أخو بني قيس بن ثعلبة. وكان عمرو بن هند مضرط الحجارة (^١) اللخمى جعل طرفة والمتلمس في صحابة قابوس أخيه، فكان قابوس يتصيد يومًا ويشرب يومًا. فكان إذا خرج إلى الصّيد خرجا معه، فنصبا وركضا يومهما، فإذا كان يوم لهوه وقفا على بابه يومهما كله، فلما طال عليهما ذكره طرفة فقال:
فليت لنا مكان الملك عمرو … رغوثًا حول قبتنا تخور
يشاركنا لنا رخلانِ فيها … وتعلوها الكباشُ فما تثورُ (^٢)
لعمرك إنَّ قابوس بن هندٍ … ليجمع ملكهَ نوكٌ كثير (^٣)
قسمتَ العيشَ في زمنٍ رخىٍ … كذاك الحكمُ يعدل أو يجورُ
لنا يومٌ وللكروانِ يومٌ … تطيرُ البائساتِ وما نطيرُ (^٤)
فأما يومهن فيومُ سوءِ … يطاردهن بالحدب الصقور
وأمَّا يومنا فنظلُّ ركبًا … وقومًا ما نحلُّ وما نسير
وقد كان طرفة هجا ابن عمّ له وصهرا يقال له عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد، فقال:
لا عيبَ فيه غير أن قيل واجدٌ … وأنَّ له كشحا إذا قام أهضما (^٥)
_________________
(١) كان يقال له ذلك لشدته وصرامته. اللسان.
(٢) الرخل: الأنثى من ولد الضأن: في النسختين: «رجلان»، صوابه في ديوان طرفة ٦. تثور: هي في الديوان «تنور»، أي تنفر. يصف غزارة در هذه النعجة المرضع، وإلفها للذكور التي تلقحها.
(٣) في النسختين: «ليجمع ملك»، وبذلك يختل الوزن، وفي الديوان: «ليخلط ملكه».
(٤) الكروان، بكسر الكاف: جمع كروان، بالتحريك. والبائسات نصب على الترحم.
(٥) الواجد: الغنى. وفي النسختين: «واحد» تحريف، صوابه في الديوان ٥ في إحدى الروايات، ويروى: «غير أن قيل ذا غنى». ويروى أيضا: «غير أن له غنى».
[ ٢ / ٢١٢ ]
وكان عبد عمرو نديمًا لعمرو بن هند وجليسا وإنسًا (^١)، فدخل معه الحمام، فلما تجرد نظر إليه عمرٌو فقال: كأن ابن عمك كان يراك حين يقول:
لا عيب فيه غير أن قيل واجدٌ … وأنَّ له كشحا إذا قام أهضما (^٢)
حتى أتى على الشعر. فقال: ما قال فيك أيها الملك أشدُّ! قال: وما قال؟
قال: فأنشده:
• فليت لنا مكان الملك عمروٍ …
إلى آخرها. فقال: لا أصدقك عليه؛ لما بينك وبينه. واحتملها في قلبه على طرفة.
فلما كان بعد ذلك بيسير قال لطرفة وللمتلمس: أظنكما قد اشتقتما أهلكما، فهل لكما في أن أكتب لكما إلى عامل البحرين بصلةٍ وجائزة؟ قالا: نعم.
فكتب إليه بقتلهما، فأخذا كتابهما ومضيا، وأحسَّ المتلمسُ بالشر وخاف الداهية، فقال لطرفة: إنَّ حملنا هذين الكتابين ولا ندري ما فيهما عجز، فهل لك أن ننظر فيهما؟ فقال طرفة: لم يكن ليقدم على ولا على قومي، وما بينهما إلّا خير! فمرّا بنهر الحيرة فإذا بغلمان يلعبون، ففكّ المتلمس صحيفته ودفعها إلى غلامٍ منهم فقرأها فإذا الشرُّ، فألقاها في الماء وقال لطرفة: اعلم أنَّ في كتابك ما في كتابي. فقال: لم يكن ليفعل ولا يجترئَ على قومي. فقال المتلمس:
قذفت بها بالثّنى من جنب كافرٍ … كذلك أقنو كلَّ قطٍ مضللِ (^٣)
رضيت لها بالماء لما رأيتها … يجول بها التّيّار في كلّ جدول
_________________
(١) الإنس، بالكسر: الصفى والخاصة. وجعلها الشنقيطي في نسخته «أنيسا».
(٢) في النسختين: «واحد». وانظر ما مضى في الحاشية الخامسة ص ٢١٢.
(٣) كافر: نهر بالجزيرة، وقيل النهر العظيم. أقنو: أجزى وأكافئ. القط، بكسر القاف: الصك بالجائزة.
[ ٢ / ٢١٣ ]
ومضى المتلمس إلى الشام، ومضى طرفة بكتابه إلى عامل البحرين، وهو عبد هند بن جرد بن جرى بن جروة بن عمير التغلبي، فلما قرأ الكتاب قال:
أترى ما في كتابك؟ قال: لا. قال: فإن فيه قتلك، وأنت رجلٌ شريف، وبيني وبين أهلك إخاءٌ قديم فانج قبل أن يعلم بمكانك؛ فإني إن قرأت كتابك لم أجد بدَّا من قتلك! فخرج ولقيه شباب (^١) من عبد القيس، فجعلوا يسقونه ويقول الشعر، فلما علم بمكانه قدمه فضرب عنقه. وهو قول المتلمس:
وطريفةُ بن العبدِ كان هديهم … ضربوا صميم قذاله بمهندِ
(^٢) ومنهم: