ليس من نسخ هذه الرسالة نسخةٌ ترقى أن تكون أصلًا معتمدًا، فكلها نسخ متأخرة، ولم تُبيَّن أصولُها التي نُسخت منها، وليس في واحدة منها إسناد إلى الدارقطني، وإنما تبتدئ جميعًا بـ «قال الدارقطني» -إلا ما في النسخة (ي)، وسيأتي-، وتشترك جميعها في كثرة التصحيفات والتحريفات التي تدل على أنها نسخ غير متقنة.
ووجدت تشابهًا في الصياغة والتصحيفات بين النسختين (ت) و(س)، كما وجدت تشابهًا بين النسختين (ك) و(ف)، حتى إن هناك حواشيَ متطابقةً مكتوبةٌ في النسختين (ك) و(ف) على غلافَيْهما، وفي صفحاتهما، مع وجود تشابه أحيانًا بين النسخة (ك) والنسختين (ت) و(س). أما (ي) و(هـ) فبينهما تشابه إلى حدٍ ما، وتختلفان عن البواقي.
وبعد دراسة النسخ تبين لي أنها فروع ترجع إلى أصلين مختلفين، فالنسختان (ي) و(هـ)
ترجعان إلى أصل واحد، والبواقي ترجع إلى أصل آخر، وكل أصل يختلف عن الآخر: زيادة
[ ١٣ ]
في أسماء الصحابة ونقصًا، واختلافًا في الترتيب بينها، وفي جعل بعض الصحابة مما اتفق فيه الشيخان أو انفرد به أحدهما عن الآخر.
فالأصل الذي نقلت منه النسختان (ي) و(هـ) جاءت فيه زيادة سبعة عشر اسمًا على الأصل الآخر، والأصل الآخر جاءت فيه زيادة اسم واحد على الأول، واختلف الأصلان في ثمانية أسماء، فجاءت في الأول فيما اتفقا فيه، وجاءت في الآخر فيما انفرد به أحدهما، وجاء فيهما اسم بعكس ذلك، وجاء اسم في أفراد البخاري في الأول، وفي أفراد مسلم في الآخر، واختلف الأصلان في ترتيب ثلاثة أسماء، مع الاتفاق على جعلهم في موضع واحد: فيما اتفقا فيه، أو فيما انفرد به أحدهما.
وهذا الاختلاف بين الأصلين يحتمل: أن يكون من الدارقطني نفسه، وأن يكون من الرواة. فقد يكون الدارقطني ألف الرسالة أولًا، فرويت عنه، ثم أعاد فيها النظر، واستدرك أشياء، فرويت عنه ثانيًا. وقد يكون أحد الرواة أصلح فيما رواه أشياء، وأضاف وعدل، فروي عنه ذلك على أنه من الدارقطني. وقد يكون الاختلاف لأمر آخر، لكنه لا يمكن أن يكون من النساخ، لأنه لا يحتمل ذلك، لتعدده، وتنوعه.
وأمام هذا الاختلاف بين الأصلين وجدت لكل واحد منهما ما يرجح الأخذ به:
فمما يرجح الأخذ بأصل (ي) و(هـ) أن النسخة اليمنية (ي) جاءت عليه، وفيها ميزتان تميزانها عن النسخ الأخرى: أن في بدايتها إسنادًا إلى الدارقطني، وأنها أقدم النسخ كتابة، حيث نسخت سنة ٦٩٥.
والإسناد الذي في بداية (ي) جاء بعد البسملة هكذا: «أبو الحسن علي بن فهد، قرأت على أبا الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، أخبركم أبو الحسن الدارقطني، قال: هذه أسماء الصحابة ». وفوق الأخطاء اللغوية والتحريفات التي اشتمل عليها هذا الإسناد؛ فإن فيه إشكالًا، خلاصته: أن الراوي عن الدارقطني -وهو ابن أبي الفوارس، أحد الحفاظ
[ ١٤ ]
من تلاميذ الدارقطني- قد ألف رسالة مشابهة لرسالة الدارقطني، وعزا فيها ثمانية أسماء إلى رسالة الدارقطني بقوله: «قال الشيخ أبو الحسن»، ومن بين الذين عزاهم إلى الدارقطني في أفراد مسلم: أبو حبة -ويقال: حية- البدري، مع أنه في النسخة (ي) المروية عن ابن أبي الفوارس عن الدارقطني مذكور فيما اتفقا فيه، فلو كانت تلك النسخة من روايته فعلًا لعزا أبا حبة البدري إلى ما اتفقا فيه، كما هو مثبت في تلك النسخة عنه، فهذا مما يشكك في هذا الإسناد.
وأمر آخر: هو أن في هذا الأصل صحابيين، ذُكِرا متبوعين بعبارة: «ذكره الحاكم»، وهذا ليس من كلام الدارقطني قطعًا، لأن المقصود بالحاكم أبو عبدالله ابن البيِّع، وهو أحد تلاميذ الدارقطني، وما ذُكر عنه موجود في كتابه: «المدخل إلى الصحيح»، ويبعد أن ينقل الدارقطني عن أحد تلاميذه شيئًا في رسالة صغيرة كهذه. وقد لاحظت أن أسماء الصحابة التي زادها هذا الأصل على الأصل الآخر مذكورة كلها عند الحاكم، فلعلها زيدت منه إضافة إلى ما عند الدارقطني، ثم أدخلها النساخ فيما بعد في صلب الرسالة. لكن الإشكال قائم فيمن تغير مكانهم بين الأصلين من المتفق عليه إلى ما انفرد به أحدهما، أو العكس، فهذا مما يصعب تغييره وإبقاء نسبته إلى الدارقطني، وليس للنساخ مجال في تغييره دون إشارة.
فهذان أمران يجعلان الأخذ بهذا الأصل غير متعين.
وتقدُّم تاريخ كتابة النسخة (ي) لا يكفي لتقديمها على بقية النسخ، لأنه تقدم بالنسبة للنسخ الأخرى، وأما الدارقطني فإن تاريخ النَسْخ متأخر عنه بأربعة قرون، هذا مع كون النسخة (ي) في شقها الأكبر -وهو كتاب «تقييد المهمل» الذي جاءت في آخره- كثيرةَ التصحيف والتحريف والسقط، كما ترى وصفها بذلك في مقدمة تحقيق الشيخين علي بن محمد العمران، ومحمد عزير شمس للكتاب، في ١/ ١٣٧.
ومما يرجح الأخذ بأصل (ت) و(س) و(ك) و(ف) أن نقول العلماء عن الدارقطني في
[ ١٥ ]
هذه الرسالة -مما وقفت عليه- متوافقة معه، ومختلفة -في بعض المواضع- عن الأصل الأول، كما تراه في حواشي الرسالة عند ذكر «الحارث بن عوف أبي واقد الليثي، والرميصاء أم سليم، ولبابة الكبرى أم الفضل، وأبي حبة البدري، وأبي داود».
وقد جاء كلام الدارقطني في بعض كتبه الأخرى موافقًا أيضًا لهذا الأصل، مخالفًا للأصل الأول، فمن ذلك:
«سلمة بن يزيد الجعفي» ذكر في أصل (ي) و(هـ) فقط، وقد عده الدارقطني في الإلزامات ص ٩٩ فيمن صحت أحاديثهم، ولم يخرَّج لهم شيء في الصحيحين.
و«حويطب بن عبدالعزى، وعبدالله بن عامر بن ربيعة، وعبدالله بن صفوان» ذكروا في أصل (ي) و(هـ) فقط، وقد ذكرهم الدارقطني في كتابه: «ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته من الثقات عند البخاري ومسلم» ١/ ١٢٠، و١/ ١٨٩، ٢/ ١٣٨، و٢/ ١٣٤، فهم عنده من التابعين، على أنه قد ذَكَر في هذا الكتاب غيرَهم ممن اجتمع عليهم الأصلان.
والجزم باعتماد أحد هذين الأصلين ليس بسهل، لغياب المرجحات القوية، لكني لِمَا سبق ذكره من وجود أمرين يشككان في الأخذ بأصل (ي) و(هـ)، اعتمدت في أسماء الصحابة أصلَ (ت) و(س) و(ك) و(ف)، فله ما يؤيده، وهو أقرب عندي إلى كونه من تأليف الدارقطني، وأثبتُّ في الحواشي ما في أصل (ي) و(هـ) من أسماء زائدةٍ أو مذكورةٍ في غير المواضع التي ذكرت فيها في الأصل المعتمد.