جاءت الرواية في العتبية فيمن اشترى ثمرة على ألا يقوم بالجائحة: أنَّ البيع صحيح والشرط باطل. فلما نزل ما أرى الله به من مجيء النصارى إلى فحص غرناطة، وأفسدوا الزرع، غرم المكترون الكراء، لأن الجيش ليس من الجوائح التي تحط من الكراء، فامتنع الناس بعد ذلك من اكتراء الأرض خوفًا من مجيء النصارى، وأدى ذلك إلى خسارة على الأحباس، فرأيت أنْ تكرى الأرض بشرط أنَّه إنْ جاء النصارى وأفسدوا، أنْ يحط الكراء. فاعتمدت في صحة العقد على قياس العكس، وهو أنَّه لا تفسخ
[ ٣ / ٣١٥ ]
المعاملة بشرط القيام بالجائحة، فيما لا يشرع فيه القيام بالجائحة، ويبقى النظر في الوفاء بالشرط في مسألة الكراء، لمّا في ذلك من عموم المصلحة. انتهى.
ومن خط الوادي آشي المذكور أيضًا ما نصه: قال محمّد بن الحداد الوادي آشي، ﵀: وقعت مسألة وهي: رجل رهن بيد آخر دارًا له، وحوره أياها، وشرطالمرتهن المنفعة لنفسه، ثم إنَّ الراهن دخل الدار وسكنها، وعادت بيده، واتصل الأمر كذلك إلى تمام الأمد، وحلول الدين، فطلب المرتهن الرهان بكراء المثل، فظهر لي بقصوري وتقصيري، وجهلي المركب وعدم مقدوري، أنَّه لا كراء له، بدليل ظاهر الأقوال والروايات، ومنها ما حكاه في المقرب عن ابن القاسم ونصه: ومن ارتهن دار ثم أذن للراهن أنْ يسكنها، أو يكريها فقد خرجت من الرهن، وإنْ لم يسكن ولم يكر، ومنها ما هو مقرر معلوم أنَّ المتهن إذا ترك كراء الدار ولها خطب وقدر، فمذهب ابن الماجشون أنَّه يضمن كراء مثلها، لأنه تعمد إبطالها، ما لم يكن الراهن عالمًا، فإنه لا يضمن حينئذ لأن سكوت الراهن عن ذلك رضًا منه.
وكان شيخنا وإمامنا قاضي الجماعة سيدي محمّد بن الأزرق، ابقى الله بركته، وهو الذي وقعت النازلة بين يديه؛ لا يوافق على ما ظهرلي؛ وينازع في ذلك ويرى إلزام الكراء؛ ونسيت الآن ما كان يستدل به، ولست على تحقيق بما حكم بهفيها آخر الأمر، وذلك في عام تسعين وثمان مائة، بيد أنَّه تكلم فيها مع طلبته بمجلس درسه، وحضرت لذلك وأنا أعطلهم وأقلهم علمًا، وأسوئهم فهمًا، وأقلهم تحصيلًا ونبلًا، وهلم جرا؛ فأجبت بما قيدت
[ ٣ / ٣١٦ ]
هنا، مستدلًا بما نقلته، فلم يوافقني هو ولا غيره، فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد قدر الله أنَّ بضاعتي في العلم مزجاة، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
انتهى ما حضرني الآن من كلام الوادي آشي؛ ومقيداته وإفاداته وإنشاداته كثيرة جدًا.
وشيخه ابن الأزرق، المشار إليه في كلامه: هو الإمام العلامة الخطيب الحجة، الأعرف المؤرخ، الناظم الناثر الراوية، قاضي الجماعة بحضرة غرناطة، أعادها الله دار إسلام، سيدي أبو عبد الله محمّد بن عليّ بن محمّد، الشهير بابن الأزرق الغرناطي.
قال السخاوي: لازم الأستاذ إبراهيم بن أحمد بن فتوح، مفتي غرناطة، في النحو والأصلين والمنطق، بحيث أنَّه كان جل انتفاعه به، وحضر مجالس أبي عبد الله محمّد بن محمّد السرقسطي، العالم الزاهد مفتيها أيضًا في الفقه، ومجالس الخطيب أبي الفرج عبد الله بن أحمد البقني، والشهاب قاضي الجماعة أحمد بن أبي يحيى الشريف التلمساني. انتهى.
وله تآليف عظيمة النغع وقفت عليها بتلمسان منها شرحه اللحافل على مختصر خليل، وسماه شفاء الغليل، وقد توارد مع ابن غازي على هذه التلسية، فالله أعلم بالسابق منها إليها.
على أني أعتقد أنَّ كل واحد منها لم يسمع بتسمية الآخر. وقد كان مولانا العم، سقى الله ثراه، يقول: لعل تسمية ابن الأزرق شفاء العليل " بالعين ".
قلت: ويبعده إني رأيت الخطبة بخط تلميذه الوادي آشي، السابق أنفًا:
[ ٣ / ٣١٧ ]
الغليل " بالغين "، ومثله بخط عم أبينا الفقيه العلامة، آية الله في معرفة الأحكام، سيدي محمّد المقري ﵀.
وهذا الشرح لم يؤلف على مختصر خليل مثله: إقناعًا ونقلًا وفيها، وقد رأيت منه نحو الثلاثة أسفار، ولا أدري هل أتمه أم لا؟ وتمامه يكون في نحو العشرين سفرًا، وقد كتبت بتلمسان خطبته في كراسة، وقد أتى فيها بالعجب العجاب، وهي أدل دليل على غزارة علمه، واتساعه في الفروع والأصول، رحمه الله تعالى.
ومن جملة تآليفه: روضة الإعلام، بمنزلة العربية من علوم الإسلام؛ غاية في بابه، سفر ضخم فيه فوائد وحكايات. وكتاب بدائع السلك، وطبائع الملك؛ كتاب بديع في موضوعه لخص فيه مقدمة تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وزاد عليه زيادات كثيرة نافعة، وهو في سفر ضخم وقد نقل عنه صاحب المعيار، أعني عن ابن الأزرق، وأظن أنه نقل عنه في الجامع الذي ختم بع المعيار.
وقد ارتحل ﵀ إلى تلمسان، عند غلبة العدو الكفار على هضم ما بقى بيد المسلمين بلأندلس، ثم ارتحل منها إلى المشرق ولم أقف على وقت وفاته، إلاّ أنَّه كان ارتحاله لتلمسان بعد التسعين وثمان مائة بلا شك، وغالب ظني أنَّ ذلك في أواخر العشرة التي كملت بها تسع مائة سنة للهجرة النبوية، والله اعلم. ولم أتحقق الآن هل دخلها، أعني تلمسان بعد أخذ غرناطة أو قبله، وقد قدمنا أوّل هذا الموضوع وقت أخذها.
[ ٣ / ٣١٨ ]
ومن شعره ﵀ عند نزوله طاغية النصارى دمرهم الله بموج غرناطة، أعادها الله للإسلام بجاه النبي ﵊:
مشوق بخيمات الأحبة مولع تذكره نجد وتغريه لعلعُ
مواضعكم يا لائمين على الهوى فلم يبق للسلوان في القلب موصعُ
ومن لي بقلب تلظى فيه زفرة ومن لي بجفن تنهى منه أدمعُ
رويدك فارقب للطائف موقعًا وخل الذي من شره يتوقعُ
وصبرًا فإنَّ الصبر خير تميمةٍ ويا فوز من قد كان للصبر يرجعُ
وبت واثقًا باللطف من خير راحمٍ فألطافه من لمحة العين أسرعُ
وإنْ جل خطب فانتظر فرجًا له فسوف تراه في غدٍ عنك يرفعُ
وكن راجعًا لله في كل حالةٍ فليس لنا إلاّ إلى الله مرجعُ
ومنه قوله عند وفاة والدته رحمها الله تعالى:
تقول لي ودموع العين واكفة ما أفظع البين والترحال يا ولدي
فقلت أين السرى قالت لرحمة من قد عز في الملك لم يولد ولم يلدِ
ومن بارع نظمه ﵀ قوله في المجبنات:
ورب محبوبة تبدت كأنها الشمس في حلاها
فاعجب لحال الأنام: من قد أحبها منهم قلاها
ومن بديع نظمه ﵀ قصيدة مدح فيها شيخه الإمام العلامة الجليل
[ ٣ / ٣١٩ ]
أبا يحيى بن عاصم وهي من غرر النظام وحر الكلام وأثبتها لغرابتها:
خضعت لمعطفه الغصون الميس وزنا فهام بمقلتيه النرجسُ
ذو مبسم زهر الربا في كسبه متنافس عن طيبه متنفس
وموردٍ من ورده أو ناره يتنعم القلبالعميد وييأس
فالورد فيه من دموعي يرتوي والنار فيه من ضلوعي تقبس
كملت محاسنه فقد ناصر ولواحظ نجل وثغر العس
صعب التعطف بالغرام حبيته فالحب يحيى والعطف يحبس
غرس التشوق ثم أغرى الوجد بي فالوجد يغري والتشوق يغرس
ما كنت أشقى لو حللت بجنةٍ من وصله تحيا اديها الأنفس
ألحاظه ورضابه وعذاره حور بها أو كوثر أو سندس
وليالي أنس قد أمنت بهن من واشٍ ومن رقيب يحرس
أطلعت شمس الراح فيها فاهتدى عاش إلينا في الدجى ومغلس
صفراء كالعقيان في الألوان للن دمان كالشهبان منها أكؤس
صبت شقيقًا فاستحالت نرجسًا في مزجها فمورد ومورس
وحبابها يقني بأسنى جوهرٍ أنفى لغم المعدمين وأنفس
يجلى بها للغم منها حندساٍ قمر عليه من الذؤابة حندس
حتى إذا عمشت مراة البدر من صبحٍ بدا تلقاءه يتنفس
ناديته وسنى الصباح محصحص ينجاب عنه من الظلام معسعس
يا مطلع الأنوار زهرًا يجتنى ومشعشع الصهباء نارًا تلمس
بك مجلس الأنس اطمأن وبابن عا صم اطمأن من الرياسة مجلس
[ ٣ / ٣٢٠ ]
بدر بانوار الهدى متطلع غيث بأشتات الندى متبجس
حامى فلم نرتع لخطب يعترى ووفى فلم نحفل بدهر ينحس
شيم مهذبة وعلم راسخ ومكارم هتن ومجد أقعس
لو كان شخصًا ذكره لبدا على أعطافه من كل حمد ملبس
ذاكم أبو يحيى به تحمى العلا وبه خلال الفخر طرا تحرس
بيت على عمد الفخار مطنب مجد على متن السماك مؤسس
خيم وعرس في حماه فكم حوى فيه المراد مخيم ومعرس
إنا لنغدو هيما فينيلنا ريا ويوحشنا النوى فيؤنس
حتى أقمنا والأماني منهضا تعالى وابتسمنا والزمان معبس
لم ندر قبل يراعه وبنانه أنَّ الذوابل بالغمائم تحبس
هن اليراع بها يؤمن خائف ويحاط مذعور ويغني مفلس
مهما انبرت فهي السهام يزي لها وقع لأغراض البيان نقرطس
تشفى بمأمله التشكي المعترى تحبي بمأمنه الحمام المؤيس
فتقص حين تشق منها ألسن وتسير حين تقط منها أرؤس
من كأنَّ وشاء بأسرار النهى درب بإظهار السرائر يهجس
قد جمع الأضداد في حركاته فلذا اطراد فخاره لا يعكس
عطشان ذو ري يبيس مثمر عضبان ذو صفحٍ فصيح أخرس
لله من تلك اليراع جواذب للسحر منك كأنها النغنبطس
رضنا شماس القول في اوصافها فهي التي راضت لنا ما يشمس
وإليكما حللًا تنساب نسجها مثلي يفصلها ومثلك يلبس
واهنأ بعيد باسم مبتهل وافاك يجهر بالسرور ويهمس
[ ٣ / ٣٢١ ]
واحبس لواء الفجر موقوفا فإنَّ الحمد موقوف عليك محبس
وبعد أنْ كتبت هذه القصيدة حدث لي شك: هل هي من نظم القاضي أبي غب بن الأزرق المذكور أو من نظم ابن الأزرق الآخر الذي جرى ذكره في روضة الأعلام وأنشد له مما يكتب في سيف قوله:
إنْ عمت الأفق من نقع الوغى سحب فشم بها بارقًا من لمع إيماض
وإنْ نوت حركات النصر أرض عدى فليس للفتح إلاّ فعلي الماضي
قلت: ولق صدق ﵀ في كل ما وصف به قلم الرئيس أبي يحيى بن عاصم الذي تحلت بجواهره لدولة بني نصر نحور ومعاصم فإنه كان آية الله في النظم والنثر وقد تقدم في هذا الموضوع بعض كلامه، وهو قل من كثر؛ ولولا أني أطلت النجعة في هذا الباب، لأتيت بما حصل عندي من كلامه الذي يسحر الألباب؛ وقد أخذ من الفقه ومعرفة الأحكام بحظ بذلك فيه نظراءه، والنفرد في عصره بطريق الأدب، فكان كل أنداده لا يدركه بل يسير وراءه حتى قال الوادي آشي: إنَّ ابن عاصم أبا يحيى، هو ابن الخطيب الثاني، على أنَّ الدولة النصرانية في زمانه وهت منها المباني؛ ومع ذلك فكان ﵀ يجبر صدع الواقع، ثم اتسع بعده الخرق على الرقع؛ وقد ألمنا فيما سلف من هذا الكتاب بالتعريف به، وذكرنا جملة من كلامه، فراجع ذلك فيما تقدم.
ومن بديع نظمه ﵀ قوله قاصدًا مخاطبة شيخه الحافظ قاضي الجماعة أبي القاسم بن سراج وقد طلب منه الاجتماع به زمان فتنة، فظن أنَّه يستخبره عن سر من أسرار السلطان، فباعده معتذرًا ولم يصدق الظن:
[ ٣ / ٣٢٢ ]
فديتك لا تسأل عن السر كاتبًا فتلقاه في حال من الرشد عاطل
ونضطره إما لحالة خائن أمانته أو خائض في الأباطل
فلا فرق عندي بين قاض وكاتبٍ وشى ذا بحق أو قضى ذا بباطل