لم أقف على من سبق الدارقطني إلى التأليف في هذا الموضوع، وإنما ألف العلماء فيه بعد الدارقطني، وأشهرهم تلميذاه: الحاكم أبو عبدالله المتوفى سنة ٤٠٥، حيث أفرد فصلًا في كتابه: «المدخل إلى الصحيح» لذكر من أخرجهم البخاري ومسلم أو أحدُهما، ابتدأه بذكر الصحابة. وأبو الفتح بن أبي الفوارس المتوفى سنة ٤١٢، وله في ذلك رسالة خاصة، عنوانها: «ذكر أسماء من اتفق البخاري ومسلم على تصحيح الرواية عنه من الصحابة، فأخرجا عنه في كتابيهما الموسوم كل واحد منهما بالصحيح، وذكر أسماء من انفرد كل واحد بإخراج حديثه دون الآخر».
وألف أبو مسعود الدمشقي المتوفى سنة ٤٠١، وخلف الواسطي المتوفى بعد سنة ٤٠٠: «أطراف الصحيحين»، وعقدا لكل صحابي مسندًا، بينا فيه أحاديثه بطرقها في الصحيحين.
وبنى على عملهما أبو عبدالله محمد بن أبي نصر الحميدي المتوفى سنة ٤٨٨، في كتابه: «الجمع بين الصحيحين»، فاعتنى بالصحابة الذين لهم مسانيد في الصحيحين أو أحدِهما، وذَكَر في كل مسندٍ أحاديثَ صاحبه، وعَدَدَها، مميزًا ما اتفق عليه الشيخان منها، مما انفرد به أحدهما عن الآخر، واستفاد أيضًا من أبي بكر الإسماعيلي المتوفى سنة ٣٧١، وأبي بكر البَرْقاني المتوفى سنة ٤٢٥، في مستخرجيهما على الصحيحين.
وأغلب من ألف في هذا الموضوع بعد ذلك اعتمدوا كتابَ الحميدي، فلخصوا ما فيه من الأسماء، وعَدَدَ ما روى كل صحابي، وزاد بعضهم: تراجمَ مختصرة لكل صحابي، وعددَ ما روى من الأحاديث عامةً، وذِكْرَ مَنْ أخرج له مِنْ أصحاب السنن الأربع.
ومن هؤلاء: أبو الفرج بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧، وله في ذلك عملان: أحدهما: بابٌ عقده في كتابه: «تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير»، عنوانه: «أسماء الصحابة الذين أُخرج عنهم في الصحيحين، وعدد الأحاديث التي أُخرجت عنهم».
[ ٨ ]
والآخر: فصولٌ عقدها في كتابه: «المجتنى من المجتبى» (^١)، بدأها بفصل عنوانه: «الإشارة إلى بعض أخبار العشرة»، ثم: «فصل في مسانيدهم»، ثم: «الإشارة إلى المشتهرين بالذكر من الصحابة بعد العشرة، وعدد مسانيدهم»، ثم: «الإشارة إلى أخبار المشتهرات بالذكر من الصحابيات، وذكر مسانيدهم»، بدأه بأزواج النبي ﷺ، ثم بناته، وختم بفصل عنوانه: «ذكر اللواتي اشتهرن بالذكر من الصحابيات»، وترجم في كل فصل لمن فيه من الصحابة، وذكر عددَ ما رُوي عن كل واحد من الأحاديث إجمالًا، وعددَ ما أَخرج له البخاري ومسلم من ذلك.
وألف في هذا الموضوع أبو سعيد العلائي المتوفى سنة ٧٦١، كتابه: «كشف النقاب عما روى الشيخان للأصحاب»، ونص في مقدمته على أنه لخصه من كتاب الحميدي، وألف بعده يحيى بن أبي بكر العامري المتوفى سنة ٨٩٣، كتابه: «الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة»، ترجم فيه لكل صحابي، وذكر عدد ما له في الصحيحين، والسنن الأربع.
واعتنى العلماء بهذا الموضوع ضمن كتبهم المؤلفة في رجال البخاري ومسلم، مثل أبي نصر الكَلَاباذي المتوفى سنة ٣٩٨، في كتابه: «رجال البخاري»، وأبي بكر بن مَنْجُويه المتوفى سنة ٤٢٨، في كتابه: «رجال مسلم»، وأبي الفضل بن طاهر المقدسي المتوفى سنة ٥٠٧، في كتابه: «الجمع بين رجال الصحيحين»، وهو جَمْع بين كتابَي الكَلَاباذي وابن مَنْجُويه، وأبي
_________________
(١) طبعه الدكتور علي بن حسين البواب، سنة ١٤٠٩، بدار الفائز، معتمدًا نسختين، إحداهما محفوظة في مكتبة أحمد الثالث بتركيا، ضمن المجموع ٥٨٨، تقع بين الورقات (١٦٧ - ٢٢٥)، منسوخة سنة ٦٣٢، مختلة الترتيب، مع عدم وجود سقط فيها، وعنها صورة في جامعة الإمام بالرقم ١٠٤٣٨ ف، وعندي منها صورة.
[ ٩ ]
الوليد الباجي المتوفى سنة ٤٧٤، في كتابه: «التعديل والتجريح لمن خرَّج له البخاري في الجامع الصحيح».
واعتنى بهذا الموضوع أيضًا عبدالغني المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠، ضمن كتابه: «الكمال في أسماء الرجال»، وهو في رجال الكتب الستة، وتلاه أبو الحجاج المِزِّي المتوفى سنة ٧٤٢، فاعتنى بهذا الموضوع ضمن كتابيه: «تهذيب الكمال» و«تحفة الأشراف»، ثم استدرك على المِزِّي من ألف على كتابَيْه ممن جاء بعده، كالذهبي، والعراقي، ومُغْلطاي، وأبي زُرعة ابن العراقي، وابن حجر، وسِبْط ابن العَجَمي، والخزرجي وغيرهم، ونبهوا على أوهامه.