وكان أعسر أحول، وإنه خرج من اليمن سائرًا حتى وطئ أرض العجم، وقال: لأبلغن من البلاد ما لم يبلغه أحد من التبابعة! فأوغل بهم في أرض خراسان، ثم مضى إلى المغرب فبلغ رومة (^١) وخلف عليها ابن عم له، وأقبل إلى العراق حتى إذا صار إلى فرضة نعم (^٢) بشاطئ الفرات قالت وجوه حمير: ما نفنى أعمارنا إلا مع هذا، يطوف في الأرض كلها، نغيب عن أولادنا وعيالنا وبلادنا وأموالنا؛ وما ندري ما يخلف عليهم بعدنا. فكلموا أخاه عمرا وقالوا: كلّم أخاك في الرجوع إلى بلده وملكه. فقالوا: هو أعسر من ذاك وأنكد. فقالوا:
فاقتله وتملك علينا فأنت أحق بالملك من أخيك، وأنت أعقل وأحسن نظرًا لقومك! فقال: أخاف ألا تفعلوا، وأكون قد قتلت أخي وخرج الملك عن يدي. فواثقوه حتى ثلج إلى قولهم (^٣)، واجتمع الرؤساء كلهم معه على قتل أخيه إلّا ذا رعين. فإنه خالفهم وقال: ليس هذا برأي، يذهب الملك من حمير! فشجعه الباقون على قتل أخيه، فقال ذو رعين: إن قتلته باد (^٤) ملكك. فلما رأى
_________________
(١) في الأغانى: «رومية».
(٢) في النسختين: «تغم»، تحريف، صوابه عند ابن الأثير ١: ٢٤٦. وقال ياقوت: «بشط الفرات. قال ابن الكلبي: سميت بأم ولد لتبع ذي معاهر، وهو حسان بن تبع أسعد أبى كرب الحميري. يقال لها نعم، وكان أنزلها على الفرضة وبنى لها بها قصرا، فسميت بها».
(٣) أي اطمأن إليه وسكن.
(٤) جعلها الشنقيطي «بار».
[ ٢ / ١١٥ ]
ذو رعين ما اجتمع عليه القوم أتاه بصحيفة مختومة فقال: يا عمرو، إني مستودعك هذا الكتاب، فضعه عندك في مكان حريز. وكتب فيه:
ألا من يشتري سهرًا بنومٍ … سعيدٌ من يبيت قريرَ عينِ
فإن تك حميرٌ غدرت وخانت … فمعذرة الإله لذي رعين (^١)
وإن عمرًا أتى حسان أخاه، وهو نائم على فراشه، فقتله واستولى على ملكه فلم يبارك له فيه (^٢)، وسلط عليه السهر، وامتنع منه النوم، فسأل الكهان والعياف، فقال له كاهن منهم: إنه ما قتل رجل أخاه قط بغيانًا (^٣) عليه إلا امتنع نومه فقال: هذا عمل رؤساء حمير، هم حملوني على قتله ليرجعوا إلى بلادهم. لم ينظروا لي ولا لأخي. فجعل يقتل من أشار بقتله رجلًا رجلا، حتى خلص الأمر إلى ذي رعين، وأيقن بالشر، فقال له ذو رعين: أما تعلم أني أعلمتك ما في قتله، ونهيتك؟ قال: ما أذكر هذا، ولئن كان ليس عندك إلا ما تدعي لقد طل دمك! قال: إن عندك لي براءة وشاهدا. قال: وما هو؟ قال: الكتاب الذي استودعتك. فدعا بالكتاب فلم يجده، فقال ذو رعين: ذهب دمي على أخذى بالحزم فصرت كمن أشار بالخطأ (^٤)، فقال الملك أن ينعم طلبه (^٥)، فأتى به فقرأه، فإذا فيه البيتان اللذان كتبناهما، فلما قرأهما قال: لقد أخذت بالحزم.
قال: إني حسبت (^٦) ما رأيتك صنعت بأصحابي.
_________________
(١) السيرة ١٨ جوتنجن: «فإما حمير غدرت».
(٢) كلمة «فيه» ساقطة من ب.
(٣) بغيانا، كذا وردت في النسختين. وفي السيرة: «بغيا على مثل ما قتلت أخاك عليه إلا ذهب نومه».
(٤) الخطاء: الخطأ. وفي الأغانى ٢٠: ٨: «بالخطإ».
(٥) كذا. وفي الأغانى: «ثم سأل الملك أن ينعم في طلبه».
(٦) أي ظننت وحدست. وفي الأغانى: «خشيت».
[ ٢ / ١١٦ ]
وتشعّت أمر حمير حين قتل أشرافها، واختلفوا عليه، حتى وثب على عمرو لخنيعة ينوف (^١)، ولم يكن من أهل المملكة، فقتله.
ومنهم: