قَالَ: أَبُو حسان: أول قاض استقضى المهدي على المدينة سعيد بْن سليمان ابن نوفل بْن مساحق، ثم عزله واستقضى عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان، ثم عزله، واستقضى عَمْرو بْن عَبْد الرحمن بْن سهل العامري، فتوفى قاضيًا،
[ ١ / ٢٣٢ ]
فاستقضى عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان، ويُقَالُ: المطلب بْن كثير العبسي.
وقَالَ: مُحَمَّد بْن يحيى الكناني: واستخلف موسى بْن المهدي فاستقضى على المدينة سعيد بْن سليمان بْن نوفل بْن مساحق، ثم استخلف الرشيد، فأقر سعيد بْن سليمان على القضاء صدرًا من خلافته ثم عزله.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: أنشدني عَبْد الجبار بْن سعيد بْن سليمان بْن نوفل بْن مساحق لأبيه؛ يقولها لعَمْرو بْن عَبْد الرحمن بْن عَمْرو ابن سهل العامري:
بلوت إخاء الناس يا عَمْرو كلهم وجربت حتى أحكمتني تجاربي
فلم أر ودّ الناس إِلَّا رضاهم فمن يزر أو يعتب فليس بصاحب
فخذ عفو ما أحببت لا تنزرنه فعند بلوغ الكد رنق المشارب
وزاد عَبْد اللهِ بْن سعيد عَن المسيبي:
فهونك في حبٍّ وبغضٍ فربما بدا جانب من صاحب بعد جانب
وأنشدني عَبْد اللهِ بْن شبيب لسعيد بْن سليمان في مجلس للعباس بْن مُحَمَّد:
إن لنا مجلسًا نسرّ به عند احتضار الهموم والحزن
ما فِيْهِ من خلة يعاب بها إِلَّا حنين الفؤاد للوطن
قال: وأنشدني الزبير لسعيد بْن سليمان في عَبْد اللهِ بْن عَبْد الأعلى بْن صفوان الجمحي:
وقل لابن صفوان على النأي والبعد
[ ١ / ٢٣٣ ]
ألا قل لعَبْد الله إما لقيته
وأن العقيق ذا الظلال وذا البرد ألم تعلما أن المصلّي مكانه
وليلًا رقيق مثل حاشية البرد وأنه لو تعلمان أصائلًا
بنوّارها والآس والأشكل الفرد وأن رياض العرصتين تخيّلت
وأن طريق اللابتين على العهد وأن طريق المسجدين مكانه
إذا لم يجز يومًا سبيل ذوي القصد وما العيش إِلَّا ما يلذّ به الفتى
فكتب إليه صفوان:
أتاني كتاب من سعيد فشفني وزاد إليه القلب وجدًا إِلَى وجد
وأجرى دموع العين حتى كأنها بها رمد منه المراود لا تجدي
فإن رياض العرصتين تزينت وإن طريق اللاّبتين على العهد
فكدت لما أضمرت من لاعج الهرى ووجد بما قد قَالَ: أقضى من الجهد
لعلّ الذي حم التّفرّق بيننا بمقدوره منه يقرب من بعد
قضا العيش إِلَّا قربكم وحديثكم إِذَا كان تقوى الله منا على عمد
[ ١ / ٢٣٤ ]
وأنشد هارون بْن مُحَمَّد لسعيد بْن سليمان يقولها للعباس بْن مُحَمَّد بْن علي:
ألا قل لعباس على نأي داره عليك السلام من أخ لك حامد
أتاني إِذَا لم ينس ما كان بيننا على النّأي في صرف الهوى المتباعد
هنيئًا مريئًا أن قدحك فائز إِذَا حرّكت يومًا قداح المشاهد
رأيتك تجزي بالمودة أهلها وتمنح صفحًا مستقيل الأباعد
قطعت من الباغين سعيك أن دعا إِذَا اجتهدوا يومًا مناط القلائد
وإني لم أعلم من الناس واحدًا على غائب منهم حلفت وشاهد
أقل بفضل العز منك تطوّلًا وأرغب في مستودعات المحامد
وأوزع للنفس اللّجوج عَن الهوى إِذَا وردت يومًا حرون الموارد
وقَالَ: سعيد بْن سليمان في العباس بْن مُحَمَّد حين غضب عليه:
أبلغ أبا الفضل يومًا إن عرضت له من دائم العهد لم يخش الذي صنعا
ما بال ذي حرمة صافي الإخاء لكم أمسى بحسرته من ودّكم فجعا
من غير ماترة إِلَّا الوفاء لكم ما مثل حبلك من ذي حرمة قطعا
ماتم ما كنت أرجو من مودتكم حتى تباين شعب الود فانصدعا
أما ورب مني والعائذات له الدافعين بجمع يوضعون معا
لو كان غيرك يطوي حبل خلته دوني ويلبس ثوب الهجر ما اتّبعا
فارع الذّمام ولا تقطع وسائله وارجع فإن أخا الإحسان من رجعا
أشبه أخاك وأخلاقًا نسبن بها في المجتدين له لم يجده الطّبعا
حفظ الذمام وإتيان الصديق إِذَا ضاع الإخاء وتفريق الذي جمعا
[ ١ / ٢٣٥ ]
أَخْبَرَنِي هارون بْن مُحَمَّد، عَن زبير، عَنْ عَبْدِ الجبار بْن سعيد بْن سليمان؛ حَدَّثَنَا أبي؛ قال: سمرنا ليلة عند جعفر بْن سليمان بالعرصة، أنا وعَبْد اللهِ بْن مصعب، وعَبْد الأعلى بْن عَبْد اللهِ بْن صفوان الجمحي، فأوقد لنا نارًا، فقلت في ذلك:
لم تر عيناي مثل ليلتنا والدهر فِيْهِ طرائف العجب
إذ أوقدت موهنًا تشبّ لنا نارٌ فباتت تحس بالحطب
يحشها بالضّرام محترم مطاوع للرفيق ذو أدب
لفّعها بالضّرام فانتصبت ثم سمت للسّماء باللهب
حمراء زهراء لا نحاس لها كأن فيها صفائح الذهب
تزهر في مجلس لدى ملك قرم نجيب من سادة نجب
عذب السّجيّات لا يرى أبدًا يفيض وجه الجليس من غضب
يمنعه البرّ والوفاء ونف س بدنيّ الأمور لم تشب
حنّت له هاشم فوسّطها حوب الرحا بالحديد للقطب
وأنشدني أَبُو يحيى الزهري لسعيد بْن سليمان في هارون بْن زكريا؛ كاتب العباس بْن مُحَمَّد:
أزورك رفها كلّ يوم وليلة ودرك مخزون عليّ قصير
لأي زمان أرتجيك وخلة إِذَا أنت لم تنفع وأنت وزير
فإن الفتى ذا اللب يطلب ماله وفي وجهه للطالبين بشير
[ ١ / ٢٣٦ ]
وله في الربيع بْن عَبْد اللهِ المداني وكان ولي اليمن:
ألا من مبلغ عني خليلي أريد أخا بني عَبْد المدان
رأيتك إِذ حييت صددت عني كأنك حين تنظر لا تراني
فإن سلّمت أو أديت حقًّا رددت سلام منقبض الجنان
سأعدل عنك في سعةٍ ورحب فأبشر من صديقك بالأمان
ولبعض الشعراء فيه:
قل للإمام جزاك الله صالحة هَلْ أنت مبدلنا بالجاهل الجافي
قاض يكاد إِذَا لاذ الخصوم به يطير من حدّة فِيْهِ وإسفاف
لا والذي هو أهدى العدل منك لنا لا يطمع الخصم إن أدلى بإنصاف
كأنه حين يحزوزي لمجلسه بختية بعثت من بيت علاّف
أنشدنا عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: أنشدني عَبْد الجبار بْن سعيد المساحقي لأبيه:
وذي أحنة قد قلت أهلًا ومرحبا له حين يلقاني فحيّا ورحّبا
فأعطيته من ظاهري مسحة الرضا وأدنيته حتى دنا فتعرقبا
فصلت به مستمكن الكعب صولة شفيت بها أضغان من كان مغضبا
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحَسَن الزرقي؛ قال: حَدَّثَنِي موسى بْن عَبْد اللهِ بْن موسى ابن عَبْد اللهِ؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الجبار بْن سعيد؛ قال: حضر أبي سعيد بْن سليمان، وعَبْد اللهِ بْن مصعب، وابن دأب عند العباس بْن مُحَمَّد، ففخر ابن دأب على قريش ببني بكر، وذكر أيامها بذات نكيف ونكيف؛ قال:
[ ١ / ٢٣٧ ]
فدخل جدك موسى بْن عَبْد اللهِ على العباس بْن مُحَمَّد، وأنشد ابن دأب شعرًا لقريش فِيْهِ ألفاظ غليظة؛ فَقَالَ: ابن دأب: يا بْن عَبْد اللهِ بْن حسن أنا أعوذ بحقوي أبيك أن تقول فينا شيئًا لا أقدر على رده؛ قال: فقطع؛ فَقَالَ: أَبُو سعيد بْن سليمان في ذلك شعرًا:
لا نعدمنك يا موسى إِذَا رميت فهر ولم يرم عَن أحسابها أحد
ونوه الجدّ يبغي من يصول به أم من يعين إِذَا ما كانت الرفد
بقذف أعدائها عنها ويمنعها كما ينازل عَن أشباله الأسد
ما إن يبالي لؤي حين ينصبه للجد ما برق الأعداء أو رعدوا
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن إسحاق التيمي؛ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن جعدية؛ قال: كان الذي بين سعيد بْن سليمان المساحقي، وعَمْرو بْن عَبْد الرحمن العامري أسوأ ما بين اثنين، وكانا يتناضلان، يقعقع كل واحد منهما بصاحبه، ويتوذف له بذنبه توذف الفحل العظيم؛ يتحاذفان بمثل ما يوافد الغيظ الذي لا يرفع، فلما أن ورد القضاء على عَمْرو ابن عَبْد الرحمن، قَالَ: لأمير المدينة، ولصاحب بريدها: أمهلاني قليلًا أستخر وأعد إليكما، وأخذ الكتاب في كمه ثم دق على سعيد بْن سليمان الباب؛ فَقَالَ: لجاريته: أعلمي أبا عَبْد الجبار أن عُمَرًا بالباب، فدخلت فأعلمته؛ فقال: وما يريد؟ ائذني له؛ فدخل عليه فجلس بين يديه؛ فقال: إنه قد حدث حادث؛ قال: وما ذاك؟ قال: ورد على كتاب القضاء من أمير المؤمنين وكل مملوك له حر، وكل مال يملكه صدقة، لئن أمرتني برده لأردنه، ولا نالك مني مكروه أبدًا، ولا ألم بناحيتك مني شعث، وإنما كنت أنا وأنت
[ ١ / ٢٣٨ ]
نتناهض من كل بيننا بعز نفسه، فأصبحت الآن؛ إن ظهرت عليك فبيد السلطان، فمرني الآن بأمرك على شريطة؛ قال: وما هي؟ قال: تكون لي عونًا ترقع ما وهنت، وتصلح ما أفسدت، وإلا فلا حاجة لي بهَذَا؛ قال: فإني لك على ذلك. فقضى عَمْرو بْن عَبْد الرحمن؛ فكتب إليه يشكو بعض من كانا يعلمان أنه كان يقدح بينهما، وكان إِلَى عَمْرو أميل فكتب إليه سعيد:
بلوت إخاء الناس يا عَمْرو كلهم وجربت حتى أحكمتني تجاربي
فهونك في حب وبغض فربما بدا جانب من صاحب بعد جانب
فخذ صفو ما أحببت لا تنزرنه فعند بلوغ الكد رنق المشارب
ثم عزل عَمْرو عَن القضاء، ووليه سعيد؛ فَقَالَ لَهُ سعيد: إنك كأنك لم تعزل، فكان القاضي عُمَرًا، وكان سعيد كأنه تابع له.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن زهير، عَن زبير بْن أبي بكر؛ قال: حَدَّثَنِي موسى بْن طلحة، عَن عمه عُثْمَان بْن طلحة، عَن سعيد بْن سليمان؛ قال: قَالَ لي: يومًا الْحَسَن بْن زيد، وأنا معه على شرطه قولًا كان جوابه على خلاف ما اخترته: والله لهممت أن أفارقك فراقًا لا رجعة بعدها؛ فقلت: أيها الأمير إذًا أقول لك حينئذ:
وفارقت حتى ما أحن من الهوى وإن بان جيران عليّ كرام
فقد جعلت نفسي على النّأي تنطوي وعيني على هجر الصديق تنام
قال: فسكت عني فما رآني بدءًا حتى فارقني.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وقَالَ: زبير: حَدَّثَنِي عمي؛ قال: قَالَ: العباس بْن مُحَمَّد لسعيد بْن سليمان وكان ينقلب إِلَى الحجاز وإِلَى ماله بالجفر:
وليس إِلَى نجد وبرد مياهه إِلَى الحول إن حمّ الإياب سبيل
وبعث بهَذَا البيت إِلَى أبي؛ وقال: زد معه بيتًا آخر؛ فَقَالَ: أبي:
وإن مقام الحول في طلب الغنى بباب أمير المؤمنين قليل
وقَالَ: زبير: حَدَّثَنِي عَبْدُ الملك بْن الماجشون؛ قال: شهد سعيد بْن سليمان عند عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان، وهو على القضاء، فرد شهادته، فلما ولي سعيد بْن سليمان جاءه عَبْد اللهِ في شهادة فنظر فيها، وفكر طويلًا، ثم قَالَ: لكاتبه أجز شهادته يا بْن دينار؛ فإن أمير المؤمنين لا يشفي غيظه وعزل موسى بْن المهدي سعيد بْن سليمان المساحقي عَن القضاء، واستقضى مكانه عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ بْن عُمَر حفص الِعُمَرَي. وعَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ حدث وروى عنه، وفي حديثه لين.
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عرفة؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن عَبْد اللهِ الِعُمَرَي، عَن أبيه، عَن نافع، عَن ابن عُمَر؛ قال: قَالَ: رَسُوْلُ اللهِ ﷺ
[ ١ / ٢٤٠ ]
أتيت في المقام بعس مملوء لبنًا، فشربت منه حتى امتلأت، فرأيته يجري في عروقي، ففضلت فضلة؛ فأخذها عُمَر بْن الخطاب فشربها، أولوا؛ قالوا: هَذَا علم أتاكه الله ﵎، حتى إِذَا إمتلأت منه، فضلت فضلة، فأخذها عُمَر بْن الخطاب؛ قال: أصبتم.
قال: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمن بْن عَبْد اللهِ الِعُمَرَي، عَن سهيل بْن أبي صالح، عَن أبيه، عَن أبي هريرة، عَن النبي ﷺ؛ قال: كلم الله هَذَا البحر، وذكر حديثًا طويلًا.
وحدث عنه علي بْن مسلم الطوسي أيضًا بأحاديث مناكير وغيرهما حدث عنه.
ثم عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان ثانية، ثم هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة المخزومي، ثم عزل عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ واستقضى عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد
[ ١ / ٢٤١ ]
ابن عِمْرَان التيمي، ثم عزل واستقضى مكانه هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة ابن عَبْد الرحمن بْن الحارث بْن هشام المخزومي.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة، وجعفر بْن مكرم وغيرهما؛ قالوا: حَدَّثَنَا مصعب بْن عَبْد اللهِ؛ قال: حَدَّثَنِي هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة المخزومي، عَن هشام بْن عروة، عَن أبيه، عَن عَائِشَة؛ قالت: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:التمسوا الرزق في خبايا الأرض.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن مُحَمَّد بْن يحيى؛ قال: كان ابن أبي نمير مولى آل عُمَر ينزل حضير، وكان عُمَر بْن القاسم بْن عَبْد اللهِ بْن عبيد الله بْن عاصم بْن عُمَر بْن الخطاب ينزل النقيع، فحصد ابن أبي نمير شعيرًا له، فأرسل إليه عُمَر بْن القاسم: أن أرسل إلي بشعير وتبن للدابة، ففعل؛ ثم أعاد عليه، فألح عليه فامتنع؛ وقال:
أجزية تأخذ من قوم عرب
[ ١ / ٢٤٢ ]
الموت خيرٌ لك من بعض الحرب وأن تبيت مقعيًا على قتب
تمتار من عليه أو جز عَن حلب لصبية بين حضير وكلب
قال: وهما ماءان؛ فكان الذي هاج عَبْد اللهِ بْن عُمَر بْن القاسم عليهم، فخاصمهم إِلَى هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن الْحَسَن الزرقي؛ قال: سمعت عُمَر بْن عُثْمَان بْن أبي قباحة الزهري يحدث عَن إبراهيم بْن هبار؛ قال: لما عزل ابن عِمْرَان عَن القضاء، واستعمل هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة جزع من ذلك ابن عِمْرَان، فَقَالَ لَهُ بعض أصحابه تقول لابن الخياط يهجوه؛ فقال: نعم؛ فَقَالَ: ابن الخياط:
كم تعني لي هشام ذلك الجلف الطّويل
بعد وهن وهو في المجل س سكران يميل
هل إِلَى بان بسلع آخر الليل سبيل
قلت للنّدمان لما دارت الراح الشمول
بأبي مال هشام فكما مال فميلوا
فقلت لابن الخياط: كذبت يا عدو الله! كان والله أسرى من ذلك. ثم
أَبُو البختري وهب بْن وهب
فلم يزل هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة قاضيًا إِلَى أن قدم أَبُو البختري
[ ١ / ٢٤٣ ]
وهب بْن وهب واليًا، وقاضيًا، يوم الاثنين لسبع بقين من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائة.
قَالَ: أَبُو بكر: وهو أَبُو البختري وهب بْن وهب بْن كثير بْن عَبْد اللهِ ابن ربيعة بْن الأسود بْن المطلب بْن أسد بْن عَبْد العزى بْن قصي؛ ضعيف الحديث جدًا، لا يكتب حديثه، ولكنه كان جوادًا؛ قَالَ: فِيْهِ بعض الشعراء:
هلاّ فعلت هداك الإل هـ فينا كفعل أبي البختري
تذكّر إخوانه في البلاد فأغنى المقلّ عَن المكثر
وأَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن زهير، عَن زبير بْن أبي بكر؛ قال: حَدَّثَنِي عُثْمَان ابن عَبْد الرحمن؛ قال: أَخْبَرَنِي القوقل مُحَمَّد بْن نافع؛ قال: دخل الحدثي الشاعر على أبي البختري فأنشده:
[ ١ / ٢٤٤ ]
إذا افترّ وهب خلته برق عارض تبعّق في الأرضين أسعده السّكب
وما ضرّ وهبًا ذمّ من خالف الملا كما لا يضر البدر ينبحه الكلب
لكل إناس من أبيهم ذخيرةٌ وذخر بني وهب عقيد النّدى وهب
فاستهل أَبُو البختري ضاحكًا، وسر سرورًا كبيرًا، ودعا عونًا له، فأسر إليه فأتاه بصرة فيها خمسمائة دينار، فدفعها إليه.
قَالَ: عثمان: لا والله ما حضرت أبا البختري، ولا خبرني من حضره غيري يعطى شيئًا إِلَّا أتبع عطاءه عذرًا إِلَى صاحبه، وتهلل عند طلب الحاجة إليه، حتى لو يرى حاله غير عارف به لقَالَ: هو الذي قضيت حاجته.
أَخْبَرَنِي أَبُو طاهر الزبير بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بْن عُثْمَان بْن عروة بْن الزبير ابن أخي مصعب بْن عثمان، وقَالَ لي: رأيت عمي مصعب بْن عثمان، وعمتي أم كلثوم بنت عُثْمَان بْن مصعب؛ قَالَ: أَبُو طاهر: وقف رجل من ولد عَبْد الرحمن بْن هبار على أبي البختري وهب بْن وهب فقال:
أوخّر وهبًا للحساب لعله إِذَا كان يوم الحشر يغفر لي ذنبي
وأملته تأميل راج مكذّب وهل يغفر الذنب العظيم سوى ربي
قَالَ: أَبُو البختري: اقعد، وأمر له بمائتي دينار، وخلعة؛ فلما قام قَالَ: أَبُو البختري: إنه ابن الذي قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:شر الناس
[ ١ / ٢٤٥ ]
من اتقى لشره يعني عَبْد الرحمن بْن هبار.
وحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جعفر بْن سلم القاضي، قَالَ: حَدَّثَنِي حبيش بْن مبشر قَالَ: تقدم رجل إِلَى أبي البختري؛ فقال:
ما ترى أصلحك الّل هـ وأثرى لك مالا
في فتى أعوزه اله نّ حرامًا وحلالا
ويرى الناس يهب ون يمينًا وشمالا
قال: فأعطاه مائتي دينار، وقال: اذهب فافعل بها حلالا، وإياك والحرام.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أَخْبَرَنِي أَبُو مالك الإيادي؛ قال: سمعت عَبْد الصمد بْن موسى بْن مُحَمَّد ابن إبراهيم الإمام، ويحدث عَن أبيه؛ قال: كنت واقفًا على باب الرشيد، وإِلَى جانبي أَبُو البختري القاضي، فخرج خادم للرشيد؛ فقال: أبا البختري فأجابه؛ فقال: يقول لك أمير المؤمنين: هات طويلتك، فأخذها فأدخلها، ثم أخرجها، وقد قطع منها أربعة أصابع؛ قال: يقول لك أمير المؤمنين لا تعتد في زيك.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن علي بْن حمزة العلوي؛ قال: حَدَّثَنَا سليمان بْن أبي شيخ؛ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الملك بْن الماجشون أَبُو مروان؛ قال: قَالَ: أَبُو البختري، وهو على الصلاة والقضاء بالمدينة: أجمعوا إِلَى المشيرين، فأدخلوا عليه سبعة وعشرين رجلًا، فيهم عَبْد العزيز بْن أبي ثابت؛ فَقَالَ لَهُ عَبْد العزيز: أنت أصلحك الله، كما قَالَ: ابن الرقاع العاملي:
وعلمت حتى ما أسائل عالمًا عَن حرف واحدة لكي أزدادها
فضحك أَبُو البختري، فلما كان من الغد، قَالَ: أَبُو البختري: لا يدخل علي إِلَّا سبعة فأدخلوا سبعة ليس فيهم ابن أبي ثابت؛ فَقَالَ: ابن الماجشون: فلقيني؛ فقال: كيف صنعتم؟ فقلت كنا سبعة، وثامنهم كلبهم؛ أَبُو البختري.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن مسعود الزرقي؛ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عثمان
[ ١ / ٢٤٧ ]
ابن أبي قباحة الزهري؛ قال: حَدَّثَنِي أَبُو سعيد العقيلي، وكان من ظرفاء الناس، وشعرائهم؛ قال: لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر النَّبِيُّ ﷺ في قباء أسود، ومنطقة؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو البختري: حَدَّثَنِي جعفر بْن مُحَمَّد، عَن أبيه؛ قال: نزل جبريل على النَّبِيّ ﷺ عليه قباء ومنطقة محتجزًا فيها بخنجر؛ فَقَالَ: المعافي التيمي.
ويل وعول لأبي البختري إِذَا توافى الناس في المحشر
من قوله الزور وإعلانه بالكذب في الناس على جعفر
والله ما جالسه ساعة للفقه في بدو ولا محضر
ولا رآه الناس في دهره يمر بين القبر والمنبر
يا قاتل الله ابن وهب لقد أعلن بالزّور وبالمنكر
يزعم أن المصطفى أَحْمَدًا أتاه جبريل التّقي السّري
عليه خف وقباء أسود محتجزًا في الحقو بالخنجر
أَخْبَرَنَا أَبُو سعيد الحارثي عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد بْن منصور؛ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمن بْن يحيى العذري؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن عَبْد اللهِ الِعُمَرَي، الذي كان قاضي المدينة؛ قال: أرسل إِلَى هارون أمير المؤمنين،
[ ١ / ٢٤٨ ]
وإِلَى يحيى بْن عَبْد اللهِ بْن حسن، فجاء به مسرور، وقد دعا هارون بأمانه، وأنا حاضر، وعَبْد اللهِ بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان الطلحي، ومُحَمَّد بْن الْحَسَن الكوفي، وقاضي الجزيرة عَبْد الرحمن بْن صخر، ويحيى بْن خالد قائم عَن يمين هارون؛ قال: يا هؤلاء هَذَا يحيى بْن عَبْد اللهِ بْن حسن، وهَذَا أمانه الذي كتب له، إِلَّا أنه قد أحدث ما نقضه؛ زعم أن يحيى بْن خالد هَذَا أنه قد دس رجالًا ببغداد، فأخبروه أن عامة أهل بغداد قد بايعوا يحيى بْن عَبْد اللهِ على خلافي، وجاءني بصحائف له وجدها مع رجل قد توجه بها إِلَى بلخ، يدعو أهل خراسان إِلَى خلافي؛ فرجل قد حفر تحت رجلي، والتمس أن يزيلني عَن مكاني، أليس قد نقض ما كان بيني وبينه؟ قال: فَقَالَ: يحيى بْن خالد: نعم يا أمير المؤمنين؛ فنبذ هارون الأمان بقصبته إِلَى أبي البختري، فتناوله؛ فأقبل على يحيى بْن عَبْد اللهِ؛ فقال: اصدق أمير المؤمنين، وسله العفو؛ فَقَالَ لَهُ يحيى: لعنك الله؛ ومن أنت؛ لا أم لك حَيْثُ تقول لي: اصدق أمير المؤمنين؟ والله ما علم مني كذبًا منذ حلفني؛ فَقَالَ: هارون: خرق أمانه؛ قال: فوضع السكين فيه، فولي يحيى بْن عَبْد اللهِ منصرفًا وهو يقول والله ما جعل الله لكم أمانًا ولا وفاء.
أَخْبَرَنِي
[ ١ / ٢٤٩ ]
أَبُو العيناء مُحَمَّد بْن القاسم؛ قال: حَدَّثَنِي ابن أبي البختري، عَن أبيه؛ قال: كنا مع الرشيد في سفر له إِلَى الروم، وقد تقدمت حمولة الثلج، فاستسقى فبعثت الخيل في طلب الثلج فجعلت الخيل تحصف الجبل، وقد اشتد عطشه، فقال: اسقني من ماء الرحل، فلما أقره في فِيْهِ مجه؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو البختري: يا أمير المؤمنين قد كنت ألتمس موضعًا لوعظك فلا أجد، وقد أمكنني الآن، أفتأذن؟ قال: نعم؛ قال: فقلت يا أمير المؤمنين لو شربت الحار والقار، ولبست اللين والخشن، وأكلت الطيب والخبيث، فإنك لا تدري ما يكون من تصرف الدهر؛ فانتفخ في ثوبه حتى ظننته سينماز عنه ثم انحمص، وعاد لونه، وقال: يا أبا البختري إنا نلبس هذه النعمة ما أعطتنا فإذا، وأعوذ بالله، فارقتنا، رجعنا إِلَى عود غير خوار. وذكر أَبُو زيد عَن أبي غسان؛ قال: كلمت أبا البختري في يتيم عندي يثيبه، فوعدني مرارًا، فشكوت ذلك إِلَى كاتب له، فقال: أنت لا تحسن أن تسأل أبا البختري؛ إِذَا صلى فمر اليتيم فليصح به من وراء المقصورة: يا أبا البختري؛ قال: قلت: أفعل؛ فجئت باليتيم، فأقمته من وراء المقصورة، فلما صلى قال: يا أبا البختري؛ قال: لبيك، وأقبل عليه، وقال: مالك؟ قال: أنا غلام يتيم، قال: در إِلَى الباب فأتيته.
[ ١ / ٢٥٠ ]
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعيد بْن الْحَسَن السامي؛ قال: حَدَّثَنَا سهل بْن مُحَمَّد؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: قَالَ لي: الفضل بْن الربيع: أين قبر أبي النَّبِيُّ ﷺ؟ قلت: بالمدينة في دار النابغة؛ فقال: يا غلام اكتب إِلَى أبي البختري فاسأله؛ فَقَالَ: أَبُو البختري: سبحان الله! بمكة، فقلت للفضل: لا تسأل عَن هَذَا العلماء، ابعث الساعة إِلَى ابن بشير، وابن أشعث، وابن فروح، وابن فم الحوت، وابن دحيم المغنين، فسلهم فسئلوا، فقالوا: بالمدينة في دار النابغة في بني مالك بْن النجار.
حَدَّثَنَا العباس بْن مُحَمَّد الدوري؛ قال: سمعت يحيى بْن معين يقول: أَبُو البختري القاضي كذاب.
حدث عَن هشام بْن عروة، عَن أبيه، عَن عَائِشَة، وعن ثور، عَن خالد بْن معدان، عَن معاذ بْن جبل أن النَّبِيّ ﷺ سئل عَن الخبز والخمير يقرض الجيران فيردون أكثر أو أقل؛ قال: لا بأس بذلك.
[ ١ / ٢٥١ ]
قَالَ: عباس الدوري: قلت ليحيى: رحم الله أبا البختري؛ قال: رحم الله أبا البختري.
أَخْبَرَنَا أَبُو علي القوهستاني؛ قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن المنذر الحزامي؛ قال: سمعت أبا البختري بالمدينة قدم علينا فأتيناه، فسألناه عَن أهل العراق فقال: إني رفعت أهل العراق هكذا؛ فوضعوني هكذا.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن علي؛ حَدَّثَنَا علي بْن منصور العطار أَبُو خليد؛ قال: قَالَ: مالك بْن أنس: ما بال أقوام إِذَا خرجوا من المدينة يقولون: حَدَّثَنَا جعفر بْن مُحَمَّد؛ حَدَّثَنَا جعفر بْن مُحَمَّد فإذا قدموا المدينة انجحروا في البيوت يريد بذلك أبا البختري.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قال: أَخْبَرَنِي مصعب؛ قال: حَدَّثَنَا أَبُو البختري؛ قال: كنت آتي جدك مصعب بْن ثابت؛ فَقَالَ لي: من أنت؟ قلت وهب بْن وهب بْن عَبْد كثير؛ فَقَالَ لي: أنت وهب بْن وهب بْن كثير؛ تدري من سماه كثيرًا؟ أم سلمة زوج النبي ﷺ.
أَخْبَرَنِي هارون بْن مُحَمَّد، عَن زبير؛ قال: أكره أَبُو البختري سعيد بْن عُمَر الزبيري على أن يعمل له؛ فأبى؛ فقال:
أظنّ وهب بْن وهب أن أكون له لما تغطرس في سلطانه تبعا
حَدَّثَنِي أَبُو بكر بْن أبي الدنيا؛ قال: حَدَّثَنِي إبراهيم الأصبهاني، عَن نصر بْن علي، عَن مُحَمَّد بْن عباد، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مالك؛ قال: كنت عند هارون
[ ١ / ٢٥٢ ]
ودخل أَبُو البختري، فقال: يا أمير المؤمنين حَدَّثَنِي جعفر بْن مُحَمَّد، عَن أبيه عَن آبائه رفعه؛ قال: إِذَا كان يوم القيامة يؤخذ للناس القصاص إِلَّا من بني هاشم، فلما خرج قَالَ: هارون: لولا أن هَذَا قد كفانا بعض ما يهمنا من أمر المدينة لم أكن أقبله يكذب عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ في مجلسي.
حَدَّثَنِي ابن أبي الدنيا؛ قال: حَدَّثَنِي علي بْن أبي مريم، قال: قيل لأبي البختري: ألا تتخذ ترسا؟ قال: ترسي الصنائع.
وزعم النميري، عَن أبي يحيى الزهري، قال: أراد أَبُو البختري تولية سعيد بْن عَمْرو الزبيري شرطه فأبى عليه، فأكرهه فامتنع، فقال: قد وليت شرط عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد بْن إبراهيم؛ فإن قلت: إنه عباسي، فإن لي قرابتي وسني، فلان له، فألبسه السواد في مقعده، وقلده سيفًا، وقال: صلى بالناس العتمة، ففعل فانصرف إِلَى أهله فندم، وأراد أَبُو البختري أن يؤكد عليه، فأرسل إليه: أن صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ بالناس الصبح، فإني عليل، فأبى أن يفعل، وغدا حين أصبح إِلَى مسجد رسول الله ﷺ، فجلس به، وأرسل إِلَى مطرف بْن عَبْد اللهِ اليساري، وعَبْد الملك بْن الماجشون
[ ١ / ٢٥٣ ]
ولأبي غزية الأنصاري؛ وعَبْد اللهِ بْن نافع الصائغ؛ فَقَالَ: لمطرف: قد وليتك السجن، وقَالَ: لأبي غزية: قد وليتك السور، وقَالَ: لابن رافع: قد وليتك كذا، وقَالَ: لعَبْد الملك: قد وليتك كتابتي، فأَبُوا عليه فَقَالَ: إن كان لأبي البختري أن يكرهني، فلي أن أكرهكم فبلغ أبا البختري، فقال: ترسل إِلَى أعلام الناس، ورؤسائهم تريد أن تشاكل بهم الناس؛ اخلع سوادنا، واردد ما أعطيناك، فانتزع سيفه، وأخذ مائة دينار كان وهبها له، وأمر به فجعل يدفع في قفاه، وهو يكبر وقَالَ: في ذلك:
أراد وهب بْن وهب أن أكون له لما تغطرس في سلطانه تبعا
فلولا مخافة هارون وصولته إذًا قمعت اللئيم العَبْد فانقمعا
قد قلت حين هذي هَذَا به عنه أم ذا به طمع بل جاوز الطّمعا
بل قلت عَبْد تمنّى عقد بيعته والعَبْد يبطر أحيانًا إِذَا شبعا
لمّا تغطرس وهب في عمايته وازداد أبّهة واحتال وابتدعا
خرجت منها خروج القدح لا وكلا وجلّل العَبْد فيها اللؤم والطمعا
يروى أحاديث من إفك مجمّعة أُف لوهب وما روى وما جمعا
ثم