كان سبب ذلك أن عبد الرحمن بن ملجم التجوبي وعداده في مراد، والبرك بن عبد الله التميمي (^٢) وهو صاحب معاوية، وعمرو بن بكير التميمي (^٣)، وهو صاحب عمرو بن العاص - اجتمعوا جميعًا بمكة فتذاكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: والله ما نعبأ بالبقاء في الدنيا شيئًا بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، وكانوا مصابيح الهدى. ثم ذكروا الناس فعابوا عليهم أفعالهم، وقالوا: [لو (^٤)] أنّا شرينا أنفسنا للّه، والتمسنا غرة هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم إخواننا، وأرحنا منهم العباد. فقال عبد الرحمن: أنا لكم لعلي، وقال البرك: أنا لكم لمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا لكم لعمرو بن العاص.
فتعاهدوا على ذلك وتواثقوا لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي سماه حتى يقتله أو يموت دونه. فاتعدوا في شهر رمضان ليلة سبع عشرة (^٥) ثم افترقوا على
_________________
(١) جدح الشئ: خلطه.
(٢) ا: «التيمي» صوابه في ب. ويقال فيه أيضا «الصريمى» نسبة إلى صريم بن مقاعس، من بنى سعد بن زيد مناة بن تميم. الاشتقاق ١٥٠ - ١٥١.
(٣) ا: «عمر بن بكير» وجعلها الشنقيطي «عمرو». وعند الطبري ٤: ٨٣ «بكر» موضع «بكير».
(٤) ليست في أصل الكتاب. وجاء في الطبري: «فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا».
(٥) وقيل لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة ٤٠. وقيل في شهر ربيع الآخر سنة ٤٠.
[ ٢ / ١٦٠ ]
ذلك، وتوجه كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، وكان علي ﵁ قد ضجر من أهل الكوفة، وكان كثيرًا ما يدعو عليهم، وكان كثيرًا ما ينشد إذا آذوه:
خلُّوا سبيل العير يأتِ أهله … سوفَ ترون فعلكم وفعله
وكان كثيرًا ما يقول:
لا شيءَ إلاَّ الله فارفع ظنّكا … يكفيك ربّ الناس ما أهمّكا
وكان يقول أيضًا:
خلُّوا سبيل الجاهدِ المجاهدِ … أبيتُ أنْ أعبدَ غيرَ الوحد
وكان يقول:
فأيَّ يوميَّ من الموتِ أفرّْ (^١) … أيومَ لم يقدرَ أم يومَ قدرْ
وكان يقول: ما يحبس أشقاها، أما والله لعهد إلى النبي الأمي ﷺ أن هذه تخضب من هذه - يعنى لحيته من هامته - وكان يقول:
اشدد حيازيمك للموت … فإنَّ الموت آتيكا (^٢)
ولا تجزعْ من الموتِ … إذا حلَّ بواديكا
فلما كانت الليلة التي اتّعدوا لها، وكانت ليلة الجمعة، بات ابن ملجم في مسجد الجماعة بجنب الأشعث بن قيس الكندي، وكان علي ﵁ رأى في تلك الليلة رؤيا فخبر بها أبا عبد الرحمن السلمي وهو مجروح فذكر أبو عبد الرحمن وكان مؤدب الحسن والحسين ﵄، قال: دخلت عليه وهو مجروح فقال:
ادن مني يا أبا عبد الرحمن - والنساء يبكين - فدنوت منه فقال لي: بت الليلة أوقظ أهلي، فملكتني عيني وأنا جالس، فسنح لي رسول اللّه ﷺ
_________________
(١) ويروى: «في أي يومى». شرح شواهد المغنى للسيوطي ٢٣١ حيث نسب الشعر إلى الحارث بن منذر الجرمي. والشطر بعده شاهد للنصب بلم.
(٢) يجعله العروضيون شاهدا للخزم، وهو زيادة تعرض في أول البيت. العمدة ٢: ٩٢. وانظر مقاتل الطالبيين ٣١ والأغانى ١٤: ٣٣.
[ ٢ / ١٦١ ]
فقلت: يا رسول الله، ما لقيت من أمّتك من الأود واللّدد (^١)؟! فقال: ادع عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني! ودخل ابن التياح (^٢) المؤذن على ذلك، فقال: الصلاة. فأخذت بيده، فمشى ابن التياح بين يدي وأنا خلفه.
(ورجع الحديث). قال: فقال الأشعث لابن ملجم: فضحك الصبح! فانطلق ابن ملجم، وشبيب بن بجرة الأشجعي، وخرج علىّ من منزله وهو يقول أيها الناس الصلاة، أيها الناس الصلاة! فضربه ابن ملجم ضربة من جبهته إلى قرنه، وأصاب السيف الحائط فثلم فيه، ثم ألقى السّيف وأقبل الناس فجعل يقول:
أيها الناس، إياكم والسيف فإنه مسموم!! فذكروا أنه سمه شهرًا.
فأدخل علي ﵁، وأدخل ابن ملجم عليه فقالت أم كلثوم بنت علي: أقتلت يا عدو الله أمير المؤمنين؟! قال: لم أقتل إلا أباك. فقالت: والله إني لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين بأس. قال: فلم تبكين إذًا، والله لقد سمعته شهرا، فإن أخلفني فأبعده الله وأسحقه!
ثم إن عليًا ﵀ قال: أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش فعفو أو قصاص، وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين.
وذكروا أن ابن ملجم خطب امرأة من الرباب، يقال لها «قطام»، وكانت من أجمل الناس، وكانت خارجية، وكان علي قتل أهل بيتها بالنهروان، فقالت:
لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف، وقتل علي بن أبي طالب بعد ذلك فتزوّجها وبني بها، فلما فرغ منها قالت: يا هذا، إنك قد فرغت فاقرع (^٣)! فخرج فضرب عليا.
_________________
(١) قال أبو الفرج: الأود: العوج. واللدد: الخصومات. مقاتل الطالبيين ٤١.
(٢) مقاتل الطالبيين: «ابن النباح».
(٣) في ب: «فافرغ»، من صنع الناسخ.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقال بعض الشعراء (^١):
فلم أر مهرًا ساقهُ ذو سماحةٍ … كمهر قطامٍ من فصيحٍ وأعجمِ
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ … وضرب عليٍّ بالحسام المصمّم
فلا مهر أغلى من عليٍّ وإن غلا … ولا قتلَ إلا دون قتلِ ابن ملجم
وأما صاحب معاوية فطعن معاوية وقد خرج لصلاة الفجر في تلك الليلة في أليته، فلم يولد لمعاوية بعدها حتى مات.
وبذلك السبب جعلت المقصورة في المسجد الجامع.
ومنهم: