الشيخ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم التجيني الرطبي، الشهير بابن الحاج، قاضي الجماعة بقرطبة. روى عن أبي جعفر أحمد بن زرق الفقيه، وتفقه عنده، وقيد الغريب واللغة والأدب عن أبي مروان عبد الملك ابن سراج، وسمع عن أبي عبد الله محمّد بن فرج الفقيه، وعن أبي علي الغساني وغيرهم. وكان من جلة الفقهاء، وكبار العلماء، معدودًا في المحدثين والأدباء، بصيرًا بالفتيا، رأسًا في الشورى، وكانت الفتيا في وقته تدور عليه، لمعرفته وثقته وديانته، وكان معتنيًا بالحديث والآثار، جامعًا لها، مقيدًا لمّا أشكل من معانيها، ضابطًا لأسماء رجالها ورواتها، ذاكرًا للغريب والأنساب، واللغة
[ ٣ / ٦١ ]
والأعراب، وعالمًا بمعاني الأشعار والسير والأخبار. قال ابن بشكوال: قيد العلم عمره كله، وعنى به عناية كاملة، ما أعلم أحدًا في وقته عنى كعنايته، قرأت عليه وسمعت، وأجازني بخطه؛ وكان له مجلس بالجامع بقرطبة، يسمع الناس فيه، وتقلد القضاء بقرطبة مرتين، وكان في ذاته لينًا صابرًا، حليمًا متواضعًا، لم يحفظ له جور في قضية، ولا ميل بهوى، ولا إصغاء إلى عناية، وكان كثير الخضوع والذكر لله تعالى، ولم يزل آخر عمره يتولى القضاء بقرطبة، إلى أنْ قتل ظلمًا بالمسجد الجامع بقرطبة، يوم الجمعة وهو ساجد، لأربع بقين من صفر، من سنة تسع وعشرين وخمس مائة، ومولده في صفر سنة ثمان مثال خمسين وأربع مائة. وكتابه في نوازل الأحكام، المتداول لهذا العهد بأيدي الناس: من الدلائل على تقدمه في المعارف وبراعته. تغمدنا الله وإياه برحمته.