وكان بلغ معاوية أن أهل المدينة يقولون، إماؤهم وعبيدهم، مقالة قد شاعت على أفواههم:
والله لا ينالها يزيدُ … حتى يعضُّ هامهُ الحديدُ
إنّ الأمير بعدهُ سعيدُ
وكانت أم سعيد أم عبد الله (^٣) بنت الوليد بن الوليد (^٤) بن المغيرة، وكانت قاتلت عن عثمان يوم قتل، وأصابتها جراحة؛ وأعانتها نائلة بنت الفرافصة على المدافعة عنه، فجرحتا جميعًا. فلما بلغ معاوية هذا القول عن سرعان أهل المدينة (^٥)، كتب إلى سعيد بن عثمان فقدم عليه، فلما دخل عليه قال: ما شيء بلغني أن أهل المدينة يقولون:
_________________
(١) يسوق بنفسه: يجود بها، وذلك عند الاحتضار.
(٢) انظر مقاتل الطالبيين ٧٤.
(٣) اسمها عند الطبري ٥: ١٤٨: «فاطمة ابنة الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم».
(٤) كذا في النسختين. وانظر التنبيه السابق.
(٥) سرعان الناس: أوائلهم.
[ ٢ / ١٦٥ ]
* والله لا ينالها يزيد …
وأنشده الأبيات الثلاثة (^١) - فقال سعيد: وما تنكر هذا يا معاوية؟ واللّه إنّ أبى لخير من أبى يزيد، وأمّى خير من أم يزيد، ولأنا خير من يزيد. ومع هذا أنا وليناك فما عزلناك، ورفعناك فما وضعناك، ثم صارت هذه الأشياء في يدك فحلأتنا عن (^٢) جميع ذلك.
قال معاوية: أما قولك يا ابن أخي: إن أبي خير من أبى يزيد، فقد صدقت رحم اللّه أمير المؤمنين عثمان، هو والله كان خيرًا مني. وأما قولك: إن أمي خير من أم يزيد، فصدقت، لعمري لامرأة من قريش خير من امرأة من كلب، وبحسب امرأة أن تكون من صالحي نساء قومها. وأما قولك: إني خير من يزيد، فو اللّه يا ابن أخي ما يسرني أن حبلًا (^٣) مد فيما بين العراق فنظم لي فيه أمثالك بيزيد! ولكن انطلق فقد وليتك خراسان.
وكتب له إلى زياد: أن وله ثغرها، وأقم معه على الخراج رجلًا حازمًا يحصنه (^٤) ويحفظه على أمير المؤمنين. فضرب زياد البعث على أهل السجون والشطار وكل من يلوذ (^٥) به من أهل المصر من داعر (^٦) وما أشبهه، فصاروا أربعة آلاف؛ وولي أسلم بن زرعة الكلابي على الخراج، ومضى سعيد حتى
_________________
(١) هذا تسجيل قديم لعد الشطر من أشطار الرجز بيتا.
(٢) أصل التحلئة في الإبل والماشية: أن تطرد وتحبس عن الورود. ا: «فخلاتنا» وصححه الشنقيطي بما أثبته.
(٣) ا: «جبلا»، صوابه في ب بتصحيح الشنقيطي.
(٤) يحصنه: يحفظه ويصونه. وفي النسختين: «يحضنه».
(٥) في النسختين: «يلوى»، تحريف. لاذ به: أحاط به.
(٦) الداعر: الفاجر المفسد. ا: «ذاعر»، تحريف.
[ ٢ / ١٦٦ ]
نزل مرو، وفوز (^١) منها يريد سمرقند، فلما انتهى إلى نهر بلخ دعا بالعامات (^٢) ليعبر عليها. فلما تحملوا وجازوا كان أول ما سمعه من النداء نداء مناد من غلمان العسكر: يا ظفر! فتفاءل بالظفر. ثم نادى آخر: يا علوان! فقال: علا أمركم إن شاء الله. وبدر الناس رفيع أبو العالية الرياحي الفقيه، فصلى ركعتين، فكان أول من صلى ركعتين من وراء النهر.
ونفذ الناس حتى انتهى إلى بخارى - والملكة يومئذ ببخارى يقال لها «خنك خاتون» فصالحها صلحا معلوما على أن تخلى له الطريق إلى سمرقند، وأخذ منها رهنًا على الوفاء ثلاثين غلامًا من أبناء الملوك مردًا كأن وجوههم السيوف، وسهلت له الطريق، والتقى هو وخاتون فقرفهما (^٣) أهل خراسان، وغنوا عليهما أغنية بالخراسانية، وهي:
كور خمير آمذ خاتون دروغ كنده (^٤)
فمضى إلى سمرقند فظفر وقتل وسبى ثلاثين ألف رأس، ثم رجع. فلما انتهى إلى بخارى قالت له الملكة «خنك خاتون»: أردد عليَّ الرهون فقد (^٥) سلمك الله. فقال: إني أخاف غدرك حتى أقطع النهر. فلما قطع النهر. بعثت إليه أرددهم.
قال: حتى أنزل مرو. فمضى بهم ولم يرددهم عليها. ومضى قافلا إلى المدينة،
_________________
(١) فوز الرجل بإبله: سلك بها المفازة.
(٢) العامة: معبر صغير يكون في النهر، يتخذ من أغصان الشجر ونحوها.
(٣) قرفه: عابه واتهمه.
(٤) كور، بالفارسية بمعنى الأعمى أو العمياء. وإذا قرئت «كور» كان معناها عابد النار أو الصم. آمد بمعنى أقبل أو جاء. ورسمت في النسختين «آمذ». بالمعجمة دروغ بمعنى الكذب، وفي النسختين: «دروع»، تحريف.
(٥) ا: «فقال». والتصحيح للشنقيطى.
[ ٢ / ١٦٧ ]
فجعل أولئك الرهن فلاحين في نخل له وحرث بالمدينة، فأتاهم يوما يتعهّد ما له فاغتالوه فقتلوه، ووجئوه (^١) بخناجرهم.
وبلغ الخبر أهل المدينة فساروا إليهم فحصروهم في جبل هناك، ولم يقدموا على حربهم حتى ماتوا في ذلك الجبل عطشًا. فجعلت ابنة سعيد جارية لها يقال لها «مردانة» في رحالة (^٢) فقالت: من يبكي أبي ببيتين شعرهما في نفسي فله هذه الجارية بما عليها. فقال في ذلك الشعراء فلم يصنعوا شيئًا، فقال خليد عينين (^٣) العبدي:
يا عينُ أذري دمعةً … وأبكي الشَّهيدَ ابنَ الشَّهيد
فلقد قتلتَ بغرّةٍ … وجلبتَ حتفك من بعيدْ
فلما قالهما قالت: إن هذان (^٤) اللذان كانا في نفسي. وأعطته الجارية برحالتها.
ومنهم: