هرب عَبْد الواحد بْن سليمان من الحروريه حين دخلوا المدينة، واستقضوا رجلًا منهم. ثم استعمل مروان بْن مُحَمَّد على المدينة الوليد بْن عروة بْن مُحَمَّد بْن عطية السعدي، فاستعمل عليها أخاه يوسف بْن عروة،
[ ١ / ١٨١ ]
فاستقضى مُحَمَّدبْن عِمْرَان التيمي، وهو آخر قضاة بني أمية، وكان ابن عِمْرَان من رفعاء الناس وذوي أقدارهم، وله فقه، وعلم، وأدب، وروى عنه شيء من الحديث
وهو صاحب الحديث الذي حَدَّثَنَا به الأحوص القاضي وغيره؛ قالوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن عبيد الله بْن إسحاق بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان؛ قال: حَدَّثَنِي أبي، عَن أبيه، عَن مُحَمَّدبْن عِمْرَان، عَن القاسم بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر، عَن عَائِشَة؛ قالت: لما اجتمع أصحاب رسول الله، وكانوا ثمانيةً وثلاثين رجلًا، ألح أَبُو بكر على رسول الله في الظهور؛ فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أَبُو بكر يلح عليه، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أَبُو بكر خطيبًا في الناس، ورَسُوْلُ اللهِ ﷺ جالس، وكان أول خطيب دعا إِلَى الله ورسوله؛ في حديث طويل.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قال: حَدَّثَنَا مصعب؛ قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللهِ بْن مصعب؛ قال: ذكر المهدي مُحَمَّدبْن عِمْرَان، فبجله، وقال: بلغني أنه يعد الخبز على امرأته؛ فَقَالَ لَهُ: أنى! والله يا أمير المؤمنين لو رأيته لقلت هَذَا جبل نفخ فِيْهِ الروح.
[ ١ / ١٨٢ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أبي علي العبسي؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن صبح العذري؛ قال: حَدَّثَنِي أبي، عَن الرجال بْن موسى، عَن أبيه؛ قال: قَالَ مُحَمَّدبْن عِمْرَان: ما شيء أشد من حمل المروءة؛ قيل له: أي شيء المروءة؟ قال: لا أعمل شيئًا في السر أستحي منه في العلانية.
وأَخْبَرَنَا حماد بْن إسحاق بْن إبراهيم الموصلي، عَن أبيه؛ قال: دخل مُحَمَّدبْن عِمْرَان على أبي جعفر، فلما كلمه أعجبه، فقال: إن أهل بلدك ليثنون عليك ثناءً جميلًا؛ على أنهم يزعمون أن فيك إمساكًا وبخلًا؛ قال: يا أمير المؤمنين: إني وإياك لا نحب أن نضيع.
قَالَ: إسحاق: ووقف مُحَمَّدبْن عِمْرَان على باب أبي جعفر، وقد أذن له إذنًا عامًا، فَقَالَ لَهُ الحاجب: ما إسمك؟ قال: ما مثلي يحتاج أن يخبر عَن نفسه؛ سل تخبر، ودفع في صدر الحاجب ودخل.
قال: ولما دخل أَبُو جعفر المدينة يريد الحج لقيه الناس يتظلمون من مُحَمَّدبْن عِمْرَان، وهو يسايره؛ فقال: ما هَذَا؟ قال: يا أمير المؤمنين ما لم تر أكثر؛ نصف أهل المدينة ممن قضيت عليهم غضبان، ولا والله ما يجوز للقاضي أن يترك الحق لغضب الناس.
[ ١ / ١٨٣ ]
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة، وعَبْد اللهِ بْن جعفر بْن مصعب؛ قالا: أَخْبَرَنَا مصعب؛ قال: كان مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن طلحة بْن عبيد الله قاضيًا لزِيَاد بْن عبيد الله الحارثي على المدينة أيام المنصور، وكانت الأمراء هم الذين يولون القضاة، وكان مُحَمَّدبْن عِمْرَان من أمل المروءة والصلابة في القضاء، لا يطمع فيه، فقدم أَبُو أيوب المورياني المدينة حاجًا، فاستعدى عليه أقرباؤه مُحَمَّدبْن عِمْرَان، فأرسل إليه فلم يحضر، فلقيه عند زياد؛ فقال: أرسلت إليك فلم توكل ولم تحضر، فرد عليه أَبُو أيوب ردًا عنيفًا، فمد مُحَمَّد إليه يده ليبطش به، وكان أيدا، فحال دونه الأمير والشرط، فقيل له: إن خرجت عرض لك موالي أبي أيوب؛ فتقلد السيف، وخرج حتى أتى المسجد، فهابوه فلم يقدموا عليه. وكان رجلًا مصلحًا لماله، فبسب إِلَى البخل، فبلغه ما يقول الناس فقال: إني والله ما أجمد في الحق، ولا أذوب في الباطل.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعد الكراني؛ قال: حَدَّثَنَا سهل بْن مُحَمَّد؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: حَدَّثَنَا مولى لآل الخطاب؛ قال: قَالَ لي: ابن عِمْرَان
[ ١ / ١٨٤ ]
قاضي المدينة: أنشدني شعر أحيحة بْن الجلاح فأنشدته:
أطعت العرس في الشّهوات حتى أعادتني عسيفًا عَبْد عَبْد
إذا ما جئتها قد بعت عذقًا تعانق أو تقبل أو تفدّى
قال: إيه زدني؛ فأنشدته:
فمن وجد الغنى فليصطنعه صنيعته ويجهد كلّ جهد
فَقَالَ: إيه؛ وكأنه أعجبه.
حَدَّثَنَا حماد بْن إسحاق؛ قال: حَدَّثَنِي مصعب بْن عَبْد اللهِ؛ قال: أحضر مُحَمَّدبْن عِمْرَان الطلحي شهودًا يشهدون على عهد له؛ فأنشد بعضهم:
إذا ما جئتها قد بعت عذقًا تقبّل أو تعانق أو تفدّى
الأبيات، فلما فرع القوم من شهادتهم قَالَ مُحَمَّدبْن عِمْرَان: لكاتب: اكتب هذه الأبيات في أسفل الصك؛ قال: وما يدعوك إِلَى هَذَا؟ قال: لعل متعظًا من بني يقرأها فيتعظ بها.
وأَخْبَرَنِي حماد؛ قال: حَدَّثَنِي مصعب، أو عَبْد اللهِ بْن إبراهيم الجمحي قال: أتى مُحَمَّدبْن عِمْرَان جماعة من أهل المدينة؛ فقالوا: رجل منا أفلس فأحببنا أن تجعل له رأس مال؛ فقال: إنا والله ما نتدفق في الباطل، ولا نجمد عند الحق، وما علينا كلما أفلس تاجر من تجار المدينة أن نجعل له رأس مال، ثم تمثل بقول كثير:
[ ١ / ١٨٥ ]
إذا المال لم يوجب عليك عطاؤه صنيعة تقوى أو صديق تخالقه
منعت وبعض المنع حزم وقوةٌ ولم يقتلتك المال إِلَّا حقائقه
انصرفوا راشدين.
حَدَّثَنِيه طلحة بْن عبيد الله الطلحي؛ قال: حَدَّثَنِي عافية بْن شبيب، عَن العتبي نحوه. أَخْبَرَنِي أَبُو حمزة أنس بْن خالد الأنصاري؛ قال: حَدَّثَنِي قبيصة بْن عُمَر المهلبي؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: كنت مع مُحَمَّدبْن عِمْرَان الطلحي قاعدًا، وهو على قضاء المدينة؛ فلما خلا المجلس قال: يا أبا سعيد من يغني بهَذَا الصوت؟:
ظعن الأمير بأحسن الخلق وغدوا بلبّك مطلع الشّرق
برزت على قرب يقاد بها بغل أمام برازق زرق
[ ١ / ١٨٦ ]
قلت: لا أدري قَالَ: معَبْد.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن أبي الدنيا؛ قال: حَدَّثَنِي يحيى بْن عَبْد اللهِ الخثعمي، عَن الأصمعي؛ قال: أنشدت مُحَمَّدبْن عِمْرَان قاضي المدينة، وكان من أعقل من رأيت من القرشيين:
يأيّها السّائل عَن منزلي نزلت في الخان على نفسي
يغدو عليّ الخبز من خابز لا يقبل الرّهن ولا ينسى
آكل من كيسي ومن كسوتي حتى لقد أوجعني ضرسي
فقال: اكتبها لي؛ فقلت: أصلحك الله إنما يروي هذه الأحداث؛ قال: ويحك! الأشراف همتهم الملاحة.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن علي بْن الْحَسَن الهاشمي؛ قال: حَدَّثَنَا نصر بْن علي؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: حَدَّثَنَا ابن عِمْرَان الطلحي، عَن أبيه، قال:
[ ١ / ١٨٧ ]
شباب النِّسَاء ما بين خمس عشرة إِلَى الثلاثين.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يحيى ثعلب، عَن ابن الأعرابي؛ قال: لما قدم أَبُو مسلم المدينة دخل عليه الحكم بْن المطلب المخزومي، ومُحَمَّدبْن عِمْرَان التيمي، وأهل المدينة، فأحجم الناس ما يتكلم أحد هيبة لأبي مسلم؛ فَقَالَ: الحكم بْن المطلب ليبسط أبا مسلم: أيها الأمير أي البلدين أبرد أبلدنا أم أم بلدكم؟ فَقَالَ: أَبُو مسلم: خذ بأرجلهما، فاسجنهما حتى نخرجهما، فأخذ الحاجب برجل الحكم بْن المطلب، ومُحَمَّدبْن عِمْرَان، فسجنهما، فلما صارا في بعض الأَبُواب اصطك رأساهما؛ فَقَالَ مُحَمَّدبْن عِمْرَان: للحكم: يا بْن أم ما عليك أي البلدين أبرد؟
أَخْبَرَنَا حماد بْن إسحاق الموصلي؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن إبراهيم الجمحي؛ قال: تقدم إِلَى مُحَمَّدبْن عِمْرَان المخنث مع خصم له؛ فَقَالَ: الخصم: لدنيه تكلمني بهَذَا الكلام مع ما بعينيك من الاسترخاء؟ فَقَالَ: دنية: أصلح الله القاضي، قد عرض بي فأدبه أصلحك الله، فَقَالَ: ابن عِمْرَان للجلواز: اخفقه بالدرة فخفقه خفقة، أو خفقتين، ثم قال: حسبك، فَقَالَ: دنية: أصلحك الله! هَذَا فقط على التعريض، فقال: والله لقد ضربناه، وإن في عينيك لبعض ما قال.
وأَخْبَرَنَا حماد بْن إسحاق؛ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن إبراهيم بْن قدامة الجمحي؛ قال: كان مُحَمَّدبْن عِمْرَان من الطيبين، وكان بالمدينة مجنون
[ ١ / ١٨٨ ]
يكنى أبا حجر، فمر ابن عِمْرَان يومًا، وهو يشتم الناس؛ فقال: يا أبا حجر كف عَن شتم الناس؛ فقال: والله لأشتمنهم، ولأشتمنك معهم إن أتيت فضربه ابن عِمْرَان بسوطه، فلما وجد حر الضرب جعل يخبله ويقول: اشهد أنك قاض أحمق، أنا أقول له: لا أشتم الناس، وهو يقول لي: بلى والله لتشتمنهم.
قَالَ: عَبْد اللهِ بْن إبراهيم: وزعموا أنه أراد الخروج إِلَى ضيعة له، يغني ابن عِمْرَان، وأراد أن يخرج بعجوز لهم فأمر أن يستأجر لها دابة، فأَبُوا أن ينقصوا من ثمانية عشرة بها في مسيرة يوم وبعض آخر، فقال: أعلم أن في بغلي فضلًا، فجعل عليه محملًا وركب معادلًا لها، ومر على مجالس المدينة يسلم عليهم، ولم يغرم ثمانية عشرة درهمًا.
أنشدني أَبُو بكر أَحْمَد بْن أبي خيثمة لأبي الشدائد الفزاري يهجو مُحَمَّدبْن عِمْرَان التيمي:
عند ابن عِمْرَان زهو غير ذي رطب وعنده رطب في النّخل ممنوع
وأنشدني أيضًا لأبي الشدائد:
إني لأستحي لتيم من الذي أطلق ابن عِمْرَان الطويل من البخل
يرى خدبًا شحمًا طويلًا وإنما عصا خروع بين العمامة والنعل
[ ١ / ١٨٩ ]
ورواها الهيثم بْن عدي لحشرج أبي زِيَاد الأشجعي والذي قبله.
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن يعقوب بْن القاسم الطلحي؛ قَالَ: عَبْد اللهِ بْن مصعب لمُحَمَّدبْن عِمْرَان:
يمشي العرضنة سامتًا متصاعرًا نخوة المتصاعر
وإذا سمعت بهمّتي ورأيتني فكأن قلبك في جناحي طائر
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن عَن النميري، عَن مُحَمَّد بْن يحيى، عَن يعقوب بْن مُحَمَّد؛ قال: قَالَ مُحَمَّدبْن عِمْرَان: لرجل من قريش أباني أثط لا لحية يرهب قوله: هجاجًا هجاجًا أتصابني؟ فأنا والله أصب منك.
قَالَ: وكان مُحَمَّدبْن عِمْرَان إِذَا فرغ من أمر الرجل قَالَ: لمولى له يقوم على رأسه: يا حنين المقه بفارغ ثم اسلكه شرقًا أو غربًا.
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عثمان، عَن سليمان بْن أبي شيخ؛ قال: كان مُحَمَّدبْن عِمْرَان الطلحي على قضاء المدينة؛ فتقدم إليه رجل فتكلم بشيء؛ فَقَالَ: لقيمه أقمه عند رجلي البغلة؛ قال: وبغلته مربوطة بحياله، فَقَالَ لَهُ
[ ١ / ١٩٠ ]
الرجل: أصلحك الله كيف حلها؟ فَقَالَ لَهُ ابن عِمْرَان أتتماجن علي؟ اذهب به يا فلان إِلَى السجن. قال: وقَالَ مُحَمَّدبْن عِمْرَان: لسالم بْن أبي الغفار؛ مولى هذيل وكان ماجنًا ويحك يا سالم؛ لك هيئة وسمت، أفلا تقصر عما أنت فِيْهِ؟ فقال: والله إني لأهم بذاك؛ فإذا رأيت دار ابن عمك طلحة بْن فلان لم يخسف بها، علمت أن في الأمر مهلة؛ وكان طلحة بْن بلال مع موسى بْن عيسى بالكوفة شيخًا ما جنا أخبث الناس.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: حَدَّثَنِي يعقوب بْن مُحَمَّد الزهري، عَنْ عَبْدِ العزيز بْن عِمْرَانَ إن شاء الله، عَن مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بْن عَمْرو ابن عثمان؛ قال: شهدت مُحَمَّدبْن عِمْرَان القاضي، واختصم إليه رجلان من بلى؛ فَقَالَ: أحدهما: والله، أصلح الله القاضي، إنه ليخاصمني، ولا والله ما يحسن يتوضأ: فقال: إن كنت لا أحسن استرشدتك فأرشدت؛ والله لكأنما قال: تقرى الضيف. أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن هارون الوراق، ورواه المدائني؛ قال: كان مُحَمَّدبْن عِمْرَان الطلحي على قضاء المدينة وصلاتها، وكان بها رجل من البزازين، يُقَالُ لَهُ: أَبُو المفلاح، أفسد ماله حتى أفلس، وكان ابن عِمْرَان إِذَا أراد
[ ١ / ١٩١ ]
أن يستحلف إنسانًا قبل: إن كنت كاذبًا صيرك الله مثل أبي المفلاح؛ قال: فجاء يومًا إِلَى أبي المفلاح يطلبه إِلَى ابن جندب الهذلي الشاعر؛ فَقَالَ لَهُ: بيني وبينك الوالي؛ قال: لم؟ بيني وبينك خصومة؟ قال: ستعلم إِذَا صرنا إليه؛ فلما صارا إِلَى ابن عِمْرَان قَالَ: أَبُو المفلاح: أصلحك الله! أما آن لك أن تكف عني، وتعينني؟ قال: من ماذا؟ قال: من قولك صيرك الله مثل أبي المفلاح، أنا رجل كنت تاجرًا فذهب مالي، وهَذَا ابن جندب؛ كان صالحًا ففسق، وكان مستورًا فتهتك؛ وكان إمام المسجد فصار يقول الشعر، ويغني فيه، فأينا أهلك وأسوأ حالًا في الدنيا والآخرة أنا أو هو؟ قال: بل هو؛ قال: فقال: أصلحك الله؛ لم لا تدعو عليه: صيرك الله مثل ابن جندب، أو أعفني؛ قال: صدقت، وأنا فاعل، فلما خرجا من عند ابن عِمْرَان قَالَ: ابن جندب لأبي المفلاح: إنما جئت لهَذَا؛ أما والله لأفضحنك اليوم وتعير به غدا.
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قال: حَدَّثَنَا إبراهيم، عَن إسحاق التيمي؛ قال: أخبرتني أم سعيد بنت إبراهيم بْن عُمَر بْن أبان بْن عثمان، وهي جدة أبي، عَن زوجها عَبْد الرحمن بْن طلحة قالت: كتب إِلَى:
هبيني امرءًا أذنبت ذنبًا جهلته ولم آته عمدًا وذو الحلم يجهل
فقد تبت من ذنبي وأعتبت فاقبلي فمثلك من مثلي إِذَا تاب يقبل
عفا الله عمّا قد مضى لست عائدًا فهأنذا من سخطكم أتنصّل
فعودي بحلم واصفحي عَن إساتنا وإن شيت قلنا إنّ حكمك مرسل
[ ١ / ١٩٢ ]
فبلغ القاضي، فركب إليه ابن عِمْرَان؛ فقال: لو قلت: إن شئت إن حكمك مرسل؛ فقال: لو قلت لها قالت: هي الطلاق.
أَخْبَرَنَا أَبُو ظاهر الدمشقي أَحْمَد بْن بشر بْن عَبْد الوهاب؛ قال: حَدَّثَنِي أَبُو عبيد الله؛ قال: حَدَّثَنِي أَبُو يعقوب؛ قال: حَدَّثَنِي نمير الشيباني؛ قال: كنت كاتبًا لمُحَمَّدبْن عِمْرَان، وهو على قضاء المدينة، فحج أَبُو جعفر، فأراد أن يمضي بالحمالين إِلَى الشام فاستعدوا عليه إِلَى ابن عِمْرَان، وكان قاضيه على المدينة؛ فَقَالَ: لنمير: اكتب عليه عدوي؛ فقلت: إنه يعرف خطي؛ قال: والله لا يكون الرسول غيرك. قال: فمشيت إِلَى الربيع، فأوصلت إليه العدوى؛ فقال: إن أمير المؤمنين مدعو إِلَى الحكم، فلا تقم له أحدًا إِذَا خرج؛ فقال: والله يا ربيع لئن دخلت المسجد فقام إلي ابن عِمْرَان هيبة والله لا يلي لي عملًا أبدًا، فدخل المسجد، وكان ابن عِمْرَان محتبيًا، فلما رآه حل حبوته واتكى، فَقَالَ لَهُ الذي على رأسه: بأي شيء أنادي أبالخلافة أو باسمه؟ قال: باسمه فناداه فتقدم إليه فقضى عليه، فلما أن أراد أن يقوم قال: يا أمير المؤمنين: بنو فلان يتظلمون منك، فإما أن تحضر معهم، أو توكل وكيلًا يقوم مقامك؛ قال: هَذَا الربيع يوكله أَبُو جعفر، فلما قام قَالَ: أَبُو جعفر: إِذَا فرغ قابلني به، فلما دخل عليه قال: ما حملك على ما بلغني عنك؟ قال: ما هي؟ قال: لا تسلم على الناس تيهًا؛ قال: وماذا؟ قال: ولك مكيال ناقص؛ قال: وماذا؟ قَالَ: لا تشهد الصلاة في
[ ١ / ١٩٣ ]
جماعة؛ قال: أما تركي السلام على الناس؛ فإن القاضي إِذَا سلم على الناس ذهبت هيبته؛ أخرجت منها؟ قال: نعم؛ وأما مكيالي الناقص؛ فإني لا أبيع به ولا أشتري؛ إنما أقرت به عيالي؛ أخرجت منها؟ قال: نعم؛ وأما تركي الصلاة في جماعة فإني رجل مثقل البدن؛ فإذا صليت في جماعة لم يتم لي؛ أخرجت منها؟ قال: نعم؛ وأمر له بمال، هو في أيدي ورثته إِلَى اليوم.
أَخْبَرَنِي الأحوص بْن المفضل بْن غسان؛ قال: حَدَّثَنَا أبي، عَن فلان ابن الجراح؛ قال: جاء مُحَمَّدبْن عِمْرَان إِلَى الجمعة يتخطى رقاب الناس، فقام إليه رجل؛ فقال: أصلحك الله، إنك قاض من قضاة المسلمين وإمام من أئمتهم؛ فإذا رآك الجاهل قال: هذه سنة؛ قال: من أنت؟ قال: أنا نما قال: ومن نما؟ قال: نما الخياط؛ قَالَ: نعم يا نما؛ وزادني أَبُو خالد المهلبي عَن أَحْمَد بْن المعذل؛ فَقَالَ: ابن عِمْرَان له: وأما والله لو كنت من قريش لسمعت الجواب؛ قال: وكان نما بعد ذلك إِذَا أتاه قَالَ لَهُ: أزائرًا أم شاهدًا؟ فإن قال: شاهدًا قبل شهادته، وإن كان معه رجل سأل عنه، فإن زكاه قبله.
وذكر الزبير بْن بكار؛ قال: أَخْبَرَنِي موسى بْن زهير؛ قال: نزل مُحَمَّدبْن عِمْرَان الطلحي، وهو ساع على بني فزارة، فنزل جنفاء الجباب مجمعًا من مجامعهم، فجاء ابن ميادة على ذلك الماء، فامتدحه فَقَالَ لَهُ ما تشاء يا بْن ميادة؟ واحتكم؛ قال: ما كانت تعودني آل سُفْيَان قبلك على هَذَا الماء؛ قال: وما كانت نعودك؟ قال: يحبونني عشر فرائض؛ قال: ذلك لك
[ ١ / ١٩٤ ]
وجاءه جماعة من أخواله بني فزارة يسلمون عليه، ومعهم جار له من بني جعفر بْن كلاب، وكان جميلًا وسيمًا، فسلم عليه معهم، ثم قام قبلهم، فأقبل عليه ابن عِمْرَان؛ فقال: لقد كنت أحب أن أرى في أخوالي مثل هَذَا؛ قَالَ: ابن ميادة: إنما هَذَا خرب من الخربان، لا فؤاد له؛ فسمعها الجعفري بكر، فأقبل على ابن ميادة؛ فقال: أتقع في عند الأمير وأنت لا تقري ضيفك؟ قال: فأهون شأنه! إني إن لم أقر قري ابن عمي إِلَى جنبي وأنت لا تقري أنت ولا ابن عمك.
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب، عَن زهير وابن مصعب بْن عثمان؛ قال: ما رأيت بريق صلع الأشراف في سوق الرقيق أكثر منها حَيْثُ بيعت القتيلية، وبلغت خمسمائة دينار؛ فَقَالَ: المغيرة بْن عَبْد الرحمن لابن أبي قتيلة: ويحك أعتقها تقوم عليك وتزوجها: ففعل؛ فرفع ذلك إِلَى ابن عِمْرَان الطلحي؛ فقال: أخطأ الذي أشار عليه بهَذَا؛ أما نحن فقد علمنا أن قد بلغت خمسمائة دينار، فاذهبوا فقوموها فإن بلغت أكثر من خمسمائة دينار فخذوا منه الأكثر، وإلا فخذوا منه خمسمائة دينار، فاستحسن الناس هَذَا الرأي من ابن عِمْرَان؛ وليس ذلك مما عليه الناس قبلنا.
[ ١ / ١٩٥ ]
وأَخْبَرَنِي عَبْد الرحمن بْن إبراهيم، عَن العباس بْن ميمون، عَن الأصمعي؛ قال: حَدَّثَنَا ابن عِمْرَان قاضي أهل المدينة؛ قال: بلغني أن طلحة بْن عبيد الله فدا عشرة من أهل بدر، ثم جاء يمشي معهم أو بينهم.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قَالَ: حَدَّثَنِي زبير، عَنْ عَبْدِ الحميد بْن عَبْد العزيز ابن عَبْد اللهِ بْن عَبْد اللهِ بْن عُمَر؛ قال: كان مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن إبراهيم الطلحي فيمن تخلف عَن الخروج مع مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بْن حسن، فلما ظهر عليه المنصور أمر بأصحابه يلتقطون في كل وجه، فكان مُحَمَّدبْن عِمْرَان يقول: اللهم حوالينا ولا علينا؛ قَالَ: عَبْد الحميد: فبلغ أخي عَبْد اللهِ بن
[ ١ / ١٩٦ ]
عَبْد العزيز الِعُمَرَي؛ فقال: هَلْ رأيتم أجهل بالله من هَذَا الشيخ يدعو على المسلمين؟ وكان عَبْد اللهِ بْن عَبْد العزيز قد ظهر هو وبنوه، عَبْد اللهِ، وإسحاق، ومُحَمَّد؛ كانوا ظهروا مع مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن مُحَمَّد بْن يحيى؛ قَالَ: مرت إبل لمُحَمَّدبْن عِمْرَان تحمل قتًا من ضيعته؛ فقيل لابن هرمة؛ لو سألته منها حبلًا ما أعطاك، فبعث إليه: إن لي حمارًا أفأعلفه من قت أرضك؟ فصرف الإبل كلها إليه. وقَالَ: فِيْهِ شاعر:
يا قفل جود ضلّ مفتاحه فلم يرى يومًا بمفتوح
لا غرّني الدّهر جمال له مدح وفعلٌ غير ممدوح
ما أرتجي من صنم قائم ليس بذي نفع ولا روح
كمرقة الب قَالَ: يبدو لها ريحٌ وليس الطّعم كالرّيح
قال: ومر عقبة الحذاء بابن عِمْرَان يومًا؛ فقال: إِلَى أين يا عقبة؟ أفي بعض أباطيلك؟ فقال: ابن عمك هارون بْن إبراهيم اشترى منه كلبين عنده؛ قال: اللهم أجره؛ ما يحسن إِلَّا الباطل؛ قال: تسألني عَن ما بين المن والسلوى إِلَى الكراث؛ قال: ويلك كيف الحذاء؟ قال: عَن أيها تسأل؟ قال: كيف نعل درهم؛ قال: لو اغتفرت اللون والجلد ما كان بها بأس؛ قال: فهل بقي إِلَّا الشراك.
وذكر رجاء بْن سهل الصغاني عَن ابن مسهر؛ قال: حَدَّثَنَا سعيد
[ ١ / ١٩٧ ]
يعني ابن عَبْد العزيز؛ قال: لما قدم أَبُو جعفر المدينة في الحج تلقاه الناس فنزلوا يمشون بين يديه، ولم ينزل ابن عِمْرَان القاضي؛ فوقف على بغلته، وقال: بارك الله لأمير المؤمنين في مقدمه، وأراه السرور والعافية في أمره، فَقَالَ: أَبُو جعفر: من هَذَا الأهوج؟ قالوا: قاضيك على المدينة مُحَمَّدبْن عِمْرَان؛ قال: اضربوا وجه بغلته، فجعلوا يضربون البغلة؛ فجعل الشيخ اللهم غفرا؛ البغلة نفور، والشيخ كبير، وهذه سنة لا نعرفها، فضحك أَبُو جعفر وقال: دعوا الشيخ. وأنشد ابن الزبير لأبي الدهي إبراهيم بْن زِيَاد بْن عَبْد اللهِ بْن قرة في مُحَمَّدبْن عِمْرَان:
ما سرّنا مذ شبّ أن قبيلة من النّاس جاءوا بابن أخت يعادله
أشم طوال السّاعدين كأنما يناط إِلَى جذع طويل حمائله
أَخْبَرَنِي الحارث بْن مُحَمَّد، عَن مُحَمَّد بْن سعد؛ قال: مُحَمَّدبْن عِمْرَان يكنى أبا سليمان، أمه بنت سلمة بْن عُمَر بْن أبي سلمة.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: حَدَّثَنِي إسماعيل بْن يعقوب الزهري، قال: أنشدني حكيم بْن طلحة الفزاري؛ قال: أنشدني مُحَمَّد بْن عميلة الفزاري يهجو مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن طلحة:
لما رأيت ابن إبراهيم أبخلنا وكنت من نفر ليسوا بسؤال
قرّبت ناجية حرفا مقتلّة تهوى بمنخرق السّربال ذيّال
[ ١ / ١٩٨ ]
يرى الشّليل عليها حين ترفعه كدرع صوف على خرقاء شملال
لئن بخلت علينا يا بْن عمّتنا لنأتين ابن أخت غير بخّال
أَخْبَرَنِي ابن شبيب؛ قال: حَدَّثَنِي حكيم بْن طلحة الفزاري؛ قال: نزل جماعة من بني منصور على مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن طلحة بْن عبيد الله، وفيهم مُحَمَّد بْن عميلة، فحملهم مُحَمَّدبْن عِمْرَان على أباعر لم يرضوا بها، فَقَالَ: مُحَمَّد بْن عميله:
بنو حسن كانوا محلّ رجائنا قديمًا وما كنّا ابن عِمْرَان نتبع
أقمنا زمانًا ثم رحنا عشيّةً على قاطبات النكارى توضع
ولو كان عَبْد الله ألقى رحالنا على كل فتلاء الذراعين جرشع
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن جعفر بْن مصعب الزبيري، عَن جده، قال: أم مُحَمَّد ابن عِمْرَان أسماء بنت سلمة بْن عُمَر بْن أبي سلمة بْن عَبْد الأسد، وأخوه لأمه عبيد الله بْن عروة بْن الزبير
[ ١ / ١٩٩ ]