كان رسول اللَّه ﷺ أعبد الناس، قام في الصلاة حتى تفطرت قدماه (^٣)، وكان أزهد الناس؛ لا يجد في أكثر الأوقات ما يأكل، وكان فراشه محشوًا ليفًا، وربما كان كساء من شعر.
وكان أحلم الناس يحب العفو والستر ويأمر بهما، وكان أجود الناس؛
قالت عائشة: «كان عند النبي ﷺ ستة دنانير فأخرج أربعة وبقي ديناران، فامتنع منه النوم، فسألته فأخبرها، فقالت: إذا أصبحت فضعها في مواضعها، فقال: ومن لي بالصبح» وما سئل شيئًا قط فقال: لا.
وكان أشجع الناس؛
قال علي: «كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول اللَّه ﷺ فكان أقربنا إلى العدو».
وكان متواضعًا في شرفه وعلو محله؛ كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيده في حاجتها، فلا يفارقها حتى تكون هي التي تنصرف،
وما دعاه أحد إلا قال: لبيك.
_________________
(١) النحل: ١١٢.
(٢) أي: النبل.
(٣) تشققت.
[ ١ / ٣٥ ]
وكان طويل الصمت، ضحكه التبسم، وكان يخوض مع أصحابه إذا تحدثوا، فيذكرون الدنيا فيذكرها معهم، ويذكرون الآخرة فيذكرها معهم.
ولم يكن فاحشا ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح؛ قالت عائشة: ما خير رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما ضرب امرأة قط، ولا ضرب خادمًا، ولا ضرب شيئًا قط إلا أن يجاهد.
وقال أنس: خدمت رسول اللَّه ﷺ عَشْرَ سنين فما سبني قط ولا ضربني ولا انتهرني ولا عبس في وجهي، ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني،
فإن عتب أحد من أهله قال: دعوه فلو قدر لكان.
وكان أشد الناس لطفًا؛ وقالت عائشة ﵂: «كان يرقع الثوب ويقم البيت، ويخصف النعل، ويطحن عن خادمه إذا أعيا.
هذا القدر كاف، وتركنا أسانيدها اختصارا.