وولى معاذ في رجب سنة إحدى وثمانين ومائة اللاحق بمعاذ بْن معاذ أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن خالد بْن عَبْد العزيز الثقفي، قال: لما ولى معاذ بْن معاذ قَالَ: أبان بْن عَبْد الحميد اللاحقي:
يا معاذ بْن معاذ الخير يا خيرحكيم اتق الله فقد أصبحت في أمر عظيم
لا تولى الدهر من أنت به جدعليم قد تهيا اللاحقيون وإبنا تميم
شمروا القمص وحلوا موضع السجدبثوم لزموامسجدنامع ضيعته أي لزوم
صام من أجلك من لم يك منهم ليصوم وهو ذئب يرقب الغرّة في الليل البهيم
كلهم يأمل أن يودعه مال يتيم
وقَالَ: آخر لما عزل بْن حبيب وولى معاذ:
يا من لدهر أتى بحاجتنا أعقبنا ريبه ومنقلبه
أعقبنا من قضاتنا رجلًا كالثور مسترسل له غببه
[ ٢ / ١٤٧ ]
كنا نشق الجيوب من عُمَر حتى ابتلينا بمن خلا عجبه
يا شوم قوم أتوا خليفتنا هم أشاروا به وهم سببه
ما وفقوا للسداد فِيْهِ ولا أفلح من ساقه ومن جلبه
أحول مثل البعير جئته لا عقله يرتجى ولا أدبه
وطالت ولاية معاذ، وتخونته السن، وساء بصره، فغلب عليه الذراع، فكان إِذَا جلس، أمر بهم فدعوا، فجلسوا عَن يمينه، وعن يساره، منهم مُحَمَّد بْن عدي بْن أبي عمارة النميري، وعَبْد الرحمن بْن حبيب الطفاوي، وسليمان ابن الأحمر، مولى باهلة، والحارث بْن حسين، وهم شيوخ جلة علمًا، فيتكلمون في الحكم، ويناظرون الخصوم.
فأَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعد بْن الْحَسَن الكراني، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن عَبْد الوهاب النميري، قال: وقفت امرأة، من الأعراب، على معاذ بْن معاذ وقد حبس ابنا لها، فقالت: قد اكتنفك هَذَان الذئبان، يكتبان ويمليان، وأنت جالس تتثاءب كأنك حمار، أو كأنك آكل حيسة، قد ختم سمنها على فؤادك، فأنت أهيم لا تفقه، والله ولا تنقه، خبرني عَن ابني فيم حبسته؟ فوالله ما كان يشرب الزينبية، ولا يأتي الأبله، ولا يلعب بالنرد بين أنثييه بعبيد الله ابن الْحَسَن الأقيحب البشتبان.
وقَالَ: بشر بْن شبيب، يذكر اكتناف الذراع:
سليمان يقضي ثم يمضي قضاؤه وليس لقاضينا قضاء سوى الخثم
إذا جاءه الخصمان حرك رأسه وروح إبطيه وبحث في الحكم
يحد الذي يزني بقطع يمينه ويقضي على اللص المثبت بالرجم
وقَالَ: آخر:
عاق السجل دنانير مهياة صبت من الجعل للذراع ستونا
ظللت يابن على حين تبصرها من حبها ساجدًا حيران مفتونا
[ ٢ / ١٤٨ ]
قنعت أخرة القاضي مخائله بالهرقليات مما حاز اليونا
فالحاكم الغمر بالقرنين مشتغل والجالبون من الذراع مليونا
وقَالَ: آخر:
أكثروا في ابن المث نى عليًا أو أقللوا
ليس يا قوم يعقل أي رجليه أطول
لا ولا بين تمرتي ن لدى الحكم يفصل
ابتلى وابتلى به الن اس والأمر معضل
من يكن للقضا وللح كم ممن يعجل
فمعاذ والحمد لل هـ ممن يطول
قل لقسامنا هن يًا هنيًا لكم كلوا
لكم الشأن كله فانظروا أن تأثلوا
أسرعوا فِيْهِ أسرعوا بادروا قبل يعزل
قد نرى من يلي مس ائله قد تمولوا
وقَالَ: آخر:
إذا رأوا هامة الشي خ أسود كلهم ضاري
سليمان شبيه القر د منهم وابن سيار
وذاك البيدق الجرم ي عفر من الأعفار
فذا يقضي وذا يقضي وقاضينا بذي قار
وكثرت شكاية الناس لمعاذ، وسعت عليه المعتزلة، وكان قد رد شهادتهم، ورفع عليه عند أمير المؤمنين، فكتب يأمر بإشخاصه، وإشخاص نفر معه،
[ ٢ / ١٤٩ ]
منهم مُحَمَّد بْن حرب الهلالي، ومُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري، وعُمَر بْن حبيب، وعَبْد اللهِ بْن سوار، فشخصوا فظن الناس أنهم أشخصوا ليختار منهم رجلًا للقضاء، فوافوا أمير المؤمنين بالنهروان، وهو يريد خراسان، فرد معاذًا قاضيًا وأجازه، وكان الفضل بْن الربيع يقوم بأمره ويحوطه،
فَقَالَ: بعض الشعراء:
قد قلت في الخمس الأولى ظعنوا أمسى ليختار منهمو رجل
قولًا سيرويه عدة عرفوا تصديق قولي وعدة جهلوا
أما الهلالي فالثغور به أولى إِذَا ما تحصل العمل
مجرب سيد له شرف لكل ما حملوه محتمل
ولست أخشى عليه إن فحصوا جهلًا بحكم إِذَا هم سئلوا
وابن حبيب وليس في عُمَر عيب ولا فِيْهِ إن ولى فشل
لكنه مترف مجانبه اللي ن إِذَا ما تقدم الجدل
فإن يعد عاد قاضيًا مرنًا له رجال جماعة نبل
وهو أهل لها لسابقة كانت له في القضاء إن فعلوا
فإن ينلها مُحَمَّد فه م أنصار دين الاله لم يزلوا
وهو على كل ما يريد من الع لم بفصل الأحكام مشتمل
ولا عيى بفصل عرفهم والجهل في الحكم ليس يحتمل
لكنا قد نخاف حدته والحد فِيْهِ الفساد والخبل
وحبه قومه يخوفنا فكلنا مشفق له وجل
والعنبري الذي بوالده سوار في الناس يضرب المثل
إن لم يعب عائب حداثته صار إليه القضاء والجدل
وحق فِيْهِ لقومه أمل وربما أخطأ الفتى الأمل
فإن ينلها ينال ذو فهم من معسر طالما بلوا وولوا
[ ٢ / ١٥٠ ]
أما معاذ فليس من أحد إِلَّا به القلب منه مشتغل
أما محب يحب رجعته أو مبغض شامت ومبتهل
فإن تعد والقضاء مضطرب حتى يوافي بموته الأجل
فهذه حالهم في الصفات حالهم فانظر إِلَى من تصيران رحلوا
وسوف يأتيك بعد عاشره أنباء أخبارهم إِذَا وصلوا
وخلفوا سادسًا قد أكرم هـ الله ولو كان فيهمو بطلوا
أعنى ابن بكر عَبْد الاله أخا سهم فثم القصاب والنبل
يقال: إن البيتين الأخيرين لخلاد بْن يزيد فقط، وسائر القصيدة لشاعر يدعى حمزة، فصار القوم إِلَى بغداد، وقد شخص أمير المؤمنين إِلَى النهروان ليلقى علي بْن عيسى، وقد أقبل من خراسان، فصار معاذ إِلَى الفضل بْن الربيع، فذكره صنيعة عنده وسأله استتمامها، فأرسل الفضل إِلَى القوم، فقال: أحب ألا تذكروا معاذًا بسوء، فجلسوا ينتظرون الإذن، فخرج عليه معاذ، قد أذن له قبلهم، فقال: خرجت من عند أبر الناس، وأعطفهم، أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، وقد ردني على عملي، وأمر لي بعشرين ألفًا، وعشرين ثوبًا، فَقَالَ لَهُ الأنصاري: إن كان قد ردك فاتق الله، فإن أصحابك قد غابوا، وأذن للقوم، فدخلوا فأقبل أمير المؤمنين على الأنصاري، فقال: من أنت؟ قَالَ: مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري، قال: أنت فقيه البصرة، قال: قد قَالَ: ذا بعضهم، فأقبل على مُحَمَّد بْن حرب، فقال: فأنت؟ قَالَ: أنا مُحَمَّد بْن حرب الهلالي، وبنو هلال أخوالك يا أمير المؤمنين، وقد كان آباؤه وسلفه يرعون ذلك، ويحفظونه، قال: صدقت، ثم أقبل على عُمَر بْن حبيب، فقال: أما أنت فأعرفك فما خلفك عَن باب أمير المؤمنين، قَالَ: الضيعة يا أمير المؤمنين والعيال، قال: فالزم باب أمير المؤمنين، ثم أقبل على ابن سوار، فقال: فأنت من أنت؟ فقال: عَبْد اللهِ بْن سوار، قال:
[ ٢ / ١٥١ ]
يرحم الله سوارًا، ثم قال: إني وليت معاذًا على الاختيار له، ثم بلغني عنه أمور أحببت لها أن أسأل عنه، فأخبروني عنه فأومأ إِلَى الأنصاري، فقال: خير له وللمسلمين ألا يلي عليهم، وقَالَ: ابن حرب: قد كان على ما ذكر أمير المؤمنين، ثم ظهرت له بطانة أفسدته، وقَالَ: عُمَر بْن حبيب: يا أمير المؤمنين القاضي بين حامد له وذام، فأقبل على ابن سوار، فقال: ما تقول أنت في ابن عمك؟ فقال: على ما ذكر أمير المؤمنين حتى ظهرت له أشياء من أصحابه، وفساد في بصره مع سنه، فقال: إن فساد البصيرة قد يكون في الرجل الشاب، فقال: أجل يا أمير المؤمنين فنحتمل ذلك في غير القضاء، فأما في القضاء فلا، فقال: صدقت، ثم أقبل على الفضل، فَقَالَ: ادفع إِلَى كل رجل منهم خمسة ألف درهم، ونهضوا، فَقَالَ: الأنصاري يا أمير المؤمنين إني خلفت ضيعة وعيالًا يحتاجون إِلَى قربى منهم فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي، فقال: قد أذنت لك، فَقَالَ: الفضل: ولجماعتهم يا أمير المؤمنين، قال: ولجماعتهم، فَقَالَ لَهُم الفضل: انحدروا حتى يلحق بكم جوائزكم، فانحدروا وخلف معاذ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن جبلة، على جائزته حتى قبضها، ودخل القوم على الفضل بْن الربيع لوداعه، ومعاذ عنده، فأقبل الفضل على معاذ، فقال: قد والله ذمك القوم جميعًا، وودع الفضل الجماعة، وانحدروا ومعاذ معهم، حتى صاروا إِلَى البصرة
فَقَالَ: أبان بْن عَبْد الحميد يرد على الشعراء الذين هجوا معاذًا:
يا أيها الشعراء لا تتعرضوا لليث دون عرينه المتشمر
من رام عرض أبي المثنى فاعلموا أني له مثل الشجا في الحنجر
من قَالَ: خيرًا فليقله مصدقًا والشيخ بالشتم الكذوب المفتري
عندي لكم إن شئت عدة شاعر فطن بأَبُوا النجاة مظفر
كذبت ظنون المرجفين وصرحت عَن فاضح مثل الصباح المشهر
خابوا وفاز أَبُو المثنى دونهم بالجاه عند وجوه أهل العسكر
[ ٢ / ١٥٢ ]
وأتاه من عند الإمام المصطفى بالبكت للأعداء كل مبشر
يدعى بباب الفضل أول داخل ويخلف الباقون أخبث مؤخر
وحباه هارون الامام بكسوة وحباه منه بألف جعد أصفر
ورآه أولى حين قيّس أمره بالحكم ممن ذمه في المنحر
فقفى برغم يا قبائل واعلمي أن الحكومة بيتها في العنبري
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن قثم بْن جعفر بْن سليمان قال: كان معاذ سيء الرأي في مؤنس بْن عِمْرَانَ، قد هم أن يمنعه من دخول المسجد الجامع، فكلم مؤنس بنجاب أن يجعل أرزاقه إليه، فكانت تجري من تحت يدي مؤنس لابتياعه الطعام، فأدرها مؤنس عليه فحسن رأيه في مؤنس، حتى كان يقول: مؤنس مؤنس ويضمنه الأموال.
قال: فحَدَّثَنِي فضل بْن عَبْد الوهاب؛ قال: كنت أتوكل لمؤنس بْن عِمْرَانَ، فلما قدم معاذ بغداد أمرني مؤنس بإقامة النزل له ولخاصته، فقمت بذلك، ولم يكلف شيئًا حتى انحدر.
حَدَّثَنِي أَبُو الأحوص بْن المفضل بْن غسان؛ قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنَا سليمان بْن داود؛ قال: سمعت معاذ بْن معاذ سأل خالد بْن الحارث، ويحيى ابن سعيد القطان عَن رجل شهد عنده بشهادة، فجاءت مسألته أنه يدخل الحمام بغير مئزر، فأجمعنا على أن نرد شهادته.
حَدَّثَنِي أَبُو علي أَحْمَد بْن عَبْد اللهِ بْن منصور العطار، الذي كان يشهد عند القضاء، قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن ورد؛ قال: حَدَّثَنِي خلف بْن سالم؛ قال: حَدَّثَنِي عفان بْن مسلم؛ قَالَ: أمرني معاذ بْن معاذ أن أسأل عَن بعض من شهد عنده، فسألت عنه، فرمى بالغلمان؛ فقلت لمعاذ: فَقَالَ: أفارس أم رامح؟ قلت: فارس؛ قال: آه آه.
[ ٢ / ١٥٣ ]
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عثمان؛ قال: العباس بْن ميمون؛ قال: زعم بجير ابن صالح العتكي، وكان والله من المصلين المحزنين؛ قَالَ: شهد رجل من الزيدية عند معاذ بْن معاذ بشهادة، فأدناه منه؛ فقال: أليس خرجت مع إبراهيم؛ قال: وأنت قد خرجت معه؛ قال: أنا خرجت على غير دابة، وأنت خرج على دابة، فَقَالَ لَهُ الرجل: فأنت أسوأ حالًا مني، بل سفكت دماء المسلمين على غير دابة؛ فَقَالَ لَهُ معاذ: استرها فإنها هفوة، وأجاز شهادته.
وعزل هارون الرشيد معاذ بْن معاذ في رجب، سنة إحدى وتسعين ومائة، فولى عيسى سنتين، وقد كان حكم على عمارة بْن حمزة البكراوي، وابتاع جزورًا وأطافه في قبائل البصرة، ونحره يشكر الله زعم على عزله، وغسل الحصى في الموضع الذي كان معاذ يجلس فيه، وولى بعده مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري؛ قَالَ: عَبْد الرحمن: سمعت أبا يوسف وذكر معاذ بْن معاذ، قال: من رجالي قضاة أهل البصرة ولست تاركه حتى أعزله.