قالوا: بعث رسول اللَّه ﷺ، وله أربعون سنة، وذلك في ملك أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان ملك الفرس.
وقال ابن المسيب: بعثه اللَّه، ﷿، وله ثلاث وأربعون سنة، فأقام بمكة عشرًا، وبالمدينة عشرًا.
وقال ابن إسحاق: بعثه اللَّه وله أربعون سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرًا.
وقيل: إنه كتم أمره ثلاث سنين، فكان يدعو مستخفيًا إلى أن أنزل اللَّه تعالى «﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (^٥)» فأظهر الدعوة.
_________________
(١) كان من أعلام التابعين، قال عنه علي بن المديني: «لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، وهو عندي أجل التابعين، توفى سنة ٩٣، أو ٩٤، ينظر العبر للذهبي: ١ - ١١٠.
(٢) البغي: الزانية.
(٣) عبارة السيرة ١ - ١٩٤: «ولا بيع ربا» قال السهيليّ في الروض ١ - ١٣١: «يدل على أن الربا كان محرما عليهم من في الجاهلية، كما كان الظلم والبغاء وهو الزنا، محرم عليهم، يعلمون ذلك ببقية من بقايا شرع إبراهيم ﵇».
(٤) يعنى بالركن الحجر الأسود، سمى بذلك لأنه مبنى في الركن.
(٥) الشعراء: ٢١٤. [أسد الغابة- كتاب الشعب]
[ ١ / ٢٤ ]
قال أبو عمر: بعثه اللَّه، ﷿، نبيًا يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل.
أخبرنا أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بإسناده عن يونس عن ابن إسحاق، حدثني عبد الملك بن عبد اللَّه (^١) ابن أبي سفيان بن جارية الثقفي - وكان واعية - عن بعض أهل العلم أن رسول اللَّه ﷺ حين أراد اللَّه كرامته (^٢) وابتدأه بالنبوة؛ فكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول اللَّه ﷺ خلفه، وعن يمينه وشماله، فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة، وهي تقول:
السلام عليك يا رسول اللَّه.
وأخبرنا غير واحد بإسنادهم عن محمد بن إسماعيل، أخبرنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزُّبَيْر، عن عائشة أنها قالت: «أوّل ما بدئَ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم؛ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء؛ فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني (^٣) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (^٤) فرجع بها رسول اللَّه ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة، وذكر الحديث في ذهابها إلى ورقة بن نوفل.
وروي عن جابر بإسناد صحيح: أن أول ما نزل من القرآن ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: فابتدئ رسول اللَّه ﷺ بالتنزيل يوم الجمعة في رمضان بقول اللَّه، ﷿، ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى آخر الآية (^٥). وقال تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ (^٦) وذلك ملتقى رسول اللَّه ﷺ والمشركين يوم بدر صبيحة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان.
وقال يونس عن بشر بن أبي حفص الكندي الدمشقي قال: حدثني مكحول أن رسول اللَّه ﷺ قال لبلال: «لا يغادرنك صيام يوم الاثنين؛ فإني ولدت يوم الاثنين، وأوحي إلي يوم الاثنين، وهاجرت يوم الاثنين».
ثم إن جبريل ﵇ علم رسول اللَّه ﷺ الوضوء، والصلاة ركعتين، فأتى خديجة فأخبرها، فتوضأت وصلت ركعتين معه، وقيل: كانت الصلاة الضحى والعصر.
_________________
(١) في شرح السيرة ١ - ٢٣٤، عبيد اللَّه.
(٢) في شرح السيرة: «أراده اللَّه بكرامته».
(٣) الغط: العصر الشديد.
(٤) العلق: ١، ٢، ٣.
(٥) البقرة: ١٨٥.
(٦) الأنفال: ٤١.
[ ١ / ٢٥ ]
ثم دعا الناس إلى الإسلام، وقد ذكرنا أول من أسلم في أبي بكر، وعلي، وزيد بن حارثة، واستجاب له نفر من الناس سرًا حتى كثروا فظهر أمرهم، والوجوه من كفار قريش غير منكرين لما يقول، وكان إذا مر بهم يقولون: «إن محمدًا يكلم من السماء» فلم يزالوا كذلك، حتى أظهر عيب آلهتهم، وأخبرهم أن آباءهم ماتوا على الكفر والضلال، وأنهم في النار، فعادوه وأبغضوه، وآذوه، وكان أصحابه إذا صلوا انطلقوا إلى الأودية وصلوا سرًا، ولما أظهرت قريش عداوته حدب عليه أبو طالب عمه ونصره ومنعه، ثمّ إن رسول اللَّه ﷺ لما خاف كفار قريش، اختفى هو ومن معه في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي إلى أن أسلم عمر فخرجوا، ووثبت قريش على من فيها من المستضعفين فعذبوهم، وذكرنا ذلك في أسمائهم مثل: بلال، وعمار، وصهيب وغيرهم، ثم إن المسلمين هاجروا إلى الحبشة هجرتين على ما نذكره، إِن شاءَ اللَّه تعالى، وأرادت قريش قتل رسول اللَّه ﷺ وإنْ يترك أبو طالب بينهم وبينه، فلم يفعل؛ فكتبوا صحيفة. على أن يقاطعوا بني هاشم وبني المطلب ومن أسلم معهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجلسوا إليهم؛ على ما نذكره، إِن شاءَ اللَّه تعالى.