلن من يأتيني برأسك، فأنت نسبت أبي وعمي إِلَى الظلم والعدوان، وزعمت أنهما أقطعا ما لا يحل إقطاعه لهما، فقدمت بالكتاب، وأمر مُحَمَّد بْن سليمان بْن علي أن يجمع الناس فحضرهم المسجد، فلم يتخلف أحد، فدفعت الكتاب بحضرة صاحب الخبر، فَقَالَ: عبيد الله: أشهدكم أني قد قبلت كتاب أمير المؤمنين، وفسخت حكمي. ي، فطاف معه واستعداه على عبيد الله، وقص عليه ما صنع أجمع، فوقف المهدي حتى استمع كلامه، فغضب المهدي، وقال: أفرغ من طوافي، واكتب في ذلك، فلما فرغ دخل وأذن لمُحَمَّد بْن سليمان، ثم أذن للنوفلي، فدخلت وهو جالس على كرسي، فقال: اردد على كلامك، فرددته فدعا بكاتب، فقال: أكتب بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، يا كذا وكذا، فسب، والله الذي لا إله إِلَّا هو لتجلسن في مجلس الحكم، ولتجمعن عليك الناس ثم لتخبرني، أنك خالفت الحق، وحكمت بغيره على مُحَمَّد بْن سليمان، ولتردن قضاءك، أو لأرسلن من يأتيني برأسك، فأنت نسبت أبي وعمي إِلَى الظلم والعدوان، وزعمت أنهما أقطعا ما لا يحل إقطاعه لهما، فقدمت بالكتاب، وأمر مُحَمَّد بْن سليمان بْن علي أن يجمع الناس فحضرهم المسجد، فلم يتخلف أحد، فدفعت الكتاب بحضرة صاحب الخبر، فَقَالَ: عبيد الله: أشهدكم أني قد قبلت كتاب أمير المؤمنين، وفسخت حكمي. وكان مُحَمَّد بْن سليمان بْن علي مغيظًا على عبيد الله بْن الْحَسَن، لأنه بلغه أنه وقف ببابه، فاحتجب فقال:
وما خير باب يكظم الغيظ دونه وإن نلته لم تنقلب بفتيل
حَدَّثَنِي أَبُو زكريا يا بْن يحيى بْن خلاد المنقري؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: حَدَّثَنَا أَبُو عاصم النبيل؛ قال: حَدَّثَنِي عَمْرو بْن الزبير الصيرفي؛ قال: كنت مع عبيد الله بْن الْحَسَن في دار الديوان، فأتاه رسول لابن دعلج، في تسعة رهط من الجند، وعبيد الله يتوضأ فسأله عنه فأَخْبَرَنَاه أنه يتوضأ، فأقام حتى جاء عبيد الله وعليه دثار صغير قد توشح به، فدفع القائد إليه كتاب ابن دعلج، فقرأه فإذا فيه، أن أمير المؤمنين يأمر بحمل الأموال التي لا تعرف أربابها إِلَى بيت المال، فقرأ عبيد الله الكتاب ثم قَالَ: للرسول: انصرف فأنا أجيبه؛ قال: لست ببارح حتى تجيبه؛ فقال: اذهب فقل له: والله لو تسألني درهمًا ما أعطيتك؛ فَقَالَ: الرسول: خالع والله لآتينه برأسك؛ قال: وتآمروا بينهم حتى أشفقنا على عبيد الله، وهو ساكت، وقد كادوا يوقعون به، إِلَى أن فتح الله واحدًا منهم؛ فقال: وما أنتم؟ فهَذَا إنما نحن رسل؛ فأبلغوا جواب الرجل، فإن أمرتم بعد بشيء تقدمتم له، قال: فدفع الله وانصرف القوم، فسألنا عبيد الله؛ فَقَالَ: كنت بطلب أموال الحشرية، ثم أرسل إِلَى عَبْدِ اللهِ بْن عُثْمَان الحكم الثقفي، فأتاه.
قَالَ: أَبُو عاصم؛ فأَخْبَرَنِي عُثْمَان بْن الحكم؛ قال: أتيته وهو مهموم؛ فقلت:
[ ٢ / ٩٥ ]
مالك؟ فقال: أتاني كتاب ابن دعلج بطلب أموال الحشرية؛ فقلت: لا والله ولا درهمًا؛ فقلت: أفرطت في الجواب؛ أفلا دافعتهم، وألنت في القول؟ قال: فقد كان ذاك؛ فهل من حيلة؟ فخرجت حتى جئت ابن دعلج، وهو مغيظ ويزفر فلما رأني قال: ألم تر إِلَى هَذَا الخالع القاضي؟ فقلت: من هو؛ وتجاهلت؛ قال: عبيد الله بْن الحسين إليه، فقال: كذا وكذا، والله لأكتبن إِلَى أمير المؤمنين ولأفعلن ولأفعلن، قلت: ذاك أشد عليك، كتبت إِلَى أمير المؤمنين أتثنى عليه فلما ولاه تكتب تذمه، إذن يقول لك أمير المؤمنين: ما أوقعني فِيْهِ غيرك؛ قال: صدقت والله، فما الرأي؟ قلت: أن تحسن أمره، وتدافع عنه؛ قال: ففعل وزال عَن عبيد الله.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أبي بحر؛ قال: فحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن موسى، صاحب اللؤلؤ، قال: قضى عبيد الله بْن الْحَسَن على عَبْد المجيد مولى بني قشير بقضية، وكان جلدًا عضب اللسان، فتظلم إِلَى أمير المؤمنين فكتب إِلَى عامل البصرة أن يجمع له الفقهاء، فنظر في قضيته، فإن كانت صوابًا أمضاها، فنظروا فرأوها صوابًا، فأمضاها فكان عَبْد الحميد رجلًا من عبيد الله، يخافه فسألني أدخله عليه خاليًا، فأتيته يومًا وقد أسرجت بغلته، ولبس ثيابه، فاستأذنت فأذن؛ وقال: ما كانت هذه من ساعاتك؛ فما بدا لك فقلت: عَبْد المجيد، وقد ألح علي يسألني أن أدخله عليك خاليًا؛ فقال: أنا أعلم ما يريد فأبلغه ما أقوله لك، فإنه سيقبل ويرضى، هو رجل كثير الخصومات، وقد فعل ما فعل، فهو يخاف أن أحمل عليه وأجزيه بما فعل، وبالله لقد جئت ذلك من نفسه، فاستحللت أن أجلس مجلسي هَذَا يومًا واحدًا؛ فأبلغته فقبل.
حَدَّثَنِي أَبُو يعلى المنقري، قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: كتب المهدي إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن، أن ينظر الأنهار التي كانت أيام عُمَر وعثمان، فيأخذ الصدقة ويأخذ من الأنهار التي أحدثت بعد ذلك الخراج، فلم ينفذ كتابه فتوعده، فلما
[ ٢ / ٩٦ ]
بلغ الخبر عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، جمع أشراف أهل البصرة أهل العلم بالقضاء، فأشهدهم أنه قضى لأهل الأنهار كلها التي في جزية العرب بالصدقة فلم يرد شيئًا من القضاء. أَخْبَرَنِي غير واحد، منهم أَبُو عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن بْن أَحْمَد، أن أَحْمَد بْن عبيد الله بْن الْحَسَن العنبري دفع إليهم كتابًا؛ ذكر أن أباه عبيد الله بْن الْحَسَن كتب به إِلَى المهدي، وقرأه أَحْمَد بْن عَبْد اللهِ عليهم بسر من رأى؛ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ؛ أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين ومد له في اليسر والعافية، إني رأيت، وإن كنت أعلم أن الله قد أعطى أمير المؤمنين وصالح وزرائه من العلم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما سلف من الأئمة ما قد استحق به الشكر له عليه، والعمل له به، وكنت أعلم أني بكثير من الأمور غير عالم، ولا كفران لله، بل لله علي المن والفضل العظيم، وله مني الشكر والحمد الكبير على كبير نعمه علي، أني أذكره الذي علمه الله من ذلك وأنهى إليه النصيحة فيما علمت، بأدبه مني إليه إن شاء الله بحق الله علي في ذلك، وحق أمير المؤمنين ونصيحته مني له وللرعية رجاء أن ينسى الله بذلك حسبًا، ويمحو عني بذلك سببًا، وإياه أسأل ذلك وأرغب إليه فِيْهِ في توفيقه أمير المؤمنين وإياي لما يحب ويرضى، وإن نسبة هَذَا الأمر الذي جعله الله سبيلًا لإيمان المؤمنين وإسلامهم، واجتماع جماعتهم وائتلاف ألفتهم، وأمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليستتموا نعمة ربهم عليهم، وليبلغوا تمام المدة التي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٥٥﴾
جرت بإذن الله بأعذاره بآياته إِلَى خلقه، واستخلافه منهم أنبياءه ورسله المرسلين والخلفاء الراشدين والأئمة الفقهاء الصديقين منا من الله على عباده، وإحسانًا إليهم، وعائدة منهم،
[ ٢ / ٩٧ ]
وعطفًا عليهم، وإبلاغًا منه بالحجة إليهم ليعَبْدوا الله، لا يشركوا به شيئًا، وليشكروه ولا يكفروه، وليستقيموا إليه، ويستغفروه وليأخذوا ما آتاهم من ذلك بقوة، ويجتمعوا عليه، ولا يفترقوا فيه، فجرب، أصلح الله أمير المؤمنين، سنة أولى ذلك الأمر ذلك بأنهم قاموا بنور الكتاب الذي أنزل الله، وأمالهم على ألسنتهم، وأيديهم، ولمن يتبعهم عليه، فنعم التابع، ونعم المتبوع، وهنيئًا لهم أجرهم، وجزاءهم بما كانوا يعملون، وأنهم هم الهداة المهتدون، والأئمة العائدون، الأشراف الأكرمون، والمتواضعون المرتفعون، والعلماء الخلفاء المعتصم بهم، والمعصومون، وأنهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وكرم أولئك أئمة وأخوانًا ورفقاء، فإنهم هم أعز الله هَذَا الدين وأظهره، وبهم أقام عموده، وأنهج سبيله، وبهم يقذف للناس أحكامه، حتى أخذ لضعيفهم من قويهم، ولمظلومهم من ظالمهم، ولصغيرهم من كبيرهم، ولبرهم من فاجرهم، وحتى استقامت سبلهم وحيى فيهم ودرت حلوبتهم وسكنت البلاد واستقرت العباد، وبهم ثبت الله ثغورهم، ونفى عنهم عدوهم، وأورثهم: ﴿أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب: ٢٧﴾ فعظم بذلك على العباد حقهم وألزمهم بذلك محبتهم، والنصيحة لهم، وما برحوا بذلك مقسطين في حكمهم، منيبين إِلَى ربهم، مقتصدين في سيرهم، توابين من خطاياهم، أوابين إِلَى خالقهم، مستكينين له متضرعين إليه، في فكاك رقابهم، وفي عصمتهم والمغفرة لهم، حتى رضى عنهم وأحسن الثناء عليهم،: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ [١٠] الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠-١١﴾ قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: ٦٣﴾ حتى قَالَ: في آخر هَذَا الثناء: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [٧٥] خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:٧٥-٧٦﴾
في آي من القرآن كثير حتى قال: هَذَا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ولِعُمَرَي ما فعل القوم ما فعلوا من ذلك عبثًا، ولا بطرًا،
[ ٢ / ٩٨ ]
ولا لعبًا، ولا لغوًا، ولكنهم نظروا فأبصروا، وأبصروا فأنصفوا، وأنصتوا وهربوا، وأدركوا واداركوا فنجوا بعد ما شف الهرب والطلب أجسامهم، وغبر ألوانهم، وأسهر ليلهم وأحمض نهارهم، وكف ألسنتهم، وأسماعهم وأبصارهم، وجوارحهم، عَن مظالم الناس، وسائر معاصي الله، وحتى قتل الهم والطلب كثيرًا منهم على البيع الذي بايعهم الله به، واشتروا به أنفسهم منهم، فأحياهم بقتله إياهم، فربحوا كثيرًا وأنالوا جسيمًا، وفازوا فوزًا عظيمًا، وانقلب باقيهم بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم، قرت العيون في ولايتهم وقوماتهم وعيشهم علينا، وسكنت له النفوس فاطمأنت له القلوب، وعز لذلك عند فراقهم فقدهم، وحسب البلاد ومن بعدهم، فطوبى لتلك الأوراح الطيبة أرواحًا، وطوبى لتلك الأجساد الطاهرة أجسادًا، وطوبى لمن تبعهم بمثل عملهم وكان لهم تابعًا ووليًا، وطوبى لهم، ما أحرص المسارعين إِلَى الخيرات على إتباعهم، وأقل التابعين لهم بمثل هديهم، وسيرتهم، وأعزبهم فيمن هو بين ظهرانيه من الناس، وأولئك كانت النوائب فيهم نوائب الدهر، هي النوائب حق النوائب، فأولئك عليهم من ربهم الصلوات والرحمة، وأولئك هم المهتدون فبهداهم وسيرتهم فليقتد المقتدون، وبهديهم فليهتد المهتدون.
وإن قيام أمير المؤمنين بهذه الخلافة وافق من الناس جهدا جاهدا، وعظما كبيرا، (وصحًا تهتكًا) ورأوا رجاء منهم عظيما، وأملا له وتأميلا منهم فِيْهِ سديدًا أن يكون لهم إمامًا عدلًا، وحكما مقسطًا يهدي فيهم بمثل هدي أولئك ويسيرفيهم بمثل سيرهم، فيؤتى بمثل أجورهم أجل الفوز العظيم، إِلَى الدرجات العلى في جنات النعيم، وعاجلًا من التمكين والنصر والفلاح، والعافية والسلامة، والمحبة من رعيته، والنصيحة منهم بعطفه عليهم ورأفته بهم ورحمته لهم وإنصافه
[ ٢ / ٩٩ ]
إياهم وإشباعه عليهم حتى يجبر الله منهم العظم الكسير ويسد به حاجتهم وخلتهم وقد يحمد الله رأوا من ذلك تباشيره ما قرت به العيون، وثلجت به الصدور، ورجوا به تمام ذلك وتمام نعمه عليهم، ولِعُمَرَي يا أمير المؤمنين فالأمر في هؤلاء الناس لمن وليهم، العائد عليهم لنفعه، السعيد هديه الذي لا مصرف له عنه إِلَى ما هو خير له منه في دينه ودنياه، بل الذي لم يول أمورهم إِلَّا بالعدل فيهم وإقامة الحق بينهم عليهم ولهم، وما منزلته التي استخلفه الله لها فيهم إِلَّا كمنزلة الوالد الرءوف الرحيم لولده، والحريص على رشدهم وريبهم، العزيز عليه عيبهم، وفسادهم، العفو عَن سببهم، الساتر لعرورتهم، الآخذ بما لا يجمل تركه، وما منزلته فيهم التي يقوى بها على أمورهم، إن شاء الله، إِلَّا منزلة من لا يقر به إليه ولا غنى به عنه، وقد آتى الله أمير المؤمنين من سلطان النعمة لدينه، والمعونة له والحجة عليه خصالًا عظمت بها المنة عليه، وعلى رعيته فيه، من السمع والطاعة والسكون، والاستقامة وصلاح ذات البين، وما يوسع الله به على يديه إن شاء الله على الجماعات والبيضة مع موضعه الذي وضعه الله من رسوله ﷺ، والخلفاء وأن ليس بالذي قصر به تقارب سر، فلم يبق إِلَّا الشكر، وأن يأمر فيطاع، وقد علم أمير المؤمنين أنه قد كان يقال: ليوم من إمام عدل خير من عبادة ستين سنة، ففي مثل ذلك يا أمير المؤمنين فليتنافس المتنافسون من الولاة، وقد علم أمير المؤمنين أن حمل عليه في هذه الرعية خصال أربع: الثغور، والأحكام، والفىء، والصدقة، وأن مما تصح بهذه الخصال الأربع بإذن الله خصلتان: فأما الثغور فقد علم أمير المؤمنين أن قوامها بإذن الله أهل النجدة والشجاعة، من أهل الحنكة والتجربة، وأن مما يصلح أولئك ما استعين بهم أن يسبغ عليهم وعلى جندهم من العطاء والأرزاق، وأن لا يوكلوا إِلَى ما يصيبون من غنائمهم، بل يجلب لهم ولجندهم عندما يحدث الله لهم وعلى أيديهم من ذلك العطاء، والألطاف، ويخص بجمال ذلك أهل النجدة والبأس
[ ٢ / ١٠٠ ]
والنكاية في العدو منهم، ويسمو بهم إِلَى أفضل غايتهم ويعرف ذلك لهم، ويذكرون به، ويحفظ لهم، ويحفظون به في أعقابهم من بعدهم بواجب حقهم، وليتنافس في ذلك من سواهم وليستنصروا به ثم لا يحجب لهم بقبولها ولو طرق طروقًا، فقد بلغني أن بعض الفقهاء التابعين رفع الحديث؛ قال: لا يزال لهذه الأمة طعمة ما بيتت ثغورها، فإذا بيتت من قبل ثغورها بينت طعمها أو انقطعت مدتها، وهنالك يطعن الرجال فيهم، فالثغور الثغور يا أمير المؤمنين، ثم الثغور الثغور يا أمير المؤمنين، فإن الثغور حصون بإذن الله للعباد، وسكن للبلاد، وقرار لهذه الأمة ليبلغوا منافعهم وصلاحهم في دينهم ودنياهم، ولتتم لهم مدة بقاء معالم دينهم آمنين مطمئنين وفي ذلك يا أمير المؤمنين بلاء من الله في نعمه عليهم وإحسانه إليهم عظيم، والأجر في ذلك لمن ولاه إقامتهم، والورد فِيْهِ على حسب ذلك، فعصم الله أمير المؤمنين من سيء ذلك، ووفقه لأحسنه.
وهذه الأحكام والحكام ولا يمنعني ما أنا بسبيله، فلما أن أنهى إِلَى أمير المؤمنين، بمبلغ علمي، النصيحة له في ذلك، فإني أعلم أن بقائي فيما أنا فِيْهِ قليل إما بفراق في الحياة،، وإما بموت، فإن أكبر ما أحض عليه من ذلك يكون لسواي، فأما الأحكام فإن الحكم بما في كتاب الله ثم بما في سنة رسول الله ﷺ، إن لم يوجد ذلك في كتاب الله، ثم ما أجمع عليه الأئمة الفقهاء إن لم يوجد ذلك في سنة رسول الله ﷺ، ثم اجتهاد الحاكم، فإنه لا يألو إِذَا ولاه الامام ذلك، مع مشاورة أهل العلم.
فأما الحكام، فقد علم أمير المؤمنين، إن شاء الله، أدنى مأموله أن يكون في الحاكم الورع والعقل، فإن أحدهما إن أخطأه لم يقمه أهل العلم، واختيار خيار ما يشار به عليه في ذلك فإن كان له مع ذلك، فهم وعلم من الكتاب والسنة، كان بالغًا فإن كان مع ذلك ذا حكم، وصرامة وفطنة بمذاهب الناس، وغوامض أمورهم التي عليها يتظالمون فيما بينهم وبها يقارعونه عَن دينه ودنياه، كان ذلك هو الكامل
[ ٢ / ١٠١ ]
التام، فإذا وجد أحد أولئك استعين به ثم ثبتت لعله وأعلى كعبه، وشد ظهره وأزره، وأنفذ حكمه، وأسبغ عليه، وعلى أعوانه وكتابه من الأرزاق، فإن الحكم مهيمن على سائر الأعمال مقدم بين يديها إمام لها، وحكم عليها، وقوام لها.
ومن ذلك هَذَا الفيىء، وأخذه من مواضعه بسنته، وعدله على قدر ما يطلق أهله من التخفيف عنهم، وحتى يترك لهم ما يصلحهم وأرضهم، ومن تحت أيديهم من أعوانهم وعيالاتهم، وحتى ينفق على فقيرهم، وكذلك بلغني من السيرة فيهم، كان يفعل ويذكر ذلك فيهم، في عامهم لقابلهم؛ فإن ذلك أعُمَر للبلاد، وأدر للحلب وأكثر للخراج، وأعدل في الرعية فإن قليل ما يوجد منهم في التخفيف عليهم مع عمارة بلادهم، وأنصبتهم أكبر أضعافًا كبير ما يوجد منهم في التخفيف عليهم مع عمارة بلادهم، وأنصبتهم أكبر أضعافًا كبير ما يوجد منهم في إهلال أنفسهم، وإخراب بلادهم وأن يوفى لموادعهم بشروطهم، فإني أرى فيما قبلي ههنا عجبي من أمرين في شيء واحد، أما أحدهما فإني آتي في بعض ما قبلنا الأرض التي هي منها وإِلَى جنبها وأربية من أرابيها، يوفى لأهلها بالشروط وفي المزارعة ويقارب لهم الوفاء، فيخرج من الخراج أكبر مما تخرج تلك الكور كلها.
وفي الأمر الآخر الذي كتب فِيْهِ أمير المؤمنين أَبُو جعفر إِلَى سوار بْن عَبْد اللهِ، وهو يومئذ على قضاء البصرة، إني قد أمرت بالوفاء للمزارعين المتقبلين بشروطهم فاعلم ذلك وأعمله الناس قبلك، ثم أرى الرجل من أولئك المزارعين يشكو أنه يؤخذ منه أضعاف ما قوطع عليه، يا أمير المؤمنين أبي جعفر ثم يوضع هَذَا الفىء، بعد استخراجه، على سننه وعدله مواضعه، فإن أمير المؤمنين قد علم
[ ٢ / ١٠٢ ]
إن شاء الله أن أهله ومواضعه أهل الآيات الأربع التي في سورة الحشر، وآية الخمس التي في سورة الأنفال، وهي الآيات الأربع التي أولاهن: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: ٧﴾ وقد عرف أمير المؤمنين إن شاء الله، أن أهل هذه الآية ومواضعها، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨﴾
ليس فيهم الأنصار ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩﴾ لآية.
وقد عرف، إن شاء الله، أن أهل هذه الآية هم الأنصار، ليس فيها من المهاجرين أحد، قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠﴾ وعرف، إن شاء الله، أن أهل هذه الجماعة من بقى من الاسلام، ومن هو داخل فِيْهِ حتى تنقضي الدنيا.
وبلغني أن عُمَر بْن الخطاب فسر هؤلاء الآيات الثلاث موضعًا لهَذَا الفىء، وكذلك بلغني عَن عُمَر بْن عَبْد العزيز، ولا أظن بلغني ذلك إِلَّا عَن عُمَر بْن الخطاب، فتبعه فهَذَا الفىء كذلك بينهم وفيهم على ما يرى إمام العامة في قسمته بينهم من تفضيل بعضهم على بعض على مناقبهم، وسابقتهم، وولاية من ولى الله فتح أول ذلك على يديه منهم، وحفظ أعقابهم من بعدهم، وكذلك بلغني أنه كان يفعل.
والتسوية بين من استوت منازلهم ممن سواهم من الناس من ذلك، وقد بلغني، ولا أخال أمير المؤمنين، أمتع الله به، إِلَّا قد علم ذلك وبلغه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخذ من ذروة سنامى بعير بين أصبعه شعرات ثم قال: مالأمير
[ ٢ / ١٠٣ ]
ولا مأمور مما أفاء الله عليهم مثل هَذَا إِلَّا الخمس والخمس مردود عليكم، وقال: ولو كان ما أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعمًا ما وجدتموني فِيْهِ بخيلًا ولا أدابًا وهذه الصدقات أخذها من واضعها لا يجاوز بشر فريضة إِلَى ما فوقها، ولا يقتصر بها إِلَى ما دونها، ولا يغلى عليها قيمتها، ولا إخال أمير أمير المؤمنين إِلَّا قد بلغه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: المعتدى بالصدقة كما نعها، وأن يوجد من الحروب والثمار وسائر الأموال التي جرت فيها الصدقات على سننها التي قد علمها المسلمون، وعملوا بها؛ وأن يؤخذ من تجار أهل الذمة ضعف ما يؤخذ من تجار المسلمين.
فكذلك بلغني أن عُمَر بْن الخطاب أمر به في أموال تجار أهل الذمة وأنه أمر أن يؤخذ من تجار الحرب إِذَا قدموا على المسلمين، كنحو ما يأخذ أهل الحرب من تجار المسلمين إِذَا قدموا عليهم، ووضع هذه الصدقات في مواضعها من أهل الصدقة الذين أمر الله بهم في كتابه، لا يجاوز بها إِلَى غيرهم، ولا يقصر بها دونهم يوم تدلك الآية التي في براءة، وهي "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٦٠] تقسم بين هذه الآية على ما يرى الإمام من قسمتها بينهم على قدر قلة كل صنف منها وكثرته، ولا يعدل صدقة عَن أهل بلدها إِلَّا أن يستغنوا عنها، أو يستغنوا بما يقسم فيها منها في عامهم ذلك إِلَى حين يقسم الصدقة فيهم من قابلهم، فإذا كان كذلك عدلت عنهم عامهم ذلك إِلَى أدنى من يليهم من الفقراء على نحو من ذلك القسم
[ ٢ / ١٠٤ ]
فهذه الخصال الأربع التي يعلم أمير المؤمنين أنها هي جمل الأعمال في رعيته، ويعلم أن ليس لأحد في كتاب الله ولا في شيء من سنة من رَسُوْلُ اللهِ ﷺ من أمر رأى ألا الانقياد له، والمجاهدة عليه، وما سوى ذلك من الأمور التي تبتلى بها الأئمة مما يؤتى فِيْهِ الناس مما لم يحكم القرآن ولا سنة النَّبِيّ ﷺ فإن ولي أمر المسلمين، وإمام جماعتهم لا يقدم فيها بين يديه، ولا يقضى فِيْهِ دونه، بل على من دونه رفع ذلك إليه، والتسليم لما قضى.
وأما الخصلتان اللتان تصلحان بهم بإذن الله إن شاء الله؛ فالمسألة لأهل الذكر، والأمانة عَن قاضي عمال أمير المؤمنين، ودانيهم، ثم اللحاق بكل ما هو أهله من جزاء المحسن بإحسانه وتأديب المسىء منهم بإساءته، أو عزله والاستبدال به على قدر ما يستحقون من التأديب والعزل.
ومما يصلح ذلك، أصلح الله أمير المؤمنين، ويقود به الوالي على أمره ألا يستكثر من الْحَسَن شيئًا عمل وإن كثر، فإنه ليس شيء من حسن عمل به أمرؤ، وإلا ونعمة الله عليه في ذلك خاصة أكثر، وحق الله عليه فيه، وفيما سواه أعظم وأوجب، وليس العباد، وإن حزموا وجدوا، ما نعى كنه حق الله عليه، إِلَّا ما أعان الله ورحم، وألا يستقل من الْحَسَن شيئًا فيدعه، فإن المحسن مسرور بما هو مفروض عليه من حسن عمله، قليله وكثيره، وإن الْحَسَنة إِلَى الْحَسَنة حسنات، و: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:١١٤﴾
ولا يحقر مع ذلك من مسيء شيئًا وإن ت قَالَ: في عينه، فإنه ليس شيء من السيء بقليل، وليس شيء منه إِلَّا وهو مخوف سر عاقبته إِلَّا ما أعان الله وتجاوز، ثم لا يؤخر عمل اليوم لغد فإنه إِذَا كان ذلك تدراكت الأعمال وشغل بعضها عَن بعض، ثم المبادرة بالعمل في العامة وفي خاصة النفس الخصال الست، التي لا إخال أمير المؤمنين إِلَّا وقد
[ ٢ / ١٠٥ ]
علمهن، وبلغه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر بمبادرتهن بالعمل، طلوع الشمس من مغربها، والدجل، ودابة الأرض، وخويصة أحدكم، وأمر العامة فإنه لا يؤمن أحدها أن تصبح وتمسي، وذلك ما لا أخاله، ألا وقد بلغ أمير المؤمنين من قول النبي ﷺ، بعثت والساعة كهاتين؛ وجمع بين أصبعيه الوسطى، والتي تليها، وقوله: إن ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كعابر يومكم هَذَا فيما مضى فيه، والشمس حينئذ على رؤوس الجبال، ومن آخر يومه ذلك، وقوله: وكيف أنعم، وصاحب القرن قد التقمه، وقد حبا جبينه وأصغى بسمعه، وقدم قدمًا، وأخر قدمًا، وينتظر متى يؤمر أن ينفخ فينفخ، وقوله: إنما مثلي ومثل الساعة كقوم بعثوا ربيئة لهم يربأ العدو، فأبصروا العدو فخاف أن يسبقوه إِلَى أصحابه، والذي ينوبه ونادى يا صباحاه فكيف، وقد أتى دون
[ ٢ / ١٠٦ ]
هَذَا القول ما أتى من القرون والسنين، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكون بحضرته قوم منتخبون من أهل الأمصار، أهل صدق وعلم بالسنة، أولو حنكة وعقول وورع لما يرد عليه من أمور الناس، وأحكامهم، وما يرفع إليه من مظالمهم فليفعل فإن أمير المؤمنين؛ وإن كان الله قد أنعم عليه وأفضل بما أفاد من العلم بكتابه وسنته، رد عليه أمور هذه الأمة أهل شرقها وغربها، ودانيها وقاصيها، فيشغله بعضها عَن بعض، ففي ذلك عون صدق على ما هو فِيْهِ إن شاء الله، وقد قَالَ: الله ﷿ لنبيه ﷺ، والوحي ينزل عليه، وهو خير وأبقى وأبر وأعلم ممن سواه من الناس: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عِمْرَان: ١٥٩]
وقَالَ: للقوم وهو يصف حسن أعمالهم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الشورى: ٣٨﴾ وذلك إِلَى ما قد سر الناس مما بلغهم من بروز أمير المؤمنين لهم وبحاجاتهم، ورجوا أن يتم الله ذلك لأمير المؤمنين، بمباشرته أمورهم، وصبره نفسه على ذلك لهم، وأن يزيده الله قوة ورغبة فِيْهِ ومواظبة عليه، فإن ذلك من أعلام العدل، وآياته ومما يقوم به الولي على أمر الرعية، ويخلص به إِلَى التي يريد المبالغة فيها، والمباشرة لها، فتمم الله ذلك لأمير المؤمنين، ويسره له وأرجو أن يكون طائره إِلَى ذلك علمه بعدله، ودينه وقوته ونظره، لنفسه واختياره لها خيار الأمور وأحسنها. وأنى قد عرف ما قيل في إغلاق الباب دون ذوي الحاجة، والخلة والمسكنة.
أسأل الله لأمير المؤمنين رحمته وسعة فضله وأن يجعل ولايته ولاية معدلة، ويرزقه معافاة، وأن يلهمه العطف على الرعية، والرأفة بهم، والرحمة لهم وأن يرزقه منهم السمع والطاعة، وأن يجمع كلمتهم، ويلم شعثهم.
وكتب الحكم في صفر سنة تسع وخمسين ومائة.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الحكم عَن النميري، عَن خلاد بْن يزيد، ومُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ، وحماد الثقفي، أن المنصور أبا جعفر، لما توفى، خرج عبيد الله بن
[ ٢ / ١٠٧ ]
الْحَسَن إِلَى المهدي ليعزيه عَن المنصور؛ ويهنئه بالخلافة؛ واستخلف على البصرة حمزة بْن عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن بْن أبي الْحَسَن البصري؛ فلما قدم على المهدي قَالَ لَهُ: كم رزقك؟ قال: مائتان فأضعفها له.
قَالَ: مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ: فلربما سمعته ينادي وهو في بيته: يأخذ كل يوم ثلاثة عشر درهمًا ودانقين ولا يجلس لنا.
قَالَ: خلاد: وأعد عبيد الله كلامًا حسنًا يكلم به المهدي؛ فلما تكلم به أعجب الناس كلامه فَقَالَ: لشبيب بْن شيبة: إني والله ما ألتفت إِلَى قول هؤلاء ولا إِلَى حمدهم كلامي فاسأل أبا عبيد الله، فإنه يعقل ما يقول؛ فأتاه شبيب بْن شيبة فقال: كيف رأيت تميمينا هَذَا؟ أَحْمَدته؟ فقال: ما كان أحسن كلامه وأثبت مقامه. أخذ من مواعظ الْحَسَن؛ ورسائل غيلان؛ فلقح منهما كلامًا أحسن تأليفه والقيام به؛ فأخبر شبيب عبيد الله؛ فقال: والله ما كذب.
وقالوا: وكان عبيد الله بْن الْحَسَن فصيحًا يتكلم بالغريب ويعرب.
حَدَّثَنِي أَبُو يعلى المنقري، قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قَالَ: حَدَّثَنَا خالد بْن الحارث؛ قَالَ: تقدمت امرأة إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن؛ فقالت أصلح الله القاضي إن زوجي لا يجامعني عندك؛ أفأكفله؟ فَقَالَ لَهَا المنادي: اسكتي لا تسفهي بين يدي القاضي؛ فَقَالَ لَهُ القاضي: اسكت، ثم أقبل عليها فقال: إن لم يحضر معك عافاك الله فكفليه.
حَدَّثَنِي عبيد الله بْن أَحْمَد بْن حنبل، قال: حَدَّثَنِي أبي قال: حَدَّثَنَا عفان قال: سمعت عبيد الله بْن الحسين صلى بنا الجمعة فقرأ: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:١٠﴾ .
[ ٢ / ١٠٨ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن خلاد، قال: حَدَّثَنِي جناب بْن الخشخاش العنبري؛ قال: نسى عبيد الله بْن الْحَسَن يومًا قمطر القضاء، وركب، فَقَالَ لَهُ معاوية الضال، ما فعلت؟ القمطر فقال: قمطر البنة، قال: والله ما دري ما البنة قال: تعلم والله أنك جاهل باللغة أما سمعت قول ذي الرمة:
بنة في ملعب من عذارى الحي مفصوم
أنى قد نبهتنا عليه، قال: فشغلته والله بالأدب عَن التوبيخ أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم، قال: وزعم لي العتبي، قال: تقدم رجل إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن يشهد على آخر هلال رمضان، أوله وآخره، فَقَالَ لَهُ عبيد الله: خافقًا أو زاهقًا، قال: أما خافق فلا والله ما كان بي بول، وأما زاهق فما أدري؛ والخافق ما كان يلقاك والزاهق ما انعطف.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب أَبُو سعيد، قال: حَدَّثَنِي أَبُو هشام الأموي، قال: تقدم إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن العنبري رجل من آل المهلب، فأمر به فأقيم بعنف فلما ولى ناداه المهلبي: ادع لي أصلحك الله، فأمر به فرد إليه، وظن أنه قد أغفل حجته، فلما جلس بين يديه، قال: أصلح الله القاضي، لقد فعلت بي شيئًا لو كنت من الحرماز ما زاد، فَقَالَ لَهُ: وما بال الحرماز؟ هو المعروف النسب
[ ٢ / ١٠٩ ]
غير المجهول، هو الحر بْن مالك بْن عَمْرو بْن تميم، أهو شر من شك، وذهبان وشر من طابخة وزهران، وشر من الحت وعرمان؛ خذها وقم.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم اليماني، قال: زعم لي العتبي، قَالَ: تقدم إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن القاضي أعرابي فادعى على رجل حقًا، فجحده، فاستحلفه، فلما حلف وثب عليه الأعرابي فضربه؛ قال: فنظرت إِلَى عبيد الله قد رفع حواشي ثوبه وهو يقول:
رأيت زهيرًا تحت كلكل خالد
حَدَّثَنِي عَمْرو بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الحكم أَبُو حفص؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن دينار عَن مهدي بْن سابق؛ قال: اشتكى عبيد الله بْن الْحَسَن قاضي البصرة، فبعث إِلَى ابن أعين الطبيب؛ فقال: يا أعين أنه أهدى إِلَى رغيدة في فلجة، فأكلته فأصابني علوصة؛ فَقَالَ: أعين: أصلح الله القاضي، خذ حبقة ويقق ويفق؛ قال: ويلك ما حبق ويقق ويفق؛ قَالَ: أعين: وما رغيدة في فلجة فأصابتك علوصة؛ قال: أهدى لي زبد في سكرجة فأكثرت منه فأصابني مغص وثقلة، قال: خذ صعترًا وحب الرمان فهو جيد.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عايشه؛ قَالَ: حَدَّثَنِي رجل من بني ليث؛ قال: شهد عند عبيد الله بْن الْحَسَن رجل بشهادة، فكتب اسمه ولم يحله ليخبره، فجرى ذكر أبيات الأسود بْن يعفر النهشلي:
ولقد علمت سوى الذي أنباتني أن السبيل سبيل ذي الأعواد
أن المنية والحتوف كلاهما توفي المخارم يرقبان سوادي
لن يأخذا مني وقار هنية من دون نفسي طارفي وتلادي
فعصيت أصحاب الصبابة والصبا وأطعت عاداتي وبعد قيادي
[ ٢ / ١١٠ ]
ماذا أومل بعد آل محرق تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسيدير وبارق والقصر ذي الشرفات من سنداد
الأبيات؛
فَقَالَ: النهشلي: ومن يقول هَذَا الشعر؟ فَقَالَ: عبيد الله بْن الْحَسَن: الأسود بْن يعفر، قال: ومن الأسود بْن يعفر؟ قال: رجل من قومك، له مثل هَذَا النبه، وهذه الحكمة، لا تعرفه يا حكم؛ خله حتى أسأله عنه؛ فأني أراه ضعيفًا.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن خلاد؛ قال: حَدَّثَنِي جناب بْن الخشخاش، قال: تقدم معاوية الضال على عبيد الله بْن الْحَسَن في دم، فقال: أو ما سمعت ما قَالَ: أخوك الأخطل: إِلَّا دم القوم أنقل؛ فَقَالَ: معاوية: الحمد لله الذي أظفر بك، وكيف يكون رجل نصراني بدوى لي أخًا، فقال: تعلم والله أنك جاهل بكتاب الله، أما سمعت الله يقول: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ [الأحقاف:٢١﴾
[ويقول]: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [الأعراف:٧٣﴾ .
أَخْبَرَنِي أَبُو الهيثم خالد بْن أَحْمَد بْن حماد بْن عَمْرو الذهلي، قال: حَدَّثَنَا حامد بْن عَمْرو البكراوي قاضي كرمان؛ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن محرز الضبي، عَن عبيد الله بْن الْحَسَن العنبري؛ قال: أتيت الخليل بْن أَحْمَد؛ فَقَالَ: من أنت؟ فقلت من الباطنيه، وإن الناس قد اختلفوا قبلنا في الكلام، فقال: بعضهم: كلام الناس مخلوق، وقَالَ: بعضهم: ليس بمخلوق، فَقَالَ لي: هَلْ تنصر الحق؟ قلت: نعم، قال: فأي حرف في الكلام أخف؟ قلت:"با" لا يتكلم بها لسانك
[ ٢ / ١١١ ]
أنما نحرك بها شفتيك، قال: صدقت؛ فأي حرف في الكلام أثقل؟ فقلت: ها ونخرجها من جوفك؛ قال: صدقت فهل تستطيع أن تخرج با من موضع ها؛ وها من موضع با؟ قلت: لا، قال: فاعلم أن كلام الناس خلق الله.
أَخْبَرَنِي أَبُو يعلى زكريا بْن يحيى بْن خلاد؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قَالَ: خطب عبيد الله بْن الحسين بالبصرة على منبرها فأنشد في خطبته شعرًا:
أين الملوك التي عَن حظها غفلت حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حماد بْن جميل، قال: كان عبيد الله بْن الْحَسَن العنبري إِذَا جلس في مجلس القاء يقضي بين الناس تمثل:
لنا مجلس طيب ريحه به الجل والأس والياسمين
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزيد الثمالي والنحوي؛ قال: كان بين عبيد الله بْن الحسين وبين ابن عَائِشَة شيئًا؛ فلقيه ابن عَائِشَة في طريق فقال:
طمعت بليلى أن تريغ وأنما تقطع أعناق الرجال المطامع
فَقَالَ: عبيد الله بْن الْحَسَن:
وبايعت ليلى في خلاء لوم يكن شهود على ليلى عدول مقانع
وكان عبيد الله مزاحًا شديد المزح مع الفضل والعلم.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن القاسم بْن خلاد، قال: حَدَّثَنِي ناب بْن الخشخاش؛ قال: قلت لعبيد الله: أن وكيلًا لي قد خانني كيت وكيت، قَالَ: أشعره لي بشاهدين، أكفيك مؤونته.
وأَخْبَرَنِي أَبُو خالد يزيد بْن مُحَمَّد المهلبي قال: حَدَّثَنِي أبي قال: سأل عبيد الله ابن الْحَسَن العنبري عَن رجل، فرمى بالغلمان، فقال: أفارس أم رامح.
قال: وسأل عَن بعض أمنائه، وقد انقطع عنه، فقالوا: اشتهر بغلام، فَقَالَ: أي غلام؛ قالوا: ابن فلان الذي يمر على بابهم بمكان كذا وكذا؛ قال: قد رأيته وهو بدال.
[ ٢ / ١١٢ ]
وذكر عُمَر بْن شيبة، عَن أخيه معاذ بْن شيبة، قال: كان تنازع إِلَى عبيد الله ابن الْحَسَن امرأة جميلة، فأخبر أن كلثوم الدارع تزوجها، فلما كان بعد ذلك تقدمت إليه أخرى جميلة في خصومة، فأقبل على كلثوم، فقال: شرطك يا كلثوم.
قال: وحَدَّثَنِي منصور بْن عَبْد اللهِ بْن منصور، عَن أبيه، قال: كان عبيد الله يكثر أن يقول في مجلسه للحصوم ده درين سعد القين فَقَالَ: لرجل ذلك، تقدم إليه قد طالت خصومته عنده فقال: لا أدري ما ده درين سعد القين، أنا أنازع إليك منذ سنتين، ما قطعت شعرتين، ولا فتت بعرتين.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سعد بْن الْحَسَن الكراني، قال: حَدَّثَنِي النضر بْن عَمْرو،
[ ٢ / ١١٣ ]
قال: أَخْبَرَنَا شيخ من بلعنبر عَن أبي المقرن العَبْدي الربعي، قال: قَالَ لي: عبيد الله بْن الْحَسَن العنبري من الذي يقول؟:
بأي بلاء يا ربيع بْن مالك وأنتم ذنابي لا يدين ولا صدر
قال: قلت ما يصنع بهَذَا؟ ولعلك أن تكون تعرفه من الذي يقول:
أكلت أسيد والهجيم ومازن أير الحصان وخصيتيه العنبر
قال: فَقَالَ: العنبري: هَذَا بذاك والبادي أظلم.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن خلاد، قال: أتى رجل عبيد الله بْن الْحَسَن، فَقَالَ: أيها القاضي افهم عني كلمتين، قال: هات، قال: أحسن القاضي أصلحه الله، قال: هذه أربع كلمات.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم، قال: حَدَّثَنِي بعض مشايخنا، قال: سأل رجل عبيد الله ابن الْحَسَن حاجة فقضاها، ثم أخرى، ثم أخرى، فَقَالَ: عبيد الله: أتدري ما مثلك؟ إن كسرى مر بشيخ كبير يغرس فسيلا، فقال: يا شيخ كم أتت عليك؟ قال: ثمانين، قال: أنت ابن ثمانين، وتغرس فسيلا؟ قال: لو اتكل الآباء على هَذَا لأضاعوا الأبناء؛ قال: زه، فأعطى أربعة ألف؛ قال: أيها الملك؛ فسيلي هَذَا يطعم في ثمان أو تسع سنين، وفسيلي قد أطعمني في عامي هَذَا؛ قال: زه، فأعطى أربعة ألاف فقال: أيها الملك، والفسيل يطعم في كل عام مرة، وقد أطعمني فسيلي هَذَا في عام مرتين، فقال: زه فأعطى أربعة ألاف، فَقَالَ: كاتب كسرى لكسرى: إن نهضت عَن هَذَا الشيخ وإلا فني بيت مالك بحكمته.
وأَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعد الكراني، قال: أنشدني النضر بْن عَمْرو لابن صادق في بكر بْن بكر بْن بكار المحدث:
أعوذ بالله من النار ومنك يا بكر بْن بكار
ما منزل أحد ثنيه رابعًا معتزلًا عَن عرصة الدار
[ ٢ / ١١٤ ]
يظل فِيْهِ الدهر مستخفيًا يطرح حبًا لخشنشار
يا رجلًا ما كان فيما مضى لدار حمران بزوار
قَالَ: بكر بْن بكار: فتقدمت إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن، فلما تسميت له وقلت: أنا بكر بْن بكار قال:
ما منزل أحد ثنيه رابعًا معتزلًا عَن عرصة الدار
قَالَ: بكر بْن بكار: وكنت أطالب عند عبيد الله بْن الْحَسَن حقًا، وأنا غلام وضىء الوجه، فإني لأكلمه يومًا وهو على دابته، إِذَا بعض من مر ببابه من المجان يصيح: يا أبا بكر بْن بكار صديق القاضي، فَقَالَ: عبيد الله: أما تسمع ما يقولون؟ قلت: هَلْ ينفعني ذاك عندك. أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن خلاد، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحكم البجلي، قال: جاء عُمَر بْن سليمان الكلابزي إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن، فَقَالَ: هلكت هلكت؛ قَالَ: وما أهلكك؟ قال: بلغني أن خصمي كان عندك، ولست حاضرًا، قال: فهو ذا أنت عندي، وليس خصمك حاضرًا، قال: فكأنما صب عليه ذنوبًا.
قال: وحَدَّثَنِي غير البجلي، قال: أتى رجل عبيد الله بْن الْحَسَن، فقال: كنا عند الأمير مُحَمَّد بْن سليمان اليوم، فجرى ذكرك، فذكرت بكل جميل، فما استطاع مقبح أمرك يذكرك بشيء يعيبك به إِلَّا المزاح، فقال: ويحك، والله أني لأمزح، وما أقول إِلَّا حقًا، فلو قلت لك الساعة: إن في داري عيسى بْن مريم، أكنت تصدقني؟ قال: هَذَا من ذاك. فَقَالَ: لجصاص في داره: يا جصاص قال: لبيك، قال: ما اسمك؟ قال: عيسى، قَالَ: ما اسم أمك؟ قال: مريم قال: ويحك إِذَا اتفق لي مثل هَذَا فما أصنع.
قال: وعاتبه بشر بْن المفضل في الحكم كاتبه، وقال: إنه يشرب النبيذ،
[ ٢ / ١١٥ ]
ويسمع الغناء، وكان الحكم كاتب سوار قبله، كان مجربًا، فلما أكثر بشر قال:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
وقدم إِلَى عبيد الله رجل قد شرب نبيذ تمر، فلم يعاقبه ولم يحدده وقال:
نبيذ التمر محفشه طعام وما رقت حواشيه فبول
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن خلاد، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مسعر أَبُو سُفْيَان، قال: تقدمت إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن، وعلى جبة صوف، فضرب بيده إليها وقال: أمن ماعز هذه أو خصى؟ فقلت: أيها القاضي: لا تك جاهلًا،، فغضب فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:٦٧﴾ ألا ترى كيف جعل التهزىء جهلًا، قال: فأعرض وقال: خصمه يا غلام.
ويروى أن امرأة تقدمت إليه، فَقَالَ لَهَا: لأضعن القضاء منك بموضع الخاتم من أهل الذمة يريد عنقها، قالت له: إذا تخطىء به كذا وكذا تريد الفرج، وأفصحت به، فترك المزاح بعد ذلك.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة، قال: حَدَّثَنَا ابن سلام، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: كان عبيد الله بْن الْحَسَن حسن الصوت، وكان معي فكان ينشد:
إن الخليط أجد البين فانفرقا
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن القاسم بْن غنيم العَبْدي، قال: جاء رجل إِلَى عبيد الله ابن الْحَسَن مملوك، فقال: إن هَذَا باعني عهدة الاسلام وتبع الإسلام، وإني أمنته فذرنا، قال: باعك مسلمًا لم يبعك كافرًا.
أَخْبَرَنَا عبيد الله بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن أبي بحر، قال: حَدَّثَنِي عَمْرو بْن حمزة القيسي قال: نظر عبيد الله بْن الْحَسَن إِلَى حق في الديوان، فقال:
[ ٢ / ١١٦ ]
ائتني بذلك الحق، فأتيته به فوجده مختومًا، ففض خاتمه فإذا جوهر، فختمه، قال: ورده موضعه فرددته.
أَخْبَرَنِي عبيد الله بْن الْحَسَن، عَن النميري، قال: وحَدَّثَنِي الفضل بْن جعفر بْن سليمان، قال: دخل المهدي دار الديوان، وقد تهدمت وكثر التراب فيها، فَقَالَ: لعبيد الله بْن الْحَسَن: ما يصلح هذه الدار؟ فقال: جمل صمخد، وما شقة، ومهار، فنهره الفضل بْن الربيع، وقال: لا تكلم أمير المؤمنين بمثل هَذَا الكلام، قال: وكان المهدي قد طاف بالجزيرة ومضى في نهر الأبلة ثم في دجلة ثم رجع في نهر معقل، فرأى أموالًا عظامًا، فَقَالَ: لعبيد الله: أرأيت رجلًا أقطعناه قطيعة فوجدنا في يده أكثر مما أقطعناه؟ قال: يا أمير المؤمنين إنما هَذَا بمنزلة ثوبي هَذَا، لا أسأل عنه، قال: كذبت.
وقال: حَدَّثَنِي أَبُو بحر عَبْد الواحد، قال: سمعت عبيد الله بْن الْحَسَن، وقَالَ: له اصفح بْن أسعر بْن بحير: شهد جليلان من قريش عَن سوار، وقَالَ لَهُ: إن صاحب الحق قد يرضى الشهادة عندك على حقه، وهو أربعمائة درهم، وقد حرصت على أن يقبلها مني ويعفيني، وبالله ما شهدت إِلَّا على حق؛ فَقَالَ لَهُ سوار: قد قبلت شهادتك، وإياك أن تعود، فَقَالَ: عبيد الله: ما كان هَذَا قط وما كان يحل لسوار أن يقبل شهادته إن كان لا يعد له.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسماعيل بْن يعقوب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سلام، قال: حَدَّثَنِي قريش أَبُو أنس، قال: أرسلني عبيد الله بْن الْحَسَن، وهو يومئذ قاضي البصرة قال: سئل الربيع بْن صبيح، كيف صنع الْحَسَن يوم أتتهم هزيمة المهلب، قال: كان مروان بْن المهلب خليفة يزيد على البصرة، فاجتمع الناس للجمعة، فأذن
[ ٢ / ١١٧ ]
المؤذنون ومروان في دار الامارة، فأتاه خبر هزيمة أخيه، فخرج من باب الحمام هاربًا، ونزل الناس فلما علموا هموا بالانصراف، فقام أَبُو نضرة العَبْدي إِلَى الْحَسَن، فقال: يا أبا سعيد أينصرف جماعة مثل هذه فيها مثلك بغير جمعة؟ فقام فرقى عتبات من المنبر، فتكلم ثم نزل فصلى ركعتين.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن خلاد، قال: حَدَّثَنِي بعض البصريين، قال: بعث مُحَمَّد بْن سليمان إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن، فأتاه فقيل له ازتقع الأمين فانصرف في حمارة القيظ، فَقَالَ لَهُ رجل من أعدائه، يتجمل له بالمودة: أعزز على أن تنصرف في هَذَا الوقت، ولم أبلغه، فَقَالَ لَهُ عبيد الله: لا عليك.
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ولا تكرم النفس التي لا تهينها
أَخْبَرَنَا أَبُو سعيد عَبْد اللهِ بْن شبيب، قال: حَدَّثَنِي ابن عَائِشَة، قال: حَدَّثَنِي إسماعيل بْن ذكوان، قال: قلت لعبيد الله بْن الْحَسَن: إن زيادًا قَالَ: يومًا لأصحابه: من أسعد الناس؟ قالو: الأمير، قال: كلا إن لصعود المنبر لروعات. ولكن أسعد الناس رجل له مسكن يملكه، وله قوت من معاش، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإنا إن عرفناه أضررنا به وبدينه، ودنياه، وأسهرنا ليله، وأتعبنا نهاره، فَقَالَ: عبيد الله بْن الْحَسَن: من أراد أن يسمع كلامًا من در فليستمع هَذَا الكلام.
قَالَ: أَبُو بكر: لم نذكر فقه عبيد الله لأنه كثير، وليس هَذَا موضعه، وإنما ذكرنا أخباره وما تأدى إلينا من قضاياه.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إبراهيم بْن الْحَسَن؛ قال: حَدَّثَنَا زِيَاد بْن يحيى؛ قال: حَدَّثَنَا حيان بْن معاوية، عَن عبيد الله بْن الْحَسَن العنبري؛ قال: ما أفضل على ابن عون إِلَّا أهل بدر.
حَدَّثَنِي عبيد الله بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن ابن بحر، قال: مر عبيد الله ابن الْحَسَن بخلاد بْن كثير، وهو يؤذن في مسجد قد أظهره من داره؛ فقال:
[ ٢ / ١١٨ ]
ألله يا خلاد أم لك؟ يعني المسجد؛ فَقَالَ لَهُ: ما كنت أراك إِلَّا قد سبقت الشهادة تريد أن أقر أنه لله فتشهد علي.
قال: حَدَّثَنِي جناب بْن الخشخاش، قال: سمعت عبيد الله بْن الْحَسَن، سئل عَن رجلي أوصى بثلثه ل بني عمير بْن يزيد، فقال: فهو للرجال دون النِّسَاء، فإن قال: أوصى بثلثه لبني يزيد بْن عمير، فقال: هو للرجال والنِّسَاء، بنو يزيد قبيلة، وعمير بْن يزيد أهل بيت.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن العباس، قال: حَدَّثَنَا علي بْن نصر، قال: حَدَّثَنَا عارم، قَالَ: حَدَّثَنَا خالد بْن الحرث أن عبيد الله بْن الْحَسَن كان، إِذَا تنافس الورثة في الكفن كفن الميت في مثل ما كان يلبس.
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن منصور، قال: حَدَّثَنَا عارم، قال: حَدَّثَنَا خالد بْن الحارث عَن عبيد الله بْن الْحَسَن، قال: الرغوة ليس من اللبن، قَالَ: الله: فأما الزبد فيذب جفاء، وأما ما ينفع الناس. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن أَحْمَد بْن حنبل، قال: أَخْبَرَنِي عَن يزيد بْن مرة، أن عبيد الله بْن الْحَسَن كان يقبل كتاب قاضي الأبلة والأهواز.
أَخْبَرَنَا الرمادي؛ قال: حَدَّثَنَا عارم؛ قال: حَدَّثَنَا خالد بْن الحارث؛ قال: سمعته يقول: يعني عبيد الله بْن الْحَسَن، في رجل كان له عند رجل مال أمره أن يشتري له أرضًا، أو شيئًا؛ قَالَ: المشتري: لم أرد أن أبلغ هَذَا الثمن، فرأى أن ما اشترى له جريه جائز عليه، إِلَّا أن يتفاحش ذاك، والذي يتفاحش عنده لا يكون عند الأمر ثمن ما اشترى له؛ فَقَالَ: أرأيت إن اشترى له ثمن خمسة ألف بعشرة ألف؛ قال: قد أساء أراه جائزًا عليه.
وقال: حَدَّثَنَا عارم؛ قال: حَدَّثَنَا خالد؛ قَالَ: سمعته يعني عبيد الله بْن الْحَسَن يقول، في قول عبيد الله بْن عتبة المتلد أحق؛ قال: المتلد الأقدم. قال: سمعته يقول في قول شريح الماتح أحق من الغارف؛ قال: يده أولى.
[ ٢ / ١١٩ ]
وقال: حَدَّثَنَا عارم؛ قال: حَدَّثَنَا خالد بْن الحارث، عَن عبيد الله بْن الْحَسَن قال: سمعته يقول، في رجل باع نخلًا، واستثنى سكرها رأى ذلك جائزًا، أو ضربًا من النخل فرآه جائزًا.
قال: وسمعته يقول: إِذَا استثنى الرجل خيار النخل، أو من أواسطه، فأستحسن أن أجيزه.
قال: وسمعته يقول في الجارية الخماسية ولها أم، إِذَا اشتهت ذلك هي وأمها لم ير به بأسًا؛ يعني إِذَا بيعت.
وقال: حَدَّثَنَا أَبُو النعمان؛ قال: حَدَّثَنَا خالد؛ قال: سمعته يعني عبيد الله بْن الْحَسَن يقول، في رجل اشترى ثيابًا ثم وجد منها ثوبًا معيبًا، قال: تقوم الثياب كلها ثم يرد المعيب بقيمته.
قال: وسمعته يقول، في امرأة تباع ولها زوج أو العَبْد يباع، وله امرأة: إنما يردان من ذلك.
قال: وسمعته يقول، في رجل ابتاع ثوبًا من رجل، قال: أخذته بخمسة عشر، فأربحه فِيْهِ درهمين، ثم وجده إنما أخذه بعشرة، قال: يكون لهَذَا المشتري باثنى عشر.
ونمي إلى، عَن هلال الرأي؛ قال: تقدم إبراهيم المحلمي إِلَى عبيد الله بْن الْحَسَن، وكان من نساك البصرة، فَقَالَ لَهُ: اتق الله، وانظر في أمورنا، فإنك لست تفعل فيها شيئًا من حين، فَقَالَ لَهُ: ومن أنت حتى تقول هَذَا القول؟ فَقَالَ: المحلمي إِلَى تقول هَذَا:
ومحلم يمشون تحت لوائهم والموت تحت لواء آل محلم
قال: ثم ندم فألزق خده بالأرض، وقَالَ: أعوذ بالله أن أعتز بغير الله، وازداد في الخضوع، فأعجب ذاك عبيد الله منه، فقال: كفيتك ونصير إِلَى ما أمرت به.
[ ٢ / ١٢٠ ]
أنشدنا مُحَمَّد بْن يزيد النحوي المبرد، قال: أنشدنا الرياشي لأبي عَبْد الرحمن يونس بْن حبيب؛ في عبيد الله بْن الْحَسَن القاضي:
تحاجى أَبُو زيد ومد نخاعه وكان إِذَا ما مر يومًا مقنعا
أظنّ أبا زيد تمثل أذ قضى محا السيف ما قَالَ: ابن دارة أجمعا
قال: فاعتذر إليه عبيد الله.
وقَالَ: سلمة بْن عياش لما ولي عبيد الله بْن الْحَسَن بعد سوار:
وقد عوض الله الرعية واليًا تقيًا فأمسى للرعية راعيا
كفانا عبيد الله إِذ بان فقده ولولا عبيد الله لم نلق كافيا
فقام بأمر الله فينا ولم يكن عَن الحق لما قام بالأمر وانيا
فأصبح وجه الحق نهجًا نخاله إِذَا ما بدا ضوءًا من الصبح باديا
إذا جار قاض أو أمير وجدته بأمر سبيل الحق والعدل هاديا
إذا نسيت يومًا تميم وحصلت وجدت له منها الذرى والنواصيا
فإن يك سوار مضى وهو سابق حميد فقد برزت بالسبق ثانيا
حباك بأسناها الخليفة بعدما تمنى رجال في الخلاء الأمانيا
وقَالَ: سلمة:
عبيد الله وهو إمام عدل جزاه الله جنات النعيم
بمن يلقى إِذَا الحكام جاروا على نهج الصراط المستقيم
وقَالَ: أَبُو صفية:
نادى المنادي عبيد الله سيدها عند الخليفة عدلًا بعد سوار
أَخْبَرَنِي جعفر بْن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنِي عباس العنبري، قال: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري يقول: كان رزق عبيد الله بْن الْحَسَن مائتي درهم.
[ ٢ / ١٢١ ]
قَالَ: أَبُو بكر: لم يزل عبيد الله بْن الْحَسَن على الصلاة مع القضاء، والأحداث إِلَى سعيد بْن دعلج، حتى ولي المهدي عَبْد الملك بْن أيوب النميري الصلاة والأحداث، وأقر عبيد الله على القضاء، ثم عزل المهدي عَبْد الملك، وولى مُحَمَّد بْن سليمان بْن علي، ثم عزله وولى صالح بْن داود، وقدم المهدي، وصالح على البصرة، فلما وجد على عبيد الله في أمر القطائع هم بعزله، فلم يعزله حتى قدم بغداد، فكتب بحمل خالد بْن طليق، وعَبْد اللهِ بْن أسيد الكلابي، فحملا إليه، فولى خالد بْن طليق، وعزل عبيد الله.
فذكر خلاد الأرقط، أن المهدي كتب بحملهما على خمس من دواب البريد، فسبقه خالد فركب أربعًا وترك له دابة، فأرسل الكلابي إِلَى صاحب البريد يحلف بأنه لا يريم حتى يؤمر بدابتين ونصف هكذا قال، وحلف عليه، فكتب صاحب البريد يأمر بحبس خالد حيثما أدركه الكتاب ليقتسم الخمسة بينهما.
قَالَ: الأرقط، فحَدَّثَنِي الكلابي؛ قال: فجلس حتى أدركته، فكنا إِذَا حضرت الصلاة لم يتلعثم أن يتقدمني، فغاظني ذلك منه حتى قدمنا الرصافة، فأقام المؤذن فتقدم خالد فصلى ركعتين، وقال: أتموا أنا قوم سفر، فسرى عني، وعلمت أنه لم يردني باستخفاف، وأحجم أهل المسجد عنه لأنهم لم يعرفوه، ولا خبروه فلما عرفوه سبوه سبًا فاحشًا، ودخل على المهدي، فدفع الكلابي القضاء عَن نفسه، وذكر شربه للنبيذ فولى المهدي خالدًا وعزل عبيد الله بْن الْحَسَن.
وقد روى عَن الْحَسَنِ بْن الحصين أبي عَبْد اللهِ الحديث؛ وروى عَن جده الحصين بْن أبي الحر أكثر مما روى عَن أبيه، فأما أَبُوه فلم أسمع منه حديثًا، إِلَّا ما:
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن معدان، عَنْ عَبْدِ الرحمن بْن سوار، عَنْ عَبْدِ الصمد بْن عَبْد الوارث، قال: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الحصين، أَبُو عبيد الله بْن الْحَسَن،
[ ٢ / ١٢٢ ]
قال: رأيت علي بْن حسين، وسعيد بْن جبير يتناشدان الشعر وهما يطوفان البيت.
وأَخْبَرَنِي عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد بْن منصور الحارثي، قال: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن عُثْمَان الغطفاني، قال: سمعت الْحَسَن أبا عبيد الله القاضي يقول: مر بالرأسين بمكة فرأى الرءوس والسرج فخر مغشيًا عليه.
وأما الحصين فإنه قد روى عنه أحاديث مسندة، وغيرها.
وقَالَ: أَبُو عُثْمَان المقدمي: سمعت مُحَمَّد بْن محبوب يقول: مات عبيد الله بْن الْحَسَن سنة ثمان وستين وصلى عليه عيسى بْن سليمان.
أخبار خالد بْن طليق بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن حصين الحارثي
ولاه المهدي قضاء البصرة بعد عبيد الله بْن الْحَسَن العنبري؛ وما أقل ما روى عنه من الحديث.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن خلف بْن الحصين الضبي ابن بنت مبارك بْن فضالة قال: حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن خالد بْن طليق بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن حصين، قال: حَدَّثَنِي أبي عَن أبيه، عَن جده، قال: مرض عران بْن حصين مرضة له، فعاده النبي صلى الله عليه، فَقَالَ لَهُ: يا أبا نجيد أتى لآنس لك من وجعك، قَالَ: يا رسول الله: إن أحبه إلي أحبه إِلَى الله، قال: فمسح يده على رأسه وقال: لا بأس عليك يا عِمْرَان، وعوفي من مرضه ذاك، وخرج من عنده، فلقيه علي بْن أبي طالب ﵁، فقال: عدت أخاك ياأبا نجيد؟ قال: لا قال: عزمت عيك لتأتينه، قال: فجاء حتى دخل عليه فلم يزل ينظر إليه مقبلًا، فلما أتبعه بصره قَالَ: له بعض أصحابه: يا أبا نجيد! لم نرك تنظر إِلَى أحد نظرك إِلَى علي، قال: سمعتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يقول: النظر إِلَى علي عبادة.
[ ٢ / ١٢٣ ]
وأَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن مهرويه، عَن علي بْن مُحَمَّد بْن سليمان بْن عبيد الله ابن الحارث، قال: حَدَّثَنِي عمي عَبْد الرحمن بْن سليمان، قال: أتانا خالد بْن طليق بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن حصين يعزينا عَن ميت لنا، وقد كف بصره، ومعه ابنه حصين، فأقبل يتحدث يقول: حَدَّثَنِي أبي، عَن جدي أن عُمَر بْن الخطاب قال، وهو على منبر رسول الله ﷺ: متعتان كانتا على عهد رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عمل بهما على عهد من بعده، أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، فقام إليه عِمْرَان بْن حصين، فقال: إن أمرين كانا على عهد رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عمل بها على عهده، ومن بعده، ليرى أمرؤ بعد ذلك برأيه ما شاء، فَقَالَ لَهُ ابن حصين: يا أبه لو أمسكت عَن متعة النِّسَاء، فقال: يا بني لا أحدث إِلَّا كما سمعت.
أَخْبَرَنِي الأحوص بْن المفضل بْن غسان بْن المفضل؛ قال: حَدَّثَنِي أبي؛ قال: حَدَّثَنَا خالد بْن طليق بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن حصين؛ قال: حَدَّثَنَا مالك بْن معول، عَن الشعبي قال: من أكرم أمر الله فإنما أكرم الله.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسماعيل بْن يعقوب؛ قال؛ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سلام الجمحي، قال: حَدَّثَنِي خالد بْن طليق، عَن هشام، عَن ابن سيرين، قال: ادعى رجل على رجل مالًا عند شريح؛ فَقَالَ لَهُ المدعى عليه: إنه قد ترك لي منها كذا وكذا قال: بينتك أنه قد ترك، ولو شاء أن يأخذ أخذ.
حَدَّثَنِي أَبُو قلابة؛ قال: حَدَّثَنِي شيبان بْن فروخ، قال: حَدَّثَنِي خالد بْن طليق؛ قال: حَدَّثَنَا شعبة قال: كنا بالأهواز، فأتانا كتاب عُمَر بْن عَبْد العزيز أن اجتمعوا بالأهواز.
[ ٢ / ١٢٤ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ لله بْن الْحَسَن المؤدب، عَن النميري، عَن خالد بْن عَبْد العزيز قال: رأيت خالد بْن طليق يوم جلس للقضاء، مقدمه من بغداد، جلس في صحن المسجد عند الطست، وأمر بعبيد الله بْن الْحَسَن، فأحضر وأمر مناديه أن ينادي: أين عبيد الله بْن الْحَسَن؟ فدعا الناس على خالد، فلما قعد بين يديه، قال: هذه الكتب فمن يتسلمها، فقد كان من قبلي يسلمونها، وقد رأيت أن أجعلها نسختين بمحضر من شهود عدول، فتأخذ واحدة، ويكون عندي واحدة، وعلى غرامة ذلك، فابعث من الشهود من يعدل، ومن الكتاب من أحببت، ثم قام ودعا له الناس ونسخ الكتب على نسختين، لئلا يغير شيئًا من أحكامه.
قال: وكان عفيفًا عَن الأموال لا يأخذ على القضاء درهمًا.
قَالَ: عَبْد الواحد بْن عتاب: باع أرضًا له فأنفق ثمنها في أيام ولايته.
قَالَ: خالد بْن عَبْد العزيز: وكان يطلب الأموال التي في أيدي الناس من الوقوف والصدقات، حتى جعل لمن دله على شيء من ذلك عشر العشر، فأخبر عَن مال عَبْد الوهاب بْن عَبْد المجيد، فأرسل إليه فسأله عنه، فأقر له به وقال: هو من وقوف في يدي فأمر بتثبيت الوقوف، فأحيا الوقوف بما أمر به في تثبيتها وحمد ذلك منه.
قَالَ: عَبْد الواحد بْن عتاب: رأيته تقدم إليه بعض الخصوم، ومعه شاهد يدعى حصينًا، كان يبيع الخلقان، فَقَالَ: بعض قرابتنا. هَذَا شاهد زور فسمع ذلك رجل، كان منا قريبًا، فأتى خالدًا فساره، فأرسل خالد إِلَى صاحبنا فسأله عَن ذلك، فأخبره، فأمر به فحبس.
أَخْبَرَنِي هارون بْن أبي جعفر، عَن علي بني يحيى، عَن مُحَمَّد بْن سلام، قال: كان سلمة بْن عياش يخاصمه رجل من مواليه من ولد سهل بْن عَمْرو، أخي سهيل
[ ٢ / ١٢٥ ]
ابن عَمْرو العامري، فلما استقضى خالد بْن طليق خاف أن يقضي عليه فقال:
قل لشهود الزور والجا لبيتهم خذوا حذركم من خالد بْن طليق
فما لمريب عنده من هوادة ولا لذوي قربى ولا لصديق
فعزل خالد وكان قد وجه القضاء على سلمة.
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عُثْمَان عَن أبي عُمَر الخطابي، قال: مر حماد بْن سلمة في المسجد، وخالد بْن طليق جالس يقضي، فَقَالَ: خالد للذي [على] رأسه: ادع لي أبا سلمة، فدعاه فجاء فَقَالَ لَهُ خالد: جفوتنا يا أبا سلمة، وقعدت عنا، وعلينا في هَذَا بعض الشيء، فَقَالَ لَهُ حماد: فما يصنع؟ فجلس على وسادتين واحدة على الأخرى، قال: إني أريد أن يهابني الخصم، وشاهد الزور، فَقَالَ: حماد: اتق الله يعزك والسلام عليكم وقام.
قالوا وغلب عليه ابناه عِمْرَان وطليق فَقَالَ: ابن مناذر:
ليت شعري أي البلية قاضيـ ـنا أعِمْرَان أم أخوه طليق
أم أَبُوهم أَبُو المجانين أم كـ ـل لديه من القضاء فريق
فترى الحكم عند آل طليق مستكينًا كأنه مسروق
وقال:
أصبح الحاكم بالنـ ـاس من آل طليق
ضحكة يحكم في النا س بحكم الجاثليق
يدع القصد ويهوى في ثنيات الطريق
أي قاض أنت للنقـ ـض وتعطيل الحقوق
[ ٢ / ١٢٦ ]
أبدل الدهر وما الدهر علينا بشفيق
من عبيد الله ذي الأيد ي وذي الرأي الرشيق
حكمًا يخلط في المجلـ ـس من عي وموق
يا أبا الهيثم ما كنـ ـت لهَذَا بخليق
لا ولا أنت لما حملـ ـت منه بمطيق
أنت في المجلس كالكر كي ذي الرأس الخفوق
وقال:
إن كنت للسخطة عاقبتنا يا خالد فهو أشد العقاب
يا عجبًا من خالد كيف لا يخطىء فينا مرة بالصواب
أصم أعمى عَن طريق الهدى قد ضرب البول عليه الحجاب
كان قضاء الناس فيما مضى من رحمة الله وهَذَا عذاب
قَالَ: أَبُو بكر وكيع: وكان خالد تائهًا جاهلًا بالقضاء.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ الْحَسَن، عَن النميري، عَن مُحَمَّد بْن عبيد الله بْن حماد، عَنْ عَبْدِ الوهاب الثقفي، قال: قَالَ لي: مُحَمَّد بْن سليمان الأموي: ما يكون من هَذَا الجاهل من العجائب؟ قال: فقلت له: إن هَذَا ينسى، فوكل به من يحفظه ويكتبه ويحصيه عليه، قَالَ: فوكل به جماعة يكتبون عجائبه التي يحكم بها، فكان مما حفظوا عنه أنه شهد عنده رجل عدله، وثلاثة لا يعرفهم، فَقَالَ: العدل يبقى بمكانه، والثلاثة برجل آخر عدل،، فحكم بشهادتهم.
وكان نهى الذُّراع أن يذرعوا إِلَّا بخاتم يدفعه إليهم، ويأذن في ذلك، فأتاه عاصم بْن عبيد الله بْن الوادع الكلابي، وهو أَبُو عَمْرو بْن عاصم الكلابي المحدث بسورجي قد كسح له أرضًا، فقال: أصلحك الله، إن هَذَا كسح لي
[ ٢ / ١٢٧ ]
أرضًا، وأنا أريد أن أذرعها عليه، فأقبل السورجي؛ فقال: أنت كسحتها؟ قال: نعم؛ قال: لك بينة؟ فقام إليه بعض من حضر؛ فقال: إنما هو أجير لهَذَا، فَقَالَ: للسورجي: أكذاك؟ قال: نعم، قال: فهي له إذًا، ثم أذن له في ذرعها.
وقَالَ: عَبْد الواحد بْن غياث: شهد عليه حصين، الذي كان حبسه، أنه لا يقبل جريًا من حاضر لا من رجل ولا امرأة إِلَّا أن يكون مريضًا، فشهد عنده قوم على جراية رجل عَن امرأة مريضة فَقَالَ: ايتوني ببولها.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، قال: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري، وخلاد بْن يزيد، وعَبْد الرحمن بْن عُثْمَان بْن الربيع، يحدث عَن أبيه، ومُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بْن حماد، ومن لا أحصى يخبرون خبر خالد بْن طليق، وخبر الوفد الذين خرجوا في أمره، ولا أخلص حديث بعضهم من بعض، أن أخبار خالد، وعجائبه انتهت إِلَى المهدي، وكان مُحَمَّد بْن سليمان لا يألو ما أنهى ذلك إليه، وكان عَبْد اللهِ بْن مالك يقوم بأمره للجراية عنه، فخرج مُحَمَّد إِلَى المهدي في بعض خرجاته، فأكب على المهدي يسأله عزله، حتى أجابه إِلَى ذلك، فقد مُحَمَّد البصرة ووجده جالسًا في المسجد يحكم.
قَالَ: ابن حماد: فحَدَّثَنِي محبوب بْن هلال، صاحب الديوان، قال: قَالَ لي: مُحَمَّد: ائت خالدًا فانهه عَن الجلوس، فقد عزله أمير المؤمنين؛ قال: فأتيته فأبلغته ذلك، عَن مُحَمَّد، فقال: أمعه رسالة؟ قال: فأتيت مُحَمَّدًا، فأخبرته؛ فقال: لهفي على قاضي كذا، أنا أحمل إليه رسالة؛ أيا عمير انطلق حتى تسحب برجله من المسجد، فسبق الخبر إليه عميرًا، فدخل داره ثم خرج مغذًا إِلَى المهدي، فوجه مُحَمَّد في أثره عُثْمَان بْن الربيع الثقفي، وإسحاق بْن إبراهيم الخطابي، ومُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري، ويوسف بْن خالد السمني، ويزيد بْن عوانة الكلبي، وعيسى بْن حاصر الباهلي، وقد كان أمرهم قبل خروجهم أن يسمعوا من كل من شكا، أو شهد عليه بشيء.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وقَالَ: بعضهم: إن المهدي أمرمُحَمَّدًا بذلك فجمعوا ذلك كله في كتاب ثم خرجوا فركب كل رجلين منهم في سفينة، فكان الخطابي، وعيسى بْن حاضر في سفينة، والأنصاري، ويزيد بْن عوانة في سفينة، وعثمان بْن أبي الربيع، ويوسف بْن خالد في سفينة، وخرجوا من البصرة ليلًا لكثرة الناس حتى انتهوا إِلَى بغداد؛ قَالَ: بعضهم: وقد كان خالد رد على عمله، فلما بلغه سيرهم إِلَى بغداد قال: لا أبرح حتى أفضحهم، فأقام.
وقَالَ: بعضهم: لم يردد على عمله، وأمر بالمقام حتى يجمع بينهم.
قَالَ: حماد: فحَدَّثَنِي أَبُو يعقوب الخطابي، قال: قَالَ لي: مُحَمَّد بْن سليمان: قد أعياني الأنصاري إن بحثت إِلَى المعونة على خالد، قلت له: أطمعه في القضاء فأطمعه، فكان أشدنا عليه؛ قالوا: فصرنا إِلَى باب المهدي، فلم نصل في أول يوم، فعدنا من الغد، فجلس لنا ودخلنا عليه بكرة، فلم نزل بين يديه إِلَى قريب من الظهر.
فكان أول من تكلم الخطابي، فأثنى على أمير المؤمنين ثم ذكر خالدًا، وكان خالد قد ساء بصره، وكان تائهًا مستكبرًا؛ فقال: من المتكلم؟فقيل له إسحاق بْن إبراهيم الخطابي؛ قال: إن هَذَا قدم علينا من الجزيرة طارئًا مختلًا، فولى قسم مال فاختار أكثره وبنى دارا بحضرة المسجد، فحمل على طريق المسلمين، وأدخل في داره منه أذرعًا منه، فهدمت عليه داره، وردت في طريق المسلمين ما أخذ منه.
فتكلم عُثْمَان ابن أبي الربيع؛ فقال: من هَذَا؟ قيل عُثْمَان بْن أبي الربيع؛ فقال: ليس هَذَا من مجالسي هَذَا يا أمير المؤمنين هَذَا صاحب سخط، ولهو وباطل؛ هَذَا قيض على هر حمار بدرهم، فَقَالَ: المهدي: دعوا الفحش. واقصدوا لما جئتم له، فَقَالَ: عثمان: يا أمير المؤمنين ألي يقول هَذَا؟ فإذا لم يكن هَذَا من مجالسي؛ من يكون؟ فوالله إني لعالم وإنه لجاهل، وسترى مصداق ما أقول يا أمير المؤمنين فلنبحث في رجل ترك ثلاث بنات، وأوصى بمثل نصيب إحداهن. فسكت. فَقَالَ: المهدي: أجب؛ فقال: لم أجيبه يا أمير المؤمنين، هَذَا إنما بحسبه الذراع، فتبسم المهدي
[ ٢ / ١٢٩ ]
وعلم ألاعلم له، فَقَالَ: الأنصاري: يا أمير المؤمنين وما يصلح هَذَا لولاية سوق من الأسواق؛
فَقَالَ: السمني: صدق يا أميرالمؤمنين ما أعلمه يصلح لسوق من الأسواق،
فَقَالَ: خالد: يا أمير المؤمنين أما الأنصاري فرجل حقود، كان يتولى وقفًا من وقوف أهله، فكان سيىء الأثر فِيْهِ فإذا، فأدخلت معه رجلًا فحسن أثر الرجل، فحقد ذلك، وأما ذاك فيدعى السمني، وليس بالسمني ولكنه السبتي يخلق شاربه، ويبيع الكنائس والبيع؛ يخاصم اليهود والنصارى، فَقَالَ: يوسف: نعم إني لأخاصمهم؛ فأرد كثيرًا عَن ضلالهم وكفرهم، فَقَالَ لَهُ المهدي: ولم تخلق شاربك؟ قال: السنة يا أمير المؤمنين. قال: ليست بالسنة، ولو كانت السنة كنا أعلم بها؛ حَدَّثَنِي أبي، عَن جدي، عَن ابْن عَبَّاس؛ قَالَ: إحفاء الشارب الأخذ منه على أطرته.
ولم يكن في القوم أحد أشد عليه من عُثْمَان بْن أبي الربيع لأنه كان يظهر جهله، وقال: يا أمير المؤمنين إن هَذَا سأله سائل عَن اسم أم النبي صلى الله عليه فلم يدر ما اسمها، فكتب له بعض من يعنى به في الأرض، آمنة، فقال: أمية، فصحف في اسمها، فلما كثر كلام القوم قَالَ: لهم عَبْد اللهِ بْن مالك، وهو قائم على رأس المهدي: قد غممتم أمير المؤمنين بلغطكم، فكفوا واسكتوا، فنظر أمير المؤمنين إِلَى عيسى بْن حاضر، وكان صامتًا لا يتكلم بشيء، فظن عيسى أنه يستطمعه الكلام؛ فقال: ادن أن أمير المؤمنين أن أذن، فدنا حتى قرب منه؛ فقال: يا أمير المؤمنين اصطنعته وشرفته، ورفعته فإن رأيت أن تستره فافعل، فقال: نعم أستره وأصرفه، وقام عيسى إِلَى مجلسه وقال: يا أمير المؤمنين أني خلفت رجلًا مريضًا دنفًا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي فعل؛ قال: قد أذنت لكم جميعًا، وأمر لكل رجل منهم بثمانية ألف درهم؛ وقَالَ: بعضهم: خرجوا، وقد أقام صاحب الشرط الصلاة للظهر، فتقدم إليه خالد، فصلى
[ ٢ / ١٣٠ ]
ركعتين، وقال: أتموا الصلاة فأنا سفر ويقال: لقد قال، وهو في المجلس، وهم يختصمون، من ههنا؟ كأنه يريد أن يأمر ببعض خاصته؛ قال: فكان المهدي يقول: ندمت ألا أن أقول: أنا ههنا: فما تأمر؟
وقَالَ: بعضهم: خرجوا مرعوبين لم يتبين لهم في أمر خالد شيء، فذهبوا، فخرج عليهم المعلى؛ فقالوا له: هَلْ ظهر لك رأي أمير أمير المؤمنين في صاحبنا؛ فقال: أنتم عيون أهل مصركم تسألونني عَن أمر سره أمير المؤمنين عنكم ليخبركم بسره، ثم خرج عليهم ليث أخ المعلى فسألوه فقال: مثل ذاك، ثم خرج عليهم الفضل بْن الربيع، فقاموا إليه فبدأهم فقال: قد عزله أمير المؤمنين عنكم، فاختاروا رجلًا نوليه عليكم؛ فَقَالَ لَهُ السمني: إن قام هَذَا أشرت يعني: الأنصاري؛ قَالَ: يوسف: هَذَا عفيف شريف فقيه؛ فَقَالَ: عُثْمَان بْن أبي الربيع، صدق هو كما قال، ولكنه لم يصب في المشورة به، هَذَا رجل يأتم بأبي حنيفة ويميل إِلَى رأيه، ولنا في بلدنا أحكام يبطلها أَبُوْحَنِيْفَةَ لا يصلحنا غيرها، فإن حكم فينا بغير أحكامنا بطلت، وذهبت أموالنا، كأنه يذهب إِلَى الوقوف، وانصرفوا عَن الأنصاري، وولى المهدي عُمَر بْن عُثْمَان التيمي.
ويقال أن خالدا أنشد يومئذ بين يدي المهدي:
إذا القرشي لم يضرب بسهم خزاعي فليس من الصميم
فهم به المهدي، ثم أضرب عنه وتمثل:
إذا كنت في أرض وحاولت غيرها فدعها وفيها أن أردت معاد
وكان خالد بْن طليق لا يزول عَن مقامه إِلَّا إِذَا أقيمت له الصلاة، فربما كان الصف أمامه. فَقَالَ لَهُ رجل مرة استو بالصف؛ فقال: بل يستوي الصف بي.
وقَالَ: مُحَمَّد بْن مناذر في الذي كان بين يدي المهدي:
[ ٢ / ١٣١ ]
لما التقوا عند إمام الهدى أفحم بين الستة الوافد
وصار كالكركي لما انبرت له غزاة كلها صائد
يأخذه ذا مرة ثم ذا كأخذ عَبْد آبق فاسد
باراه منهم حليف التقى ذو الأرب وإلا كرومة الماجد
أعنى أبا يعقوب أهل الحجا نعم لِعُمَرَي الكهل والوافد
ثم انبرى عُثْمَان في قوله ذاك الأديب السيد الراشد
فَقَالَ: يا خالد ماذا ترى في ميت يفقده الفاقد
خلى بنات كلهم عالة يرحمهن الصادر الوارد
وقَالَ: اعطوا ذا الفتى مثل ما يأخذ بنت إن مضى الوالد
قَالَ: أخو الأنصار هَذَا الذي تاه وما أرشده الراشد
قَالَ: له عيسى وما إن أسا لا يكذبن أصحابك الرائد
استره يا خير بني هاشم سرك ربي الصمد الواحد
فَقَالَ: أني عازل خالدًا إِذَا لم يكن منكم له حامد
ودخل معاذ بْن معاذ المسجد، وهو يومئذ قاض، فرأى خالدًا جالسًا، قد كف بصره، فعدل إليه وسلم قال: كيف: صبحت يا أبا الهيثم؟ فعرف صوته، فقال: أمعاذ؟ قال: نعم، قال؛ اشدد يدك بالأوصياء، فإنهم أكلة أموال اليتامى، فعجب معاذ من تيهه وكبره، وقال: لا سلمت على هَذَا أبدًا.
رأيت في كتابي عَن إبراهيم بْن أبي عثمان، عَن مُحَمَّد بْن سلام، قال: نازع مولى لقريش مولى الأنصار، فزعم الأنصاري أن المصعبي الذي كان يسكن دربه أعان عليه القرشي، فكتب إليه خالد بْن طليق من البصرة: إنك تعربت بعد الهجرة، ودخلت بين القرشي والأنصاري، وتحاملت على الأنصاري، وقد قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:في الأنصار ما قال، فكتب إليه المصعبي، وهو مُحَمَّد بْن جعفر بْن مصعب بْن الزبير: كتبت إلي تعظني، قد أخطأت السنة في
[ ٢ / ١٣٢ ]
غير موضع، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:كبر كبر وأنا أكبر منك، فبدأت بنفسك، وأما قولك الأنصاري والقرشي، فلست من واحد منهما في شيء، أنا أولى بالأنصار منك، إن رَسُوْلُ اللهِ ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، وأما قولك: إني تعربت فإني أقرب إِلَى مهاجر رسول الله منك.
وقد روى أَبُوه الحديث.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إشكاب، قال: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن موسى، قال: أَخْبَرَنَا إبراهيم بْن إسماعيل، عَن طليق بْن عِمْرَانَ، عَن أبي بردة، عَن أبي موسى، عَن النبي ﷺ، أنه نهى أن يفرق بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه.
قَالَ: مُحَمَّد بْن إشكاب: ليس يروى هَذَا الحديث بهَذَا اللفظ إِلَّا من هَذَا الوجه. قال: حَدَّثَنَاه يزيد بْن هارون، قال: أَخْبَرَنَا سليمان التيمي، عَن طليق بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن حصين، أن النبي صلى الله عليه نهى أن يفرق بين الوالد وولده.