وكانا يفدان على المنذر الأكبر اللخمي في كل سنة، فيقيمان عنده وينادمانه.
وكانت أسد وغطفان حلفاء لا يدينون للملوك، ويغيرون عليهم، فوفدا سنة من السنين ومعهما سبرة بن عمير الشاعر الفقعسي، وحبيب بن خالد، فنادم المنذر عمرو وخالد بن نضلة، فقال المنذر يومًا لخالد، وهم على الشراب: يا خالد، من ربك؟
فقال خالد: عمرو بن مسعود ربّى وربّك. فأمسك عليهما (^٢)، ثم قال لهما بعد:
ما يمنعكما من الدخول في طاعتي، وأن تذبوا عني كما ذبت تميم وربيعة (^٣)؟
فقالا: أبيت اللعن، هذه البلاد لا تلائم مواشينا، ونحن مع هذا قريب منك، نحن بهذا الرمل، فإذا شئت أجبناك. فعلم أنهم لا يدينون له. وقد سمع من خالد الكلمة الأولى، فأومأ إلى الساقي فسقاهما سما، فانصرفا من عنده من
_________________
(١) ا: «من كل»، صوابه في ب.
(٢) ا: «عليها»، صوابه في الخزانة ٤: ٥١٠ حيث نقل نص ابن حبيب. وجعلها الشنقيطي «عنهما».
(٣) الخزانة: «وأن تدنوا منى كما دنت تميم وربيعة».
[ ٢ / ١٣٣ ]
السّكر على خلاف ما كانا ينصرفان، فلما كانا في بعض الليل أحس حبيب ابن خالد بالأمر، لما رأى من شدة سكرهما، فنادى خالدًا فلم يجبه، فقام إليه فحركه فسقط بعض جسده، وفعل بعمرو مثل ذلك، وكان حاله كحال خالد، فأصبح المنذر نادمًا على قتلهما، فغدا عليه حبيب بن خالد فقال: أبيت اللعن، أسعدك الأهل، نديماك وخليلاك تتابعا (^١) في ساعة واحدة. فقال له: يا حبيب أعلى الموت تستعدينى، وهل تراني إلا ميتًا (^٢) وأخا ميت وأبا ميت؟ ثم أمر فحفر لهما قبران ودفنا فيهما، وبنى عليهما منارتين، وهما الغريان، وعقر على كل قبر خمسين فرسًا وخمسين بعيرًا، وغرّاهما بدمائهما، وجعل يوم نادمهما (^٣) يوم نعيم، ويوم دفنهما يوم بؤس. وقال الشاعر (^٤) فيهما:
ألا بكر النّاعى بخيريْ بني أسدْ … بعمرو بن مسعودٍ وبالسيِّد الصمدْ
يشقّ بصحراء الحبيل له الثَّرى … وما كنت أخشى أن يزار به بلدْ (^٥)
ومنهم: