عزل أَبُو جعفر زِيَاد بْن عبيد الله الحارثي سنة إحدى وأربعين ومائة، واستعمل على المدينة مُحَمَّد بْن خالد بْن عَبْد اللهِ القسري، واستقضى عَبْد العزيز ابن المطلب بْن عَبْد اللهِ بْن حنطب المخزومي؛ قَالَ: أَبُو بكر: وكان عَبْد العزيز ابن المطلب من جلة قريش، وذوي أقدارهم.
حَدَّثَنِي أَبُو إسماعيل مُحَمَّد بْن إسماعيل بْن يوسف السلمي؛ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العزيز بْن عَبْد اللهِ الأويسي؛ قال: قَالَ: مالك بْن أنس: لا ينبغي أن تترك العمائم؛ لقد اعتممت وما في وجهي شعرة، ولقد رأيت في مجلس ربيعة بْن عَبْد الرحمن بضعة وثلاثين رجلًا معتمًا؛ قَالَ: مالك: ولقد أَخْبَرَنِي عَبْد العزيز بْن المطلب: أنه دخل المسجد ذات يوم بغير عمامة فسبني أبي سبابًا
[ ١ / ٢٠٢ ]
قبيحًا؛ وقال: أتدخل المسجد متحسرًا ليس عليك عمامة؟
قَالَ: أَبُو بكر: أردت أن مالك بْن أنس، وهو أسن منه، حكي عنه لمقداره. وقد حدث عنه الناس، أَبُو مالك العقدي، وخالد بْن مُحَمَّد، ويعقوب بْن إبراهيم بْن سعد، وابن أبي أويس، وغيرهم، وحديثه مقبول قَالَ: الزبير بْن بكار وولي القضاء بمكة.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن جعفر بْن مصعب بْن عَبْد اللهِ بْن مصعب الزبيري؛ قال: حَدَّثَنِي جدي؛ قال: تقدم مُحَمَّد بْن لوط بْن المغيرة بْن نوفل ابن الحارث بْن عَبْد المطلب إِلَى عَبْدِ العزيز بْن المطلب في خصومة؛ فقضى عليه عَبْد العزيز، وكان مُحَمَّد بْن لوط بْن المغيرة بْن نوفل بْن الحارث شديد الغضب، فَقَالَ لَهُ: لعنك الله، ولعن من استعملك، فَقَالَ: عَبْد العزيز: سب، وربك الله الحميد؛ أمير المؤمنين برز برز؛ فأخذه الحرس يبرزونه ليضربوه؛ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: أنت تضربني؟ والله لئن جلدتني سوطًا لأجلدنك سوطين، فأقبل عَبْد العزيز بْن المطلب على جلسائه؛ فقال: اسمعوا يجرئني على نفسه حتى أجلده فتقول قريش: جلاد قومه؛ ثم أقبل على مُحَمَّد بْن لوط؛ فقال: والله لا أجلدك ولا حبًا ولا كرامة، أرسلوه، فَقَالَ: مُحَمَّد بْن لوط: جزاك الله من ذي رحم خيرًا، فقد أحسنت وعفوت، ولو ضربت لكنت قد أجرمت ذلك منك، وما كان لي عليك سبيل، ولا أزال أشكرها لك وايم الله ما سمعت: ولا حبًا ولا كرامة في موضع قط أحسن منها في هَذَا الموضع،
[ ١ / ٢٠٣ ]
وانصرف مُحَمَّد بْن لوط راضيًا شاكرًا.
حَدَّثَنِي هارون بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك؛ قال: حَدَّثَنِي الزبير؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الملك بْن عَبْد العزيز، قال: حضرت عَبْد العزيز بْن المطلب، وبين يديه حسين بْن زيد بْن علي، يخاصم، فقضى على حسين؛ فَقَالَ لَهُ حسين: هَذَا والله قضاه يرد على استه، فحك عَبْد العزيز لحيته؛ وكذلك كان يفعل إِذَا غضب، وقَالَ: لبعض جلسائه: وربك الله الحميد، لقد أغلظ لي وما أرادني، ما أراد إِلَّا أمير المؤمنين؛ أنا قاضيه وقضائي قضاؤه، وقال: جرد ودعا بالسوط، وقد كان قَالَ: للحرس: إنما أنا بشر، يغضب كما يغضب البشر؛ فإذا أنا دعوت بالسوط فلا تعجلوا به حتى يسكن غضبي، فجرد حسين فما أنسى حسن غضبه وعليه ملحفة مروانية، وقَالَ: عَبْد العزيز لحسين: وربك الله الحميد، لأضربنك حتى يسيل دمك، ولأحبسنك حتى يكون أمير المؤمنين هو الذي يرسلك، فَقَالَ لَهُ حسين أو غير هَذَا أصلحك الله أحسن منه؟ قال: وما ذاك؟ قال: تصل رحمي وتعفو عني؛ فَقَالَ: عَبْد العزيز: أو غير هَذَا أحسن؟ أصل رحمك وأعفو عنك، يا جلواز، اردد عليه ثيابه وخل سبيله فخلاه.
قَالَ: زبير: أرسل ابن هرمة في كتاب إِلَى عَبْدِ العزيز بْن المطلب، يشكو إليه بعض حاله، فبعث إليه بخمسة عشر دينارًا، فمكث شهرًا، ثم بعث إليه يطلب منه شيئًا؛ فقال: لا والله ما نقوى على ما كان يقوى عليه الحكم ابن المطلب.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وكان عَبْد العزيز قد خطب امرأة من آل عُمَر بْن الخطاب فردته، وخطب إِلَى بني عامر بْن لؤي فزوجوه، فَقَالَ: ابن هرمة:
خطبت إِلَى كعب فردوك صاغرًا فحوّلت من كعب إِلَى جذم عامر
وفي عامر عزّ قديم وإنما أجارك فيهم هلك أهل المقابر
وقال:
أبالبخل تطلب ما قدّمت عرانين جادت بأموالها
فهيهات خالفت فعل الكرام خلاف الجمال بأَبُوالها
[قال] الزبير، أَخْبَرَنِي شيخ من قريش؛ قال: كان عَبْد العزيز بْن المطلب لا يستشير أحدًا، فأرسل يومًا إِلَى مالك بْن أنس؛ فقال: زعم الأعرابي أنه لا يستشير، فلما خرج مالك سألوه؛ استشارك؟ قال: لا بل استعداه علي رجل من أهل خراسان، وقال: سرت أشهرًا لا ينزعني إِلَّا مالك، فأبى أن يحَدَّثَنِي، ونحن لا نرضى بالعرض، فقضى علي أن أحدثه، قلنا لمالك وذاك الحق عندك؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: زبير: جاء عبادل مولى أبي رافع، يشهد عند ابن المطلب بمكة، وهو قاض فقال: ألست تقول؟
لقد طفت سبعًا قلت لما قضيتها ألا ليت هَذَا لا علي ولا ليا
[ ١ / ٢٠٥ ]
فقال: وأنا الذي أقول أيضًا:
من الحنطيين الّذين وجوههم مصابيح سقّاها السّليط الهياكل
فَقَالَ: دباب: والله حول البيت بالليل اكتب شهادته، فلما قام قال: امح شهادته، أعطانا رمحًا، وأعطيناه رمحًا.
وأَخْبَرَنِي هارون بْن مُحَمَّد، عَن زبير، عَن حارث بْن مُحَمَّد العوفي، قال: خاصم ابن عُمَر بْن عِمْرَانَ بْن عَبْد اللهِ بْن عَبْد الرحمن بْن أبي بكر الصديق إِلَى عَبْدِ العزيز بْن المطلب، فاشخص لعَبْد العزيز، فأمر به إِلَى السجن، فبلغ ذلك أبا عُمَر بْن عِمْرَانَ، فغضب وكان شديد الغضب، فذهب إِلَى عَبْدِ العزيز بْن المطلب، فاستأذن عليه، فأرسل إليه عَبْد العزيز: أنت غضبان وأنا غضبان، ولا أحب أن نلتقي على هذه الحال، وقد عرفت ما جئت له، وقد أمرت بإطلاق ابنك.
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن جعفر بْن مصعب الزبيري، عَن جده؛ قال: كان عَبْد العزيز بْن المطلب يشتكي عينيه مطرفًا أبدا فقال: ما كان بعينني بأس، ولكن كان أخي إِذَا اشتكى عينيه يقول: إكحلوا عَبْد العزيز معي، فكان أبي يأمر من يكحلني معه ليرضيه، وكان يحبه حبًا شديدًا فامرض عيني. قَالَ: أَبُو بكر: وعَبْد العزيز ابن المطلب الذي يقول: انشدنيها هارون عَن زبير:
[ ١ / ٢٠٦ ]
ذهبت وجوه عشيرتي فتخرّموا وبقيت بعدهم بشر زمان
أبغي الأنيس فما أرى من مؤنس يأوي إِلَى سكن من الأسكان
وفيه يقول الأصبغ بْن عَبْد العزيز، مولى خزاعة يمدحه؛ أنشدنيها هارون بْن مُحَمَّد:
إذا قيل من للعدل والحقّ والنهّى أشارت إِلَى عَبْدِ العزيز الأصابع
أشارت إِلَى حرّ المحاتد لم يكن ليدفعه عَن غاية المجد دافع
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن مُحَمَّد بْن يحيى الكناني، عَنْ عَبْدِ العزيز بْن عِمْرَانَ، قال: خطب عَبْد العزيز بْن المطلب مريم بنت صالح بْن إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن طلحة بْن عبيد الله فأجابه أَبُوها، وامتنع مُحَمَّد ابن عِمْرَان؛ فبلغ ذلك عَبْد العزيز فأغرى به من استعدى عليه، وعَبْد العزيز يومئذ قاض؛ فخرج ابن عِمْرَان إِلَى عُمَر، فخطب عَبْد العزيز بنتًا لعَمْرو بْن عَمْرو بْن عَبْد الرحمن بْن عُمَر بْن سهيل بْن عَمْرو، فتزوجها، فَقَالَ: محرز بْن جعفر مولى أبي هريرة:
ولما أبت تيم الكرام ابن حنطب تحول من تيم إِلَى حل عامر
وفي عامر فضل عليك وإنّما أجارك فيهم هلك أهل المقابر
وخوف لحكم إن ألمتّ ملمّةٌ إليك بهم يومًا عَن الحقّ جاير
فتيمٌ بطاحيّون بيضٌ وجوههم وحنطب نفس حلّ أعلى الظواهر
[ ١ / ٢٠٧ ]
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قال: أَخْبَرَنَا مصعب بْن عَبْد اللهِ؛ قال: حَدَّثَنِي مصعب بْن عثمان؛ قال: كانت عندنا مجنونة تتلقف الكلام القبيح، فتضرب به على الكبر، فمر بها عَبْد العزيز بْن المطلب، وكان قاضيًا ردئ العينين، كثيرًا ما يطرف بهما، فقالت لما رأته.
أرّق عيني ضراط القاضي
فلماسمعها قال: أتراها تعني فلانًا لإنسان آخر، فقالت:
قد رمدث عيناه من الإغماض كمثل لمع البرق للتّو ماض
فقال: اعزبي ومضى.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يزيد الهذلي؛ قال: حَدَّثَنِي ابن جندب الهذلي؛ قال: كنت أرمي مع أبي السائب المخزومي في عرض الرماد، فرمينا فطربت، فأنشدت:
إن الّذين غدوا بلبّك غادروا وشلا بعينك ما يزال معينا
غيّضن من عبراتهن وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فَقَالَ: أَبُو السائب: امرأته الطلاق إن كلم أحدًا حتى يمسي إِلَّا بهذين البيتين فانطلقنا؛ حتى إِذَا كنا ثنية الوداع، إِذَا نحن بعَبْد العزيز بْن المطلب قد أقبل من مجلس القضاء، فسلم على أبي السائب، فَقَالَ: أَبُو السائب
[ ١ / ٢٠٨ ]
إن الذين غدوا بلبك؛ فَقَالَ: عَبْد العزيز: ما الخبر يا أبا جندب؟ فقلت: لا والله إِلَّا أنا كنا في عرض الرماد وهو عرض مختصر، فأخاف أن يكون قد عرض للشيخ منى؛ قال: اللهم؛ فلما أمسينا جاءني أَبُو السائب؛ قَالَ: اذهب بنا نعتذر إِلَى القاضي؛ فأتيناه، فقال: أصلح الله القاضي، إن هَذَا الفاسق معسول اللسان، وأنا رقيق اللسان والقلب، وإنني حلفت أن لا أكلم أحدًا حتى أمسي إِلَّا بهذين البيتين.
أَخْبَرَنِي هارون بْن مُحَمَّد، عَن زبير بْن عَبْد الملك بْن الماجشون؛ قال: كتب عيسى بْن موسى، وهو ولي عهد، إِلَى عَبْدِ العزيز بْن المطلب؛ أن اركب إِلَى فلان الفزاري، فاخطب علي ابنته، فلانة، فركب عَبْد العزيز إِلَى الفزاري، فذكر له ما كتب إليه به ولي العهد؛ ورغبه في مصاهرته، فَقَالَ: الفزاري: والله لا أزوج الصغرى قبل الكبرى؛ قَالَ: فجهد به، فأبى، فخطب عَبْد العزيز فحمد الله، وأثنى عليه، ثم خطب الكبيرة على نفسه، فكلم الفزاري فزوجها إياه، ثم أعاد الخطبة فخطب الصغيرة على
[ ١ / ٢٠٩ ]
عيسى بْن موسى، فكلم الفزاري فزوجه إياها، وكتب إِلَى عيسى قد زوجتك فلانة، وتزوجت أختها الكبرى، وما كانت لي بها حاجة غير أنه كان من الخبر كيت وكيت.
أَخْبَرَنِي يحيى بْن حسن بْن جعفر الطالبي؛ قال: حَدَّثَنِي بكر بْن عَبْد الوهاب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر الواقدي؛ عَن مُحَمَّد بْن صالح، وعَبْد اللهِ بْن جعفر؛ قالا: كان آخر الأسارى رجلًا من بني مخزوم، وكان في حائط أبي أيوب الأنصاري، يعمل عملًا في الأرض فلم يفد إِلَّا بعد ثلاثة اشهر من فداء أصحابه، فدى بعد ذلك بتبيين أعفر، وهو جد عَبْد العزيز ابن المطلب.
قَالَ: الواقدي واستعدى على عِمْرَان بْن مُحَمَّد بْن سعيد بْن المسيب عند عَبْد العزيز بْن المطلب، وهو يومئذ على القضاء في زمان أبي جعفر المنصور، فأغلظ له عِمْرَان، فأمر به عَبْد العزيز بْن المطلب إِلَى الحبس؛ فَقَالَ لَهُ عِمْرَان: أين يحبسني؟ في أرض أبي أيوب فأعمل فيها عملًا؟ فَقَالَ: عَبْد العزيز ردوه فقد عرفنا ما ذهبت إليه.
قَالَ: أَبُو حسان الزيادي: عزل زِيَاد بْن عبيد الله عَبْد العزيز بْن المطلب، فاستقضى مُحَمَّدبْن عِمْرَان التيمي، وخالفه مُحَمَّد بْن يحيى الكناني؛ فزعم أن الذي ولي عَبْد العزيز بْن المطلب مُحَمَّد بْن خالد القسري. ثم