القاضي الشهير الشهيد أبو علي الصدفي. وهو حسين بن محمّد بن فيره ابن حيون بن سكرة. وفيره " بكسر أوله، وياء مثناة في أسفل، وراء مضمومة مشددة، وهاء ساكنة ": قيل معناه الحديد بلغة العجم، وقد صرح بذلك صاحب الديباج المذهب. وحيون بحاء مهملة، وياء مثناة من أسفل مشددة. وسكرة: " بضم السين المهملة، وفتح الكاف المشددة، وآخره تاء تأنيث ": مؤنت سكر. والصدفي: بفتح أوله وثانيع. وهو من أهل سرقسطة، سكن مرسية، وروى بسرقسطة عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وأبي محمّد عبد الله بن محمّد بن إسماعيل وغيرهما، وسمع ببانسية من أبي العباس العذري، وسمع بالمرية من أبي عبد الله محمّد بن سعدون القروي، وأبي عبد الله بن المرابط، وغيرهما.
ورحل إلى المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربع مائة، وحج من عامه، ولقي بمكة أبا عبد الله الحسين بن عليّ الطبري: إمام الحرمين، وأبا بكر الطرطوشي، وغيرهما، ثم صار إلى البصرة، فلقي بها أبا يعلى المالكي، وأبا العباس الجرجاني، وأبا القاسم بن شعبة، وغيرهم؛ وخرج إلى بغداد،
[ ٣ / ١٥١ ]
فسمع بواسط من أبي المعالي محمّد بن عبد الله السلام الأصبهاني وغيره، ودخل بغداد يوم الأحد السادس عشر لجمادى الآخرة، سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة، فأطال الإقامة بها خمس سنين كاملة، وسمع بها من أبي الفضل أحمد بن الحسن ابن خيرون مسند بغداد، ومن أبي الحسين بن البارك بن عبد الجبار الصيرفي، وأبي محمّد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، وأبي الفوارس طراد بن محمّد الزينبي، وأبي عبد الله الحميدي؛ وتفقه على الفقيه أبي بكر الشاشي وغيره، وسمع من جماعة سواهم من رجال بغداد ومن القاديمين عليها أيام كونه بها. ثم رحل عنها في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وأربع ملئة، فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وأبي الفرج سهل بن بشر السفرائني وغيرهما، وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن عليّ بن الحسين الخلعي، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي وأجازه له أبو إسحاق الحبال مسند مصر في وقته ومكثرها؛ وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم مهدي بن يوسف الوراق، ومن أبي القاسم شعيب بن سعد وغيرهما.
ووصل إلى الأندلس في صفر من سنة تسعين وأربع مائة؛ وقصد مرسية، فاستوطنها، وقعد يحدث الناس بجامعها؛ ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه، وكان عالمًا بالحديث وطرقه، عارفًا بعلله وأسماء رجاله ونقلته، بصيرًا بالمعدلين؛ وكان حسن الخط، جيد الضبط وكتب بيده علمًا مثيرًا وقيده؛ وكان حافظًا لمصنفات الحديث، قائمًا عليها، ذاكرًا لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها صحيح البخاري في سفر، وصحيح مسلم في سفر، وكان قائمًا على الكتابين، مع مصنف أبي عيسى الترمذي. وكان فاضلًا دينًا، متواضعًا حليمًا، وقورًا عالمًا عاملًا؛ واستقضي بمرسية ثم
[ ٣ / ١٥٢ ]
استعفي فأعفى؛ وأقبل على نشر العلم وبثه.
قال ابن الأبار: وقد ذكره أبو القاسم بن عساكر في تاريخه، لدخوله الشام. قال: وبعد أنْ استقرت به النوى، واستمرت إفادته بما قيد وروى؛ رفعته ملوك أوانه، وشفعته في مطالب إخوانه؛ فأوسعته رعيًا، وحسنت فيه رأيًا؛ ومن ابنائهم من جعل يقصده، لسماع مسنده. وعلى وقاره الذي كان به يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستظرف، وهو أنْ فتى منهم يسمى يوسف، لازم مجلسه، معطرًا رائحته، ومنظفًا ملبسه، ثم غاب لمرض قطعه، أو شغل منعه؛ ولمّا فرغ أو أبل، عاود ذلك النادي المبارك والمحل؛ وقبل إفضائه إليه دل طيبه عليه؛ فقال الشيخ، على نزاهته من المجون، وسلامته من الفتون: " إني لأجد ريح يوسف لولا أنْ تفندون ". وهي من طرف نوادره، رحمة الله عليه.
ولمّا قلد الشيخ أبو عليّ قضاء مرسية، وعزم عليه في توليه، ولم يوسعه عذرًا في استعفائه مقدمه لذلك وموليه؛ خرج منها إلى المرية، فأقام بها، سنة خمس وبعض سنة وخمس مائة. وفي سنة ست قبل قضاءها على كره، إلى أنْ استعفى آخر سنة سبع، في قصة يطول إيرادها. ولطول مقامه بالمرية أخذ الناس عنه فيها، فلما كانت وقعة كتندة، ويقال قتندة بالقاف، من خيز دورقة، من عمل سرقسطة، من الثغر الأعلى، وذلك سنة أربع عشرة وخمس مائة وكان الشيخ أبو هلي ممن حضرها هو وقرينه في الفضل أبو عبد الله بن الفرج، خرجا مع الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين غازيين، فكانا فيمن فقد فيها واختلف فيها أصحابه، فجعلها أبو جعفر بن الباذش بعد العصر، من يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع الآخر، من السنة المذكورة، وتابعه أبو عبد الله بن عبد الرحيم؛ وجعلها القاضي أبو الفضل عياض بن موسى يوم الخميس، لست
[ ٣ / ١٥٣ ]
بقين منه. وقال أبو القاسم بن بشكوال: استشهد القاضي أبو عليّ في وقعة قتندة، بثغر الأندلس، يوم الخميس ووافق عياضًا إلاّ في الشهر، فانه قال من ربيع الأول. قال ابن الأبار: وهو الأصح. وقال أبو عمرو والخضر بن عبد الرحمن: توفي في الكائنة على المسلمين بكتندة، عشي يوم الخميس، الثامن عشر من شهر ربيع الأول، فتابع ابن بشكوال على الشهر. قال أبو عبد الله بن الأبار: وقرأت بخط أبي عبد الله بن مدرك بن الغساني المالقي: استشهد الفقيه أبو عليّ رحمه الله تعالى في وقعة كتندة، يوم الخميس، التاسع من ربيع الأول، وذكر السنة. قال: وكنت على المسلمين، جبرهم الله تعالى قتل فيها من المطوعة نحو عشرين ألفًا، ولم يقتل فيها من العسكر يعني الجند أحد، وحكي غيرهم أنْ العسكر انصرف مفلولًا إلى بلنسية، في الموفى عشرين من ربيع الأول أيضًا، وأنَّ القاضي أبا بكر بن العربي حضرها. قال: وسئل مخلصه منها عن حاله، فقال، حال من ترك الخبا والعبا. قال أبي بشكوال: وكان القاضي أبو عليّ يومئذ من ابناء الستين، وقد ذكره ابن بشكوال، وقال: وهو ممن كتب إلينا بإجازة ما رواه، ولم ألقه. وذكره ابن الأبار في معجم أصحابه، وقد ألف ابن الأبار هذا المعجم في أصحاب القاضي أبي عليّ، كما ألف القاضي أبو الفضل عياض بن موسى نعجم شيوخه، رحمة الله عليهم أجمعين.